رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8 شعبان 1424هـ - 4 أكتوبر 2003
العدد 1597

وتــد

خائن!

نشمي مهنا

الصرخة المكتومة لا بد لها أن تملأ فضاءها الصريح، وتمارس حريتها في الإعلان، والإشهار، والفضح، وإلا انقلبت الى خنجر يأكل أضلاعنا بصمت، أو بركان يهز أركاننا السرية، أو جبل لا مرئي يُثقل، ويتعب، فيميت·

وكذلك الدمعة، والفكرة، والرغبة··

نعرف أننا في يوميات حياتنا وعاداتنا العربية وثقافتنا نسمي - أحيانا - الصمت (العاجز منه حتى) حكمة، وصبرا جميلا، لكن الأشد ثقلا وتعبا وإماتة لأرواحنا من كل هذا الصمت وذاك الحبس والكتمان، أن نزوّر حقيقة الصرخة إن فرّت مرة من بين أصابع صبرنا، فيصبح بكاؤنا دموع فرح، وتأوهاتنا غناء، مخالفين الفطرة·

أقف حائرا أمام بعض مشاهد هذا "التزوير"، أراه يتكرر - مثلا - في عبارات أمهاتنا الفلسطينيات، ممن فقدن فلذات أكبادهن تحت المجنزرات الإسرائيلية، أو بطلقة رصاصة حاقدة، أو طائشة· هذه الأم المفجوعة بفقد ابنها، المصدومة بنبأ مقتله، المرتمية على وجهه بالقبلات والحسرات والألم، تحاول إقناعنا وإقناع نفسها أنها "فرحة باستشهاده في سبيل الوطن"·

لماذا لا تقول إنها صدمت بنبأ وفاته، وحزنت، وتهدمت أشياء جميلة داخل روحها ساعة فقده، وإنها لم تكن تتمنى له هذا الغياب، وإن روحه لا يعادلها شيء، مهما غلا أو قدّس·

طوابير المعزين (نحن)، وهذه الأم (التي تكون في حالات أخرى ضمن الطابور) نمارس دور الرقيب الصارم على العواطف خوف انفلاتها، أو تغيير المسميات التي نريدها للحدث، أو البطولات التي نراها، وتظل العاطفة الحقيقية بعيدة عن المشهد مختبئة في العمق تنتظر انفضاض الجمع، لتنطلق خفية في وحدتها وليلها المعتم·

هذه الأم أيا كانت فلسطينية أو كويتية أو مصرية، تشارك معنا في تزوير غير مبرر لعاطفة فطرية·

محمد الدرة الطفل الذي أعطته المصادفة الإعلامية فرصة لفضح الإجرام، وإدانة الوحشية المتخفية بلباس العسكر (وكثير من الأطفال الفلسطينيين اخترقت براءاتهم رصاصات إسرائيلية خلف عدسة التصوير)، وأعطتنا (نحن) هذه المصادفة فرصة للمشاركة في العزاء، بعضنا كان يريده أيقونة للفداء، رمزا للمقاومة، عنوانا للبطولة، آخرون لا يريدون أن يفوّتوا مأتما دون بكاء، وآخرون رأوا في ذبحه صورة تثبت مقدرات فنية وكتابية!

لم يتذكر أحد وحشة بيت العائلة بعد غيابه··

شخصيا - وكنت مشاركا في هذا العزاء ومداناً حتما - أرى أن للروح المسلوبة من بيننا حقها في توقير أحزاننا عليها، والتصريح بخسارتنا، لا تزويرها و"توظيفها"·

üüü

نحاذر دوما أن نصطدم بحقيقة ذاتنا المخنوقة، لا نعطيها فرصة للحوار الداخلي، الذي قد نشتبك معها بسببه· كأن تنينا يجول بأعماقنا بأكثر من رأس، ويطل علينا بحقائق لا حقيقة واحدة، محاولا إقناعنا· خصوصا عندما يقول لك أحد هذه الرؤوس، الذي لم تألف بشاعته (وفق ما اعتدت ورأيت واعتقدت وآمنت) إن الروح مقدسة وغالية وعزيزة، لا شيء يعدلها، أو يستحق نزعها منك، أو أن تضحي بها لأجله، لا وطن رسمته خارطة الحاجة للتقوقع والانتماء، لا ولد ولا والدين ولا حبيب جاءت بهم حاجة الدفء والعاطفة، ولا معتقد ألّفتْه آدميتك الخائفة، ليكون دليلك في ليل التيه، قد تطفئه في زمن قادم وتشعل مصباحا آخر!

هذا التنين يحاول اقناعك بمواجهة اتهامات: الجبن، والخيانة، والأنانية، بالابتسامة الواثقة أو الضحك على مدلولاتها المتعارفة، التي أسماها "سخيفة" و "مخادعة"·

وقد يضيف أحد التنينات: قد تدفعك رغبة ما للتضحية "بروحك" في سبيل هذا كله أو بعضه، أو وهم آخر، لكن - أعلم الآن - وقبل التفريط بزمردة الدنيا (روحك)، أنك لحظتها الخاسر الوحيد، وحاضن الهباء!

(وقد يكون لحديث التنين بقية··)·

nashmi@taleea.com

طباعة  

أعاد قراءة "الاستشراق" وقضايا فكرية وسياسية
إدوارد سعيد يرحل تاركا غربة الأسئلة وإجابات مفتوحة··

 
محاضرة
 
كتابة
 
المــرصد الثقـافي