رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8 شعبان 1424هـ - 4 أكتوبر 2003
العدد 1597

كتابة

هويـــات مهشمة

محمد الأسعد

 أن الكثيرين يتحدثون عن الهوية كمعنى متغير في سياق، ويتحدث آخرون عنها كحجر مقدس يغير ولا يتغير، أشعر بالمفهومين وجهين لواقعة واحدة، ويدهشني، مثلما أدهشني آنذاك، تعبير "الهويات القاتلة" الذي أطلقه معلوف، ما إن تكشف له تغاير السياقات التي نشأ ونما فيها، فأصبح تعدد الهوية أو اختراع هوية جديدة خلاصا من مذبحة الهويات، هل الهويات قاتلة بالفعل؟

لنبدأ من مقولة السياق الأحدث، نحن نعرف بلاغيا أن الكلمة يتبدل جوهرها أو وظيفتها الجمالية بين سياق وآخر، وأنها لا تحمل بذاتها لا جوهرا ولا جماليات محددة، إنها تظل في حالة "لا تحدد" الى أن تتمثل في سياق جملة، فهل البشر لا متحددون بهذا المعنى؟ ميراث البشر يشبه الى حد ما ميراث الكلمة في أذهاننا، ولكن مع استثناء: أن الكلمة لا تحمل أوهاما عن نفسها مثلما يحمل البشر، وهكذا، في الوقت الذي يمكن أن تتبدل فيه الكلمة يستعصي التبدل على البشر، أعني أن تعلقهم بسياقهم المتخيل "الموروث والمرغوب فيه" هو أبرز وجوه سلوكهم وفكرهم، للحفاظ على الجماعة بالطبع ولكن لحفاظ الفرد على ذاته أساسا، إنهم لا يلاحظون تحت هذا الثبات، وهو نتاج مخيلة تصوغ السلوك والفكر معا، شبكة العلاقات الخفية·

العلاقات هي الأساس الباطن بغض النظر عن نوع هذه الهوية أو تلك، وهي الوجه الآخر لما يبدو أحفورات دينية أو طائفية أو قومية بل وعرقية أيضا، إلا أنه وجه ملازم وليس مفارقا، مثلما هو التناقض بين وجهين لبنية واحدة (أيا كانت)، علاقات وثبات أو تجسد وممكن·

üüü

من أخص خصائص البنيوية أنها جوهرت البنية، بحيث لو استبدلنا عنصرا من عناصرها بآخر لما انهارت، ولكن أليست البنية أساسا جملة علاقات تصنع الكل الكبير ويصنعها بالتبادل؟ ما لم تدركه البنيوية البعيدة عن عوالم الفيزياء الحديثة هو أن الكل الكبير الأكبر من مجموع أجزائه يظل هو هذه الأجزاء أيضا، وأي تغيير في علاقاتها ينعكس على الكل الكبير، إذا قلنا إن بنية الكل هي الهوية فإن السياق هو العلاقات ولا أستطيع إلا أخذهما معا·

من الصعب أن أقول مع ادوارد سعيد إن الهوية شيء سيال أو دفق دائم الى أن يقرر شخص متعصب انتقاص سيولته، هو سيل شبيه بالموجة وهو أيضا كينونة متحيزة في مكان مثلما يتحيز الحجر في وقت واحد معا، قد نقيس هوياتنا، باستعارة من الفيزياء، بأداة تكشف السمة الحجرية فنجدها متحجرة فعلا، وقد نقيسها بأداة تكشف السيولة فنجدها سائلة فعلا، وكلا الأمرين صادق في الحالة الأولى تكون الأداة القائم والراهن والمتراكم حتى هذه اللحظة وما صارت إليه جماعة من الجماعات أو حصادها، هنا يبدأ المتحمس والمتعصب بتعداد الخصائص الفريدة والسمات العبقرية الخالدة وكل ما هنالك من جواهر منطلقا من رغبة في تخليد الأمة أو الجماعة وتدعيم وجودها، متجاهلا دائما أنه يرى ما يريد أن يراه، بل ويشعر بالمشاعر التي يود أن يشعر بها·

في الحالة الثانية، تكون الأداة الممكن، العلاقات كمفهوم مجرد من هذا التمثيل أو ذاك، أو ما يمكن أن تصير إليه الهوية وليس ما صارت إليه، وهنا يبدأ المندهش بهذا الكشف، كما اندهش معلوف، بالتنظير لهوية جديدة تتجاوز الأشكال القارة، أي كل ما هو قليل ومعيق للغنى الإنساني·

üüü

أنا أسلّم بنظرية السياق، ولكن ما يتغير فيه أو يسيل هو المعنى "سواء كان دينيا أو قوميا أو طائفيا أو عرقيا حتى" وتبقى جملة العلاقات لتشكل المعنى الجديد، لا تقوم بنية من دون علاقات، فرغم الوهم الشعبي الشائع بوجود هوية وطنية مثلا جامعة لبعض الجماعات، كثيرا ما تفتقر هذه الهوية الى البنية، لأن علاقات الجماعة متقطعة، ولا وجود لشبكة أو سياق بقدر ما أن هناك وهم بنية أو وهم هوية·

العلاقات ضرورة أنطولوجياً لصياغة الهويات وتمثلها في حالتي الوجود والصيرورة، العلاقات بين أفراد الجماعة بالطبع أو الشعب أو الشعوب·

فماذا يعني وجود شعب؟ وفي الحالة العربية تحديدا؟ خارج العلاقات البيئوية والاقتصادية والثقافية ينعدم هذا الوجود حتى لو نهضت العلاقة السياسية الفوقية، وهي فوقية دائما، ما دامت الممارسة السياسية احتكارا لقلة بطبيعتها، علاقات البيئة والاقتصاد والثقافة داخلية، أي أن كل فرد يتنفسها وحتى لو تقطعت هذه العلاقات بجوانبها البيئوية والاقتصادية، فمن الممكن، والملحوظ فعلا، أن تنهض الثقافة، حاملة الذاكرة، بوظيفة الشبكة البديلة·

إنني أعلق أهمية بالغة على هذا الجانب في وقت تتحطم فيه هويات شعوب بأكملها، ليس لافتقارها لحكومات أو بيئة واحدة أو اقتصاد حتى، بل لافتقارها الى ثقافة وذاكرة، ولا أبالغ إذا قلت إن العلاقات الشبكية بين أفراد الشعب الواحد أو جماعاته هي التي تخلق الوطن وليس العكس، الاعتقاد القائم عند أكثر من حكومة أو أكثر من شعب عربي بوجود وطن واحد يقوم على الوهم، لأن الوطن ليس مصطلحا بقدر ما هو علاقات حية بين أحياء،ولا ينهض إلا من قلب هذه العلاقات·

سؤال الهوية إذن سؤال تال يسبقه سؤال العلاقات، لا يتقدم عليه إلا إذا تقدمت العربة الحصان، ذاكرتنا الآن كعرب، وأعني ثقافتنا، رغم التشتت وتقطع علاقتها بماضيها وحاضرها، أي انهدام المعنى القائم حاليا في أكثر من مجال وأكثر من مكان بحجة تغير السياقات العربية والدولية، تكاد تكون هي الشجرة التي تنهض بأعباء الأشجار المجتثة: البيئة والاقتصاد·

üüü

تحدث د· أنطون زحلان في كتابه "العرب وتحديات التقانة" عن التفكك الاقتصادي والثقافي والعلمي الذي تعرض له الوطن العربي طيلة الخمسمئة عام الماضية، إلا أنه لم يتحدث عن تأثيره على الهوية بقدر ما تحدث عن تأثيره على الفاعليات، ربما لأن موضوع الهوية خارج أطروحة الكتاب، ولكنني حين أفكر برد الفعل على التفكيك المتزامن، أدرك كيف أن العرب الراهنين أخذوا موضوع الهوية أولا قبل أن يأخذوا موضوع العلاقات، فأخرجوا خطابا سجاليا، والسجال سمة خطاب النهضة كما لاحظ مالك بن نبي وما زال حتى هذه اللحظة، ضد الغرب (الآخر) وضد المواطن (الأنا)، وها نحن نلتقي الآن للدفاع عن وهم هوية (العربة) لا عن علاقاتنا الباطنة المتفخسة (الحصان الهزيل المحطم)، هل يمكن أن تنشأ هوية خارج سياق، خارج تعالق بيننا؟ لا أعتقد فهذا السياق، أي جملة العلاقات المتغيرة باستمرار ليس موضوع توهم إنساني، بل هو أساس وجودي (شرط الكينونة) لا "يتمثل" كائن خارجه أو من دونه، ولكنني مرة أخرى، لا أفهمه كعناصر في حالة سيولة دائمة بلا أنساق، تتعدد قراءات النص ولكنه يمتلك عناصر تظل عناصر قراءة وإلا أصبحت القراءة محالة، الفرق بيني وبين أصحاب الأنساق الثابتة مهما كان نوعها هو أنني لا أرى الأنساق إلا في حالة صيرورة وتشكل دائمين، إنها الأنساق وصيرورتها معا، هي الموجة والحجر معا، وهي ما أنا وما سأكون عليه·

üüü

إذا فكرت في هذه العلاقات، كما فكر فيها المعلوف، لا أجد سببا للقلق الذي استولى عليه حين وجد نفسه ينشأ على شيء ثم يشب على شيء آخر فتختلط عليه هويته، ما يشكلني الآن وما سأصير إليه يحمل الوجهين معا: العربي والآخر في حالة تداخل علائقي·

لم يحدث هذا ربما في الأزمنة القديمة حيث حافظ مصطلحا "دار الحرب" و"دار الإسلام" على حدود وهمية بين الهويات، ولكنه يحدث الآن وبشكل متسارع منذ القرن التاسع عشر، أي منذ تبلور الحركة الأممية وصولا الى وريثتها، الحركة الإنسانية المناوئة للعولمة·

إذا جردنا مصطلح العولمة من قناعه المنتحل، نكتشف تحته وجها بشعا للاستعمار الغربي الذي لم تعرفه البشرية إلا مع اندفاع الغرب في القرن السادس عشر لهدم مقومات وجود الآخر "في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية"، ولكن هذا الانتحال لا يجعلني أضع الغربي في خندق والعربي في خندق مقابل، بل يجعلني أبحث عن الأصل الذي انتحلته هذه القوى الاستعمارية، عن "العولمة" بوصفها أساسا أنطلولوجياً أيضا لوجود البشر وقوام حضاراتهم· لماذا؟ لأن ثمة علاقات بيني وبين الغربيين وغيرهم المناوئين للانتحال والاستعمار هي التي تمنحنا بالتبادل هويتنا الإنسانية المشتركة·

لا أعتقد أن الدعوات الفكرية والدينية الكبرى في التاريخ كانت لشعب دون آخر، ولا كانت فنون الحضارة من أجل هذا المجتمع دون الآخر، ولا أعتقد أن القدماء، الذين يصبحون أصدقاءنا كلما نضجنا أكثر، لم يدركوا المغزى الحقيقي لهذه الدعوات التي أقامت حضارات متنوعة من أجل الكل الأكبر، أي الإنسانية، صحيح أن أهل الحروب، أباطرة وقراصنة، صنعوا من أنفسهم أو صنع منهم المغفلون أبطالا، إلا أن الأبطال الحقيقيين ليسوا هؤلاء بالتأكيد رغم ضجيجهم، بل هم أولئك الذين مجدوا الحياة الإنسانية المشتركة، أو الهوية الكبرى التي يجد فيها كل واحد منا شيئا من هويته وتجد فيه شيئا من هويتها·

طباعة  

أعاد قراءة "الاستشراق" وقضايا فكرية وسياسية
إدوارد سعيد يرحل تاركا غربة الأسئلة وإجابات مفتوحة··

 
محاضرة
 
وتــد
 
المــرصد الثقـافي