رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8 شعبان 1424هـ - 4 أكتوبر 2003
العدد 1597

أعاد قراءة "الاستشراق" وقضايا فكرية وسياسية
إدوارد سعيد يرحل تاركا غربة الأسئلة وإجابات مفتوحة··

كتب المحرر الثقافي:

بغياب المفكر الفلسطيني الأصل والأمريكي الجنسية إدوارد سعيد، تفقد الثقافة العربية والعالمية صوتا حرا سجاليا، كان يثير الكثير من القضايا الفكرية الشائكة، التي تصطدم مع مسلمات التاريخ والتراث والسلطات، مما سبب له - كما يقول - مشاكل عدة، كان يراها ثمنا لا بد من دفعه في سبيل الوقوف الى جانب مطالب الإنسان المهمش، وحريته، واستعادة إنسانيته المستلبة·

دفعت هزيمة 67 إدوارد سعيد الى ساحة العمل السياسي كمفكر ليبرالي، انتبه الى ضرورة دخوله في معترك الدفاع عن قضية وطنه المحتل، فشارك في النشاطات الثقافية والسياسية، وهو الأكاديمي الأمريكي الجنسية، البعيد جغرافيا عن قلب الحدث، لكنه شعر بأهمية دوره في "خارج المكان" لوجوده في "عاصمة القرار" فعمل على دعم المقاومة الفلسطينية، وأيد مطالبها، وشكل بنشاطاته من خلال الإعلام الأمريكي والندوات والمؤتمرات والتظاهرات السلمية إعلاما مضادا للإعلام الإسرائيلي المتنفذ في الولايات المتحدة الأمريكية·

اختلف الراحل في مراحل تالية مع القيادة الفلسطينية، وكان لجرأته أثر في كشف أخطائها وتخبطاتها في الممارسات، والاختيارات التي تنتهي بها دوما الى نفق مظلم، وكان يرى أن رجال السلطة وأعلامها والمثقفين الفلسطينيين لم يحسنوا التعامل مع المجتمع الأمريكي، للتأثير عليه لصالح القضية، ويقول في أحد حواراته "حاولت قبل خمسة عشر عاما أن ألفت نظر المثقفين الفلسطينيين في أمريكا الى التجارب النضالية لحركة السود، لكنهم لم يستجيبوا، والقيادة الفلسطينية أهملت الأصدقاء والحلفاء داخل المجتمع الأمريكي وركضت وراء الأعداء، حاولت أن أُفهّم القيادة الفلسطينية أيام عمان وبيروت وتونس حتى الآن، أن المجتمع الأمريكي هو مجتمع معقد، وأن البيت الأبيض ليس هو المحرك الأساسي للمجتمع الأمريكي"·

يطرح المفكر الراحل إشكالية الهوية لدى الفلسطينيين، ويرى أن الإنسان الفلسطيني قد حصر نفسه داخل هويته، ويطالب بضرورة الخروج من هذه الدائرة الضيقة، لأنها لن تخدم قضيته، وعليه أن ينطلق من القيم الإنسانية الأخرى، التي تشمل القضية وغيرها، كي يعطي أبعادا أعمق·

كما يرى إدوارد سعيد أن لا مفرا من الاعتراف المتبادل بين الشعبين الفلسطيني واليهودي، بهدف التعايش على أرض واحدة، رافضا مطالب التهجير أو التصفية "الذي أثر عليَّ كفلسطيني هو الاستلاب والتهجير ولا يمكن المطالبة بتهجير شعب آخر رغم أنه قدم من الخارج كشعب أجنبي وبقي ستين أو سبعين عاما، ومن الصعب عليّ أن أقوم بممارسات ضد شعب هي الممارسات نفسها التي قام بها ضدي"·

لم يمنع الهجوم الذي كانت تشنه ضده الدوائر الثقافية والسياسية الفلسطينية إدوارد سعيد من إعلاء كلمته، في مسار القضية السياسي، أو في قادتها، فقد تخلى عن عضوية المجلس الوطني الفلسطيني عندما اختلف مع قادته بعد اتفاقية "أوسلو"، وكان قبل ذلك التاريخ ينتقد نهج منظمة التحرير في التعامل مع القضية، إذ بدأ في 1979 اختلافه واضحا في كتابه "مسألة فلسطين"، وواصل تقويمه للممارسات الخطأ وانتقادها حتى "أوسلو"، ثم بدأت مطالباته التي أزعجت الكثيرين من قادة "المنظمة" حينما طالب باستقالة "بيتان الإسرائيليين"، كما شبه عرفات، وذلك نسبة الى المارشال الفرنسي الذي تعاون مع الألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية·

وكان يرى أن موقعه البعيد عن أرض فلسطين، والقريبة الى قلبه وفكره، قد أمده بمنظور أرحب وحرية أوسع في تقييم المسيرة الوطنية، مما قد لا يتوفر لأهل الداخل·

كما يقول عن دوره في الولايات المتحدة الأمريكية، وكأحد مثقفيها البارزين في خدمة القضية الفلسطينية "شعرت أنني أجلو للجمهور الغربي أشياء كانت إما خافية عليه أو أنه لم يجر استنفادها على الإطلاق"·

وفي سياق هذا الدور، كان لإدوارد سعيد دراية في التعامل مع وسائل الإعلام الغربية، وذلك من خلال الكتابة الصحافية والأكاديمية والأبحاث المتخصصة، والمقابلات التلفزيونية والإذاعية، بالإضافة الى تعدد إسهاماته في التأليف والنقد والكتابات السياسية، والدراسات الثقافية، والموسيقية، ومنصبه الأكاديمي كمحاضر في أكثر من جامعة ومؤسسة أكاديمية، كرئاسته لجمعية اللغات الحديثة في أمريكا، والتي تولى رئاستها بعد أسماء مهمة من كبار النقاد، وإسهاماته في أشهر الصحف والمجلات المؤثرة في الفكر الأوروبي والأمريكي·

وبعد أن غيّب الموت المفكر الراحل (يوم الخميس 25 سبتمبر الماضي)، كتب كثير من مفكري ومثقفي العرب كلمات رثاء، مشيرين الى خسارة العالم العربي لفقدان هذا الصوت الحر و"محامي" القضايا العربية والإنسانية على ساحة الإعلام الأمريكي، يقول الكاتب والمؤرخ نقولا زيادة "كأن عمودا طيبا من أعمدة البشرية قد انكسر عنوة، وأحسست بالألم يعصر قلبي، أولا لأن نوعا من الصداقة كان يربطني به، وثانيا لأن القضية الفلسطينية، التي تخلى عنها الكثيرون، خسرت بفقده منافحا قويا عنيفا في الدفاع عنها وتوضيحها، حتى لبعض أهلها، وفضح خصومها"·

يقول هشام شرابي "لا شك أن كتابيه "الاستشراق" و"المسألة الفلسطينية"، وكلاهما ترجم الى العربية، يشكلان المساهمة الرائدة التي حققها إدوارد سعيد في النقد الأدبي وفي الدراسات الفلسطينية المعاصرة·

ويقول عبدالرحمن منيف "جاء الموت ليقول للعرب، خاصة للمثقفين أو لمن يتصدون للقضايا العامة إن الحياة هي الصدق، هي الشجاعة هي مواجهة الحقيقة في الوقت المناسب، في المكان المناسب"·

ويقول صادق جلال العظم "ساجل ونافح وانتقد ودافع وقال حقيقته في وجه القوة الغاشمة، والسلطات المستبدة كلها، من هنا مصداقيته العالية وتأثيره الهائل معا كعالم التزم الموضوعية دون لامبالاة وكباحث التزم المنهج دون محاباة، وكناقد التزم القضية دون حياد، وكأستاذ جامعة التزم الالتزام دون تحوير أو تزوير"·

ويتطرق فيصل دراج في كلمته الى موقف سعيد من السلطة الفلسطينية "بعد سنوات طويلة، شعر بـ "الخديعة"، فلم تكن في "عرفات" الصفات التي أعتقد أنها موجودة فيه، ولم تكن فيه "النزاهة" التي افترضها، شعر إدوارد أنه "استخدم" فترة"·

كان لاغتراب الراحل إدوارد سعيد عن أرضه مبكرا، وتنقله الى أكثر من بلد، أثر في شعوره باتساع "الهوية" وتعددها، لينقلب إحساس ذلك الطفل بالغربة والوحدة والانعزال الى انتماء أوسع من جغرافية واحدة، أو تاريخ أو ثقافة بعينها·

وكان إدوارد سعيد قد ولد بالقدس الغربية في 1/11/1935، وهاجرت عائلته بعد نكبة 1948 الى القاهرة، وعاش سنوات من طفولة قلقة، بسبب قسوة والده وجبروته، الذي أرسله بعد ذلك الى الولايات المتحدة لإكمال دراسته الثانوية، درس الأدب والفلسفة والموسيقى في جامعة برنستون، ثم انتقل الى جامعة هارفارد وحصل على الدكتوراه في الأدب المقارن، وكان قد تعلم في تلك السنوات العزف وكتب في النقد الموسيقي، وأتقن تعلم خمس لغات "الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والإيطالية"، عرف عنه هجومه الشديد لمنكري المحرقة النازية ضد اليهود، كوصفه لآراء روجيه غارودي بـ "كلام تافه وعديم المسؤولية"، وتربطه صداقات مع كتاب وموسيقيين يهود·

توفي يوم الخميس (25 سبتمبر الماضي) عن 68 عاما، بعد صراع مع سرطان الدم دام أكثر من عشر سنوات، تاركا إرثا ثقافيا عميقا، وأسئلة سجالية تؤرق الموروث والمسلمات والتقليد في السياسة والفكر والثقافة الإنسانية·

طباعة  

محاضرة
 
كتابة
 
وتــد
 
المــرصد الثقـافي