· لم يتعرض أي شعب لما نـفعله بالفلـسطينيين منذ سنوات
· من أعطانا الحق في السيطرة على شعب آخر ووضع الملايين في سجن كبير؟!
بقلم: جدعون ليفي
كل نقاط التفتيش التي ينصبها الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة غير أخلاقية وغير شرعية، وبالتالي يجب إزالتها دون قيد أو شرط ولا مجال لمناقشة قيمتها الأمنية، وحتى إذا أثبت أحدهم وجود صلة بين حشر المواطنين الفلسطينيين في قراهم ومنع وقوع هجمات إرهابية داخل إسرائيل - وهو أمر مشكوك فيه - فإن ذلك لا يعني شيئا بأي حال، وأن أي دولة تلتزم بحكم القانون لا تتبنى إجراءات غير أخلاقية، مهما كانت قيمتها·
وبالدرجة نفسها، فإن مناقشة الظروف المادية التي تسود في نقاط التفتيش تعتبر أمرا غير ذي صلة، وتحسين وضع هذه النقاط لن يجلب لها الشرعية، والسؤال الوحيد الذي علينا طرحه هو: لماذا توجد نقاط التفتيش هذه في عمق الأراضي المحتلة؟ وبأي حق؟ هل من أجل إرضاء المستوطنين وإذلال الفلسطينيين؟
وكذلك، فإن مسألة كون الأوامر التي يتلقاها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على نقاط التفتيش قانونية أم لا، هي غير ذات قيمة، فهل هو سلوك أخلاقي أن يسمح أحد الجنود لصبي مصاب بالمرور عبر نقطة التفتيش في منطقة بيت إيبا الأسبوع الماضي، وفي الوقت ذاته يمنع مرور رجل مصاب بـ "الديسك"، هل هو أمر أخلاقي؟ الجواب ليس مهما، إن حقيقة وجود الجندي هناك ومنحه السلطة للقيام - بشكل روتيني - بحرمان الناس من حقوقهم الأساسية في التحرك بحرية في بلادهم وقراهم، هو أمر غير أخلاقي، ولذلك، فإن مبادرة جيش الدفاع الإسرائيلي وضع جنود يجيدون اللغة العربية على نقاط التفتيش، هو أمر مثير للسخرية، فحرمان شخص ما من حقوقه باللغة العربية لن يكون أعدل ممن فعل ذلك باللغة العبرية·
تحسين سلوك الجيش
إن دولة تدعي الديمقراطية وحكم القانون لا تقوم بسجن ثلاثة ملايين ونصف المليون إنسان في مدنهم وقراهم وتقسم بلادهم الى "كانتونات" وتخصص طرقا لاستخدامها من قبل اليهود وحدهم، ولكن عدم شرعية نقاط التفتيش ليس سببا كافيا في إسرائيل - على ما يبدو - لإزالتها، فالنقاش الوحيد الذي يسمعه المرء في إسرائيل يدور حول جدواها لأمن البلاد والحاجة لتحسين سلوك الجنود المرابطين عليها·
ولقد قامت لجنة خاصة شكلها أخيرا منسق أنشطة الحكومة في المناطق المحتلة بدراسة المعاناة التي يتعرض لها المواطنون الفلسطينيون على أيدي الجنود الإسرائيليين في أربع نقاط تفتيش، ولكن في الواقع، ليست ثمة حاجة لتشكيل مثل هذه اللجنة، وكل ما يجب عمله هو تفكيك كل نقاط التفتيش، أما مبادرة عضو الكنيست عن حزب "ميريتس" رومان برنغمان الأسبوع الماضي، تشكيل مجموعة من أعضاء الكنيست للقيام بزيارة نقاط التفتيش ومراقبة ما يحدث فيها، فتستحق الثناء·
فمثل هذه المبادرة قد تلفت انتباه الجمهور الإسرائيلي لما يحدث هناك كما فعلت مقالة رئيس بلدية تل أبيب والجنرال السابق شلومو لاهات التي تحدث فيها أخيرا عن مشاهداته عند إحدى نقاط التفتيش، حيث يتم إجبار الناس ومنهم المرضى وكبار السن والنساء والأطفال على الانتظار الذي لا نهاية له عند تلك النقاط، والأمهات اللواتي يضطررن لإبلاغ الجنود أنهن في حالة مخاض حتى يسمحوا لهن بالعبور، ولكن هذه المبادرة البرلمانية يجب ألا تركز على تحسين الظروف على نقاط التفتيش، بل على إزالتها جميعها من الأراضي المحتلة·
ولم يتعرض الفلسطينيون منذ بدء الاحتلال الى أي إجراءات أقسى من هذه التي تمنعهم من حرية الحركة، وقد ترافق إقامة العشرات من نقاط التفتيش في قلب الضفة الغربية وغزة مع المئات من العوائق الأخرى كالحواجز الأسمنتية والخنادق والبوابات الحديدية المغلقة والسياج والجدران وعمليات الإغلاق المباغتة للطرق والأنفاق والحفر، والتي تشكل سلسلة واسعة من أساليب الحبس·
توسيع نطاق الكراهية
ولا توجد أمة في عالم اليوم تعرضت لسجن جماعي كما نفعل بالفلسطينيين منذ سنوات طويلة، ولكن غالبية الإسرائيليين لا يعرفون حجم المعاناة التي يكابدها الشعب الفلسطيني بشكل يومي، فالخلط القائم بين نقاط التفتيش على خط حدود عام 1967 التي تعتبر شرعية لأنها تمثل بوابات العبور الى إسرائيل، ونقاط التفتيش داخل الأراضي الفلسطينية وهي الأغلبية، لا هدف لها سوى جعل حياة الفلسطينيين بائسة وتوسيع نطاق الكراهية والشر، فهناك وبعيدا عن الأعين في عمق الأراضي الفلسطينية يتعرض شعب بأكمله الى الإذلال بشكل "روتيني" ولا علاقة لذلك بالأمن، أو ربما تكون مثل هذه العلاقة: فنقاط التفتيش ربما تشكل دافعا قويا للإرهاب، ووجودها زاد الكراهية واليأس، إن وضع "ضباط إنسانيين" على نقاط التفتيش يمثل مفارقة لا تقل عن مصطلح "الاحتلال المستنير" الزائف·
إنه لمن الصعب على المرء تخيل ما يعنيه المرور على نقطة تفتيش في كل صباح ومساء والتعرض للإهانة على يد جندي أجنبي والاضطرار الى الوقوف في طوابير انتظار طويلة مع احتمال أن يعيدك الجنود من حيث أتيت بشكل مهين، ففي مثل هذه الحالة، يلعب أي جندي - مهما بلغ من الإنسانية - دورا غير إنساني·
ولكن سيجد المجتمع الإسرائيلي نفسه، في يوما ما، مضطرا للإجابة عن أسئلة ليست على جدول أعمال الجمهور الإسرائيلي الآن مثل: من ذا الذي أعطانا الحق في السيطرة على مصير شعب آخر؟
وبأي حق وضعنا الملايين من الناس في سجن كبير لسنوات؟ وحين يحدث ذلك، ستصبح مسائل مثل سماح الجنود لامرأة في حالة مخاض بالعبور أو ما إذا كانوا يجيدون اللغة العربية أم لا، ثانوية كما ينبغي أن تكون·
" عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com