
كتب محرر الشؤون السياسية:
اشتدت الحملة على سورية كثاني هدف من أهداف الولايات المتحدة بعد العراق وقبل أن تستطيع أمريكا توفير الأمن للشارع العراقي·
فلقد أغرى الانتصار في العراق الصقور من المحافظين الجدد وذوي الميول الصهيونية في وزارة الدفاع باستغلال الاندفاع لتحقيق “مكاسب” جديدة مثل إنهاء وجود حزب الله في لبنان وزحزحة الموقف السوري لتقديم تنازلات في التسوية مع إسرائيل، لكن العناوين للحملة متعددة فتارة هي إمداد العراق بالأسلحة والمتطوعين وتارة هي توفير الملاذ الآمن للقيادة الصدامية الهاربة وتارة هي تطوير أسلحة الدمار الشامل لكن هذه الادعاءات هي ذرائع للأهداف الأساسية·
ولا ينقذ سورية من هذه الاتهامات كون السجل السوري نظيفا فيما يتعلق بالأمم المتحدة لأن القوة الأمريكية أصبحت مثلما هو واضح قوة غامرة بل إن ما يفشلها هو تصدي الرئيس بشار الأسد لعملية إصلاح جذرية في النظام·
في لبنان ينشغل الحكم في إعادة ترتيب أوضاع البيت للمرحلة المقبلة وتجري على قدم وساق محاولات تشكيل حكومة موسعة تشتمل على أكبر تمثيل للمسيحيين وخصوصا من المحسوبين على البطريرك صفير وهم ممن ترضى عن وجودهم أمريكا بينما يستبعد من التشكيل أعضاء حزب الله، وتشتد المساومة من قبل كل طرف لتحقيق أكبر المكاسب·
لكن المشكلة في سورية أعمق وعلاجها يحتاج الى جراحات قاسية لكنها جراحات لا بد منها إذا ما كان الهدف هو استقرار سورية ورفاهية الشعب السوري·
وأهم نقطة تشكل ضعفا شديدا للنظام السوري أمام الأعاصير التي بدأت تجتاح المنطقة هي في بنية النظام الضعيفة والتي لم يعد في الإمكان الدفاع عنها، فالنظام طائفي يعتمد على فئة قليلة من السوريين تقل عن %10 من السكان وذلك على حساب الآخرين، والنظام فردي ويتحكم فيه العسكر والاستخبارات والحزب، وهي بيئة تفتقد فيها الحرية للمواطن ولا تولد إلا الفساد، وهي كذلك بيئة قريبة من النظام العراقي المهزوم إلا أنها أصغر منه في القاعدة·
إن إصلاح كل ذلك لن يتم إلا بأن يكون الحكم في سورية للأغلبية مع التعبير والمشاركة الحرة لجميع المواطنين السوريين بصرف النظر عن أصولهم وطوائفهم ومللهم، وهو أمر في غاية الصعوبة، لكن الذي يفتح نافذة للإصلاح في سورية ضمن الوضع الحالي هو وجود الرئيس بشار الأسد، فهذا الشاب الذي وربما لحسن الحظ لم يكن معدا لتقلد زمام الحكم بل بعد أن انتقل أخوه الى رحمة الله في حادث أليم، جاء وهو يحمل تطلعات كبيرة للإصلاح، وهكذا استبشر الناس بعد ثلاثين عاما من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد·
فهو يعرف ما آلت إليه الأوضاع في سورية وما استقرت عليه، لكن طموحاته تحطمت أمام القبضة الحديدية للحرس القديم·
ويقول أحد حكام الخليج في مجلس خاص: لقد حاورت بشار حول الإصلاح ولماذا لم يتقدم ويتمم عملية الإصلاح التي يطمح إليها، فأجابني: إنك لم تستطع أن تفعل ما تريد لأن أمامك عائلة، أما أنا (أي بشار) فأمامي جيش!!
الأمريكيون وجهوا كلاما عنيفا وتهديدات مباشرة لسورية من خلال تصريحات حثيثة متتالية من قبل بوش ورامسفيلد وباول وولفويتز، وكثيرين غيرهم ليس أقلها تصريح بول وولفويتز مهندس الحملة على العراق وما بعدها “يجب أن يحدث تغيير في سورية” وتصريح ريتشارد بيرل عضو سابق في مجلس سياسة الدفاع “سورية الثانية” وما ذكرته جريدة الأوبزيرفر البريطانية الأسبوع الماضي عن مصادر خاصة في البيت الأبيض من أن الولايات المتحدة تعهدت لإسرائيل بأن تتعامل مع حزب الله من خلال سورية ولو بتوجيه ضربة عسكرية لها·
لكن البريطانيين كانوا أكثر لطفا حيث فتحوا حوارا مع سورية، لقد تحدوا الأسد في أن يتخذ ما يتطلب من إجراءات، ولقد قابل جاك سترو وزير الخارجية البريطاني الرئيس الأسد ثم قابله وزير الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية مايك سترو لمدة ساعتين كاملتين لم يعرف ما قيل فيهما سوى اليسير، لكن أوبراين قال إن الرئيس الأسد قد اعترف “بالحقائق الجديدة” بعد سقوط صدام·
ويقول دبلوماسي غربي في الكويت إن البريطانيين يقيمون علاقات خاصة مع الرئيس الأسد خصوصا وأنه درس في بريطانيا·· ومن الطبيعي أن “يهتم” البريطانيون وهم أذكياء بابن الرئيس حافظ الأسد·