لم يقرأوا الـخــط الكـوفي
نشمي مهنا
الحصار الحديدي الذي فرضه المثقفون والسياسيون والإعلاميون العرب، على الصوت العراقي الحر، طوال سنوات مؤرخة أيامها بالمعاناة والألم والمأساة، ستكسره أيدي العراقيين أنفسهم، الذين نتوقع انفجارهم - الآن - غيظا، ومحاسبتهم لكل من أنشأ وساهم وأيد ذلك الحصار·
العراقيون سيحاسبون كل من وحّد صورة العراق بحاكمه الطاغية، وكل من تصامم عن صرخاتهم المتسربة من القبو العميق، وكل من زور حقائق واقعهم لينتفع على حسابهم فيقود الجماهير الى رفع صورة الطاغية بدلا من رفع المعاناة ونصرة العراقيين·
العراقيون سيتولون تلك المهمة، أما نحن الكويتيين فيكفينا فخرا أن كنا بوابة لفجر التاسع من إبريل· مهمتنا أن نصدح بحكمة قرارنا، الذي سيُقرأ في كتاب المستقبل·
الإحباط الذي أوقع الكثير بشباكه ضحى التاسع من إبريل، ما زال يحرك نفوس المكابرين، والموهومين، أو من أصبحوا على حافة الإفلاس بكل أشكاله، أو مدمني المشاهد الدموية عن بعد، ومحبي تصفية الأحقاد بأطراف أخرى، ممن أرادوا دفع أخيهم الى حلبة لا حول ولا قوة له فيها، أمام خصم عملاق، سينهي معركته الخاطفة بشوطها الأول، إن لم تكن “القاضية”، ولم يكن يهم هؤلاء المتفرجون سوى جرح كبرياء الخصم الأمريكي، وتصفية أحقادهم معه، رغم استحالة تحقق تلك الأمنيات، ورغم فداحة الخسائر!
الكثير من هؤلاء “الأخوة” - وتحت ضغط إحباطاتهم - يعملون اليوم على تزوير فرحة التحرير، وكأنهم يستكثرون على الشعب العراقي أعياده بسقوط الطاغية، متناسين ردات الفعل الطبيعية التي يمارسها أي شعب يخرج من كبت الطغاة، كالكويتيين لحظة التحرير، والشعب الأفغاني ليلة سقوط الطالبانيين، وجماهير الجنوب اللبناني ساعة دخول الدبابات الإسرائيلية عام 1982 (رغم معرفة حقيقة نواياها) أملا في تخليصهم من أمراء الطوائف؟
ما زالت بقايا جيوب “الاستراتيجيين” تخيفنا من نوايا الأمريكيين في إسقاط أنظمة أخرى (!)، وكأنهم يرموننا بالأمل الذي نتمناه وطال انتظاره ولا نملك حيلة لتحقيقه، فليبدؤوا·· بـ “حزب الله”·
üüü
ليلة السابع عشر من يناير لعام 1991 (قبيل بدء حرب تحرير الكويت)، كنت أدير موجات المذياع على كل جهات الدنيا، بحثا في الإذاعات عن بشرى الغارة، وخبر “عابر للقارات”، وفي توقيت تجمدت عقاربه بالهواجس والمخاوف والترقب، والتشويش الذهني، يفاجئني صوت سميرة توفيق، في الإذاعة الأردنية، تبث أغنيتها الغبارية “فوق الخيل·· شدّ العزم وشدّ الحيل” ، “تحميسا” لنفوس أفراد الجيش العراقي! أو حرقا لهم·· لا يهم!
قبل أيام تعيد تلك العقول الهوائية بطولاتها نفسها، إنما بصورة أخرى، إذ يشير خبر صحافي الى تزايد مبيعات الخمور والمكسرات في العاصمة عمان خلال أيام الحرب، بسبب إقبال المواطنين على مشاهدة الفضائيات و”توترهم عن بعد”، أمام مشاهد نيران الحرب في بغداد، التي كم كانوا يتمنون التمديد في أيامها·· حتى وإن كان حطبها الأرواح!!
nashmi@taleea.com