
كتب المحرر الثقافي:
بعد التحرر من نظام استبدادي، شل قدرات مؤسسات العراق، وعطل طاقات أبنائه، طوال 35 عاما من التسلط والقمع والتخريب المتعمد لأهم الملامح التي ميزت وجه العراق الحضاري، يعود العراقيون اليوم الى ترتيب بيتهم “الوطني” من جديد، بأعين يملؤها الأمل في إعمار جميع البنى التي طالها الدمار، السياسية منها والقانونية والأمنية والمؤسساتية·· غير متناسين ما لحق بـ “الثقافي” من خراب عميق، شمل هويته وتراثه ومنابره الحرة وأبناءه من الكتاب والشعراء والفنانين·
فقد عمد النظام المخلوع الى محاولات محو الهوية الثقافية التي تمد جذورها في بلاد الرافدين الى عمق التاريخ كموطن لأول حرف كتابي، لما يشكله “الثقافي” من صوت عال، رافض للاستبداد، ومستعص على التطويع، من خطورة، جعلت النظام وفق طريقته الخاصة في تثبيت حكمه الى وضع “الثقافي” في أولويات أجندة التصفية·
لم يكن يخفى على بعض المؤسسات الثقافية العربية، ولا على بعض المثقفين العرب وحشية النظام السابق وتشريده لملايين من العراقيين في منافي الغربة، التي شكلت أدبا عراقيا موازيا، وشهدت ولادة ثقافة عراقية حرة ومغايرة، لها من الأثر ما يصفه بعض النقاد بتجديد وتأثير “أدب المهجر اللبناني” في مسيرة أدبنا العربي في بداية القرن الماضي، وأمام فرض هذا الرافد لإبداعاته الكتابية يستغرب العراقيون السبب الذي دفع المثقفين العرب الى إقصاء كتاباتهم، أو عدم الاستماع الى صوتهم الحر·
ويتوقع الكثير من المتابعين أن ترتفع حدة هذه التساؤلات العراقية في الساحة الثقافية العربية بمجرد الشروع في البناء العراقي الجديد·
وبعيدا عن تحديد أسماء المؤسسات والرموز الثقافية العربية التي مارست ذلك الإقصاء بحق المثقف العراقي، يبرز “الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب” كأحد الجهات التي تجاهلت النداءات والبيانات المنددة بالوقوف الى جانب نظام صدام حسين، وعدم موضوعيتها في ترجيح كفة من تعرّض على يده “كتاب وأدباء العراق” لصنوف البطش والتعذيب، على حساب الكتّاب العراقيين أنفسهم الذين كان أولى أن ينصفهم “الاتحاد”، بوصفه مؤسسة عربية ثقافية، مستقلة(!) إلا أن ميول القائمين على الاتحاد، وهواهم واصطباغهم بمواقف بلدانهم السياسية، قد أفقد هذه المؤسسة الهدف الذي أنشئت من أجله·
وكنّا في “الطليعة” قد أجرينا لقاء صحافياً مع أمين عام الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب د· علي عقلة عرسان، نشر في العدد 1453 بتاريخ 15/11/2000، أثرنا في ذلك اللقاء تساؤلات حول موقفه الشخصي، وموقف “الاتحاد” الذي يسيره من موضوع المثقفين العراقيين، وقانونية من يمثلهم داخل الاتحاد، في الوقت الذي وافق فيه الاتحاد على عقد مؤتمره في بغداد، وتحت رعاية صدام حسين؟! مستغلا هذا الطاغية حينذاك كسر “الاتحاد” والمثقفين العرب للحصار المفروض حول نظامه المتهالك!!
يقول د· عرسان ردا على سؤال “الطليعة” عن جدوى عقد مؤتمر للكتاب في بغداد، في حين أن أغلب كتابه قد هُجِّروا الى الخارج، وأصدروا بيان اعتراض “أصدر الكتاب العراقيون في الخارج بيانا اعتراضيا قرأناه في الصحف، كما أصدرت رابطة الأدباء في الكويت “نداء” لمراعاة هذه الظروف، أما بالنسبة للعراقيين في الخارج فلم يشكلوا اتحادا، وليس لديهم تنظيم يمثل العراق ومن ثم هذا “الصوت” لم يأت من اتحادات أو روابط للكتاب تدعو الى تغيير القرار”·
وكان مصرا خلال اللقاء على قناعته بتمثيل “كتاب السلطة” داخل نظام صدام لصوت العراق، رافضا الاعتراف بالأصوات العراقية الأخرى، وحينما ووجه بسؤالنا له عن الأخذ بواقع حال المغتربين وصعوبة تشكيلهم لروابط واتحادات رسمية لن تعترف بها الهيئات العربية، ورأيه في حقيقة الكتاب داخل العراق في تمثيل العراق حقا، قال “واقع الحال أن البلد الذي لديه اتحاد ويعقد مؤتمرات، وينتخب قياداته في رضا من التجمعات، ليس باستطاعتنا الاعتراض عليه”·
وكان قد أجاب بحدة عن سؤالنا عن الفائدة التي تعود على الشعب العراقي - التي يرددها - في عقد مؤتمر على أرض بلد يغيب كتابه، ويتم برعاية نظام فقال “·· القضية لا تطرح بهذا الشكل·· ماذا يفيد الشعب العراقي، فائدة عقد المؤتمر هو لخدمة الثقافة العربية، ولاتحاد الأدباء العرب نفسه ولموقف الكتاب في كل القضايا الأساسية والثقافية التي تنعكس على الشعب··”·
ولم يقل د· عرسان حينها إن مثل تلك الأنشطة هو كسر للحصار المفروض حول النظام في بغداد، وإقصاء لصوت عراقي آخر، يمثل حقيقة الثقافة في العراق، وضميرها الحي، لا تلك الاتحادات المزورة التابعة لنظام سقط، وتبعته في المصير·
السؤال الذي يبحث الآن عن إجابة واضحة، وفعل حاسم: أما آن للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، وباقي الهيئات العربية المشابهة التي ترفع لافتة الانتخاب الحر، والإرادة الشعبية، في الوقت الذي تخفي معه وجهها “السياسي الرسمي”·· أن تسقط بعد 9/4/2003؟!