
من مذبحة صبرا وشاتيلا عربي قتلوه الصهاينة في الأربعينات

عقيدة الهدم متأصلة عند الدولة الصهيونية بن غوريون مؤسس إسرائيل يعلن عن
قيام الدولة العبرية في 14/5/1948
ضحايــا مذبحــة جنيــــن
دراســة توثيقيـة بقلـم : عبـدالله عيسـى المــوســـوي
أهم المراجع :
- كتاب : خطيئة إسرائيل الأصلية
تأليف : دومينيك فيدال الناشر : مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- كتاب : نكبة فلسطين عام 1948م
تأليف : د· عبدالله عبدالدايم الناشر : دار الطليعة - بيروت
- كتاب : دير ياسين
تأليف : د· وليد الخالدي الناشر : مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- أعداد منتخبة من جريدة الخليج الإماراتية
· إسرائيل “ هي الدولة الوحيدة التي تتميز بصفات شاذة عن بقية دول العالم
· الإرهابي مناحيم بيغن تفاخر بالمجزرة ووصفها بالضرورية لقيام الدولة العبرية
· العصابات الصهيونية واجهت مـقاومـة شرســة مـن رجال القرية رغـم إمكاناتهم المتواضـعة
· ممثل الصليب الأحمر سجل شهادة تاريخية مروعة لجريمة دير ياسين
· أكثر من 240 شهيداً في واحدة من أبشع جرائم الحركة الصهيونية
· إسرائيل لا تعرف سوى لغة القتل وارتكاب المجازر··لكنها مدعومة من القوى العظمى
· ضباط الاستخبارات الإسرائيلية أحرقوا جثث الفلسطينيين في الشوارع
· إسرائيل ارتكبت أكثر من 400 مجزرة في أقل من تسعة أشهر لطرد العرب وإقامة دولتها على أرضهم
· مبنى البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” مقام على أراضي القرية
· 254 نسمة هم تعداد السكان في القرية في عام 1922
يعتبر الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة التي نشأت في العصر الحديث وهي تحمل جملة من الخصائص الشاذة يمكن إيجازها بما يلي: إن (دولة إسرائيل) الدولة الوحيدة التي وضعت شروط في الجمعية العامة للأمم المتحدة لقبول عضويتها في المنظمة الدولية بالرغم من عدم التزامها بتنفيذها، (دولة إسرائيل) الدولة الوحيدة التي شردت نحو 800 ألف فلسطيني من ديارهم وقامت بأكبر عملية ترحيل جماعي لليهود من شتى الجنسيات ومنحتهم جنسيتها، (دولة إسرائيل ) الدولة الوحيدة التي صدر بحقها عشرات القرارات الدولية التي تدين إرهابها المنظم على أعلى المستويات، (دولة إسرائيل) الدولة الوحيدة التي لم يتول قيادتها منذ نشأتها سوى الإرهابيين القتلة ، بدءًا من (ديفيد بن غوريون) وانتهاءً بالسفاح (أرييل شارون)، و(دولة إسرائيل) هي الدولة الوحيدة التي قام مؤسسوها بارتكاب أكثر من 400 مجزرة دموية في أرجاء فلسطين في أقل من تسعة أشهر في سبيل طرد العرب منها وإقامة دولتهم عليها ·
وتعتبر ( المجازر ) عقيدة متجذرة في الذهنية التلمودية التي تتحكم ببني صهيون حيث إنهم يتباهون بقدراتهم على ارتكاب المجازر والمذابح على اعتبار أن ( يهوا ) إله اليهود حسب زعمهم أتاح لهم عمل كل ما يريدونه في بقية البشر الذين خلقوا ليكونوا خدماً وعبيداً لبني صهيون ·
وقد وظف زعماء العصابات الصهيونية ومنذ أن سهلت لهم حكومة الانتداب البريطاني الولوج إلى أرض فلسطين هذه المبادئ التلمودية بهدف ترويع المدنيين الفلسطينيين والعرب وإخراجهم من ديارهم لإقامة كيانهم في فلسطين في قلب العالم العربي ·
ويدور حديثنا في هذه الدراسة التاريخية حول واحدة من أكبر وأبشع الجرائم الصهيونية في فلسطين وهي مجزرة قرية ( دير ياسين ) التي وقعت يوم 1948/4/9م حيث سنتناولها من خلال المصادر العلمية والتاريخية الدقيقة بعيداً عن العواطف الجياشة والمبالغات غير المنطقية حتى يطلع القارئ العزيز على حقيقة هذا الكيان البشعة الذي ما زال يمارس إرهاب الدولة المنظم بحق الأبرياء في فلسطين ولعل مجزرة مخيم ( جنين ) قبل أقل من عام شاهد حي على ذلك ·
جغرافية قرية دير ياسين :
تقع القرية إلى الغرب من القدس، وتبعد عنها نحو 4 كم· وترتفع 85 متراً عن سطح البحر· ويرجع أصل التسمية إلى كلمة (دير) نسبة إلى دير بناه راهب كان قد سكن القرية في القرن الثاني عشر للميلاد، وقد دُعيت قديماً (دير النصر)، أما كلمة (ياسين) فهي نسبة إلى الشيخ ياسين إمام مسجد القرية الذي حمل اسمه، وقد قامت القرية بين الدير والجامع، لذلك أطلق عليها دير ياسين بلغت مساحة أراضيها 2757 دونماً, وتحيط بها أراضي قرى لفتا وقالونيا وعين كارم، وقدر عدد سكانها عام 1922 بنحو (254) نسمة، وفي عام 1945 ارتفع العدد إلى (610) نسمات، وتُعتبر القرية ذات موقع أثري يحتوي على جدران وعقود من العصور الوسطى، ومدافن، ويقع إلى الغرب منها (قرية عين التوت) وهي أيضاً بقعة أثرية تحتوي على أنقاض أبنية معقودة، ومدافن تاريخية ·
وعلى أنقاضها أقام الصهاينة مستعمرة (جبعات شاؤول)، والآن يقام مبنى الكنيست الإسرائيلي على أراضي القرية ويبلغ مجموع اللاجئين من هذه القرية في عام 1998 نحو (4345) نسمة·
التمهيد لمجزرة (دير ياسين) :
لقد وصل التنافس في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1948 بعد قرار التقسيم ذروته بين منظمة الهاغانا من جهة والمنظمتين الإرهابيتين الأرغون” ايتسل” و “ الشتيرن “ من جهة أخرى ذلك أن الأولى كانت تمثل التيار اليساري العمالي الحاكم بقيادة بن غوريون في المجتمع اليهودي الفلسطيني والآخرون التيار اليميني المتشدد بتعاليم فلاديمير جابوتنسكي البولوني (1880-1940) الذي كان أبرز قادته مناحيم بيغن (البولوني أيضا) خليفة جابوتنسكي·
وكان أهم مجال لهذا التنافس هو المجال العسكري أي العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين التي حلت محل مثيلتها ضد البريطانيين في الفترة السابقة لقرار التقسيم، وكان أخطر مسرح لهذا التنافس مدينة القدس وريفها لما تمثله القدس من أهمية رمزية وتاريخية ودينية وسياسية واستراتيجية، وكان حصاد هذا التنافس المرتجى مكاسب سياسية لدى الرأي العام اليهودي في فلسطين تحدد موقع كل من التيارين على الخريطة السياسية للدولة العبرية المرتقبة الولادة فور انتهاء الانتداب في 15 مايو 1948م بعد أن حصلت على الضوء الأخضر في قرار التقسيم الجائر ·
ولقد مارست العصابات الصهيونية التي شكلت فيما بعد نواة الجيش الإسرائيلي عشرات المجازر المروعة في فلسطين في تلك الفترة وسط تعتيم إعلامي واضح غيب إلى اليوم الكثير من الشهادات المرئية والموثقة لتلك الممارسات ·
ونجد أن الإرهابي ( مئير بعيل ) الذي كان يعمل في استخبارات” البالماخ “ قال لقادة “ ايتسل” شلتئيل لماذا دير ياسين؟ هذه قرية هادئة ويوجد اتفاق عدم تعدي بين غيفعات شاؤول (المستعمرة الأقرب إلى دير ياسين) وبين مختارها والقرية لا تشكل أي خطر أمني علينا ومشكلتنا هي المعركة الدائرة في القسطل والذي اقترحه أن تندمجوا في معركة القسطل وسأعطيكم مستعمرة بيت فيغان كقاعدة للهجوم على قرية عين كارم التي تتوجه عبرها النجدات العربية إلى القسطل، فأجاب قائدا “ ايتسل “ و” ليحي” بأن الهجوم على عين كارم عملية في غاية التعقيد فقال شلتئيل: أعطيكم عملية أهون منها، خذوا مستعمرة موتا قاعدة لكم للهجوم على قرية قالونيا القرية الأقرب إلى القسطل: حيث يمكنكم أن تفعلوا ما تشاؤون لأن القوات العربية تتمركز فيها (أي في قالونيا)·
ويتابع ليفي أنه عندما تبين لشلتئيل بأن قادة “ ايتسل” و “ ليحي” مصممون على مهاجمة دير ياسين أرسل إلى كل من المنظمتين في 7/4 الرسالة الآتية : أود أن ألفت انتباهكم إلى أن احتلال دير ياسين والاحتفاظ بها يمثلان مرحلة في خطتنا العامة، ولا مانع لدي من أن تنفذوا العملية شرط أن تكونا قادرين على الاحتفاظ بها وإذا لم يكن في وسعكم ذلك فإنني أحذركم من نسف القرية الذي سيجر في أعقابه ترك سكانها لها واحتلال الأنقاض من قبل قوات غريبة وهذا الوضع سيثقل على المعركة العامة بدلا من أن يخفف وسيكلف احتلال المكان مرة أخرى ضحايا كثيرة من رجالنا، وثمة سبب آخر أود أن أطرحه عليكم وهو أنه إذا جاءت إلى المكان قوات غريبة فسوف تتعرقل خطة إنشاء مطار بالقرب من القرية·
ويتابع ليفي قوله: عندما علمت برسالة شلتئيل إلى المنظمتين أسرعت إليه وشرحت له خطورة عمله حيث إن سكان دير ياسين أمناء على العهد بيننا وبينهم وأنه لا يجوز أن نؤذيهم بهذا الشكل البشع واستأذنته بأن أنصحهم بإخلاء قريتهم دون أن أعلمهم بأن الهجوم عليهم وشيك الحدوث، رفض شلتئيل رجائي قائلا إنه لا يستطيع أن يعرض أرواحا يهودية للخطر بمثل هذا التحذير حتى ولو كان هناك اتفاق بيننا وبين دير ياسين ويختتم ليفي كلامه قائلا : لو أن شلتئيل منع المنظمتين من الهجوم على دير ياسين لامتنعتا·
ويتضح بجلاء مما سبق وخصوصا من تحفظات شلتئيل على العملية أن قيادة الهاغانا أعطت ايتسل و ليحي ضوءا أخضر مشعا للهجوم على دير ياسين وأن مصيرها كان مقررا ومحتوما إن عاجلا كان أم آجلا على رغم اتفاق عدم التعدي معها فإن لم يكن على أيدي المنظمتين الإرهابيتين فعلى أيدي الهاغانا·
بداية المجزرة في ليلة 1948/4/9م لم تكن ليلة الجمعة
9/4/1948 ليلة هادئة لأهالي قرية دير ياسين البالغ عددهم 750 شخصاً، بيد أنه لم يخطر ببال أحد منهم أنها ستكون آخر ليلة سيأوون فيها إلى فراشهم بين أهلهم ووسط بساتينهم في قرية آبائهم وآجدادهم أو أن الكثير من أقرب الأقربين إليهم لن يروا غروب الشمس التالي، ولف البلدة جو جمع بين دكنة الليل والحزن على عبد القادر الحسيني وهو أحد أبطال المقاومة الفلسطينية والذي قتل بعد معركة شرسة مع الصهاينة قبل ساعات من مجزرة دير ياسين حيث شد القلوب شعور بالانقباض وهواجس مصدرها التحسب وضيق النفس·
وأود أن أورد في دراستي هذه بعض تفاصيل ليلة العدوان البشعة من خلال ماورد من شهادات حية لمن بقي على قيد الحياة من ضحايا المجزرة ·
طلب حسن رضوان من زوجته ألا تنام الليلة في منزلهما الواقع في أطراف البلدة الغربية، وأن تذهب للمبيت في منزل والدها صالح رضوان وسط القرية، ففعلت، وتمضي هزيع الليلة في أحاديث مع والدها الذي يسر إليها مخاوفه، خصوصا أن يهوديا من معارفه زاره ظهر اليوم (الخميس) في كسارة العائلة بالقرب من مستوطنة “ غيفعات شاؤول “ ليحذره بلغة عربية ركيكة “ يا خاج روخ من هون بدهم يضربوا من شانك”· وتشاهد عزيزة عطية زوجة محمود رضوان من منزلها ليلا تجمعا يهوديا مريبا في غيفعات شاؤول فتخبر أحد جيرانها فينصحها بالسكوت حتى لا تخيف القرية، وتقرر أن تذهب إلى فرن القرية في ساعة مبكرة (هي الثانية صباح الجمعة) على غير عادتها حاملة صينية العجين على رأسها وتترك أولادها نائمين وتغلق عليهم الباب وتأخذ معها المفتاح وفي نيتها العودة قبل أن يستيقظوا ويقوم زوجها ليستحم وينام فتتولى تنظيف البيت وتخرج الموقد خارجه وتشعر في الظلام أن شيئا ما لمسه فتهرب إلى داخل البيت مذعورة وتطرق الباب بشدة أيقظت زوجها وتروي له ما حدث فيهدئ من روعها ويطلب منها الخلود إلى النوم فترضع ابنها وتنام·
و في قرابة الواحدة صباحا من يوم الجمعة
4/9 تحركت وحدات مشاة المهاجمين الثلاث من قواعدها حتى تكون في مواقعها المحددة لكل منها في أطراف القرية وفق خطة الهجوم عند ساعة الصفر في الخامسة والنصف من الصباح·
ولقد اقتضت الخطة أن تنطلق وحدة ليحي (شتيرن) من مستعمرة غيفعات شاؤول غربا لتقتحم القرية من الشمال الشرقي في منطقة بئر الجوزة عند المنازل والمنازل قبلها على يمين الطريق وتنطلق شرذمتان للايتسل (ارغون) من مستعمرة بيت هاكيريم إحداهما تقوم بحركة التفافية من الجنوب لتقتحم أعالي القرية الغربية عند المنازل والثانية تقطع الوادي الفاصل هبوطا وصعودا لتقتحم القرية عند منطقة جامع الشيخ ياسين ومدرسة البنات أما المصفحة فتنقل قسما من الوحدة الرابعة المختلطة (10 مقاتلين) من ايتسل وليحي ويتبعها الباقون سيرا على الأقدام وتسرع على الطريق الرئيسية لتصل إلى وسط القرية عند المنزل على أن يتزامن وقت انطلاقها مع انتهاء تمركز الشراذم الثلاث الأخرى المسبق في مواقع بدء هجومها عند ساعة الصفر لقصر المسافة التي على المصفحة قطعها، وهكذا كانت الخطة ألا يباشر المهاجمون بإطلاق النار قبل إحكام الطوق على القرية من الشمال والشرق والجنوب والغرب على أن تكون إشارة البدء صلية ضوئية من مدفع رشاش تحمله وحدة “ يهودا سيغل “ المكلفة بالاقتحام بالقرب من جامع الشيخ ياسين، ويروي “ يهودا لبيدوت “ قائد وحدة “ ايتسل “ الثانية أن قوته صادفت على الطريق حراسا من الهاغانا : فقلت لهم: إننا ذاهبون لمهاجمة دير ياسين، باركونا قائلين، نتمنى لكم النجاح، نتمنى لكم النجاح·
في هذه الأثناء كان رجال دير ياسين وشبابها في حال تأهب شديد يتناوبون الحراسة ويساندون بعضهم بعضا فيها فإسماعيل محمد عطية (37 سنة) العائد لتوه من معركة استرداد القسطل يتوجه إلى منزله ليتفقد أسرته ثم ينطلق إلى أحد مراكز المراقبة أمام منازل العائلة، ليقف على مسافة من أخيه الأصغر وكلاهما يحمل بندقية، وينهي داود جابر دوره في الحراسة في الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل وبدل أن يعود إلى منزله يتوجه مع آخرين لدعم المجموعة المرابطة عند كسارة سحور، وفي الساعة الثانية عشرة أيضا يستلم أحمد رضوان البندقية من أخيه محمود الذي يكبره سنا ليقوم بدوره في الحراسة والمراقبة، ويأخذ في الوقت نفسه حسين زيدان البندقية من ابنه داود ، وهكذا···
ويروي إسماعيل محمد عطية أنه شاهد في الثانية والنصف صباح الجمعة أضواء كاشفة لسيارات يهودية تخرج من المستعمرات تارة وتعود تارة فيذهب مع آخرين إلى الطريق الرئيسية الموصلة إلى المستعمرات ليستطلعوا جلية الأمر فلا تلبث حركة السيارات أن تتوقف ويبدو كل شيء هادئا وتغط المستعمرات في ظلام دامس·
وبدأت المعركة غير المتكافئة :
سنحاول أن نجعلك عزيزنا القارئ تعيش أجواء المجزرة بتفاصيلها الدقيقة حيث تختلف الروايات عن بدء إطلاق النار فإسماعيل محمد عطية يروي أنه فوجئ في الساعة الثالثة والنصف تقريبا بسماع رصاص من بندقية أخيه محمود فيطلب منه تفسيرا عن هذا التصرف الطائش فيرد محمود إنه أطلق على يهودي يحاول التسلل، ويروي داود جابر أنه سمع مع رفاقه من موقعهم عند كسارة سحور، في الساعة الرابعة عيارا ناريا فيطلب منه حسين زيدان الذي كان في الموقع نفسه أن يذهب ويخبر القرية بعدم إطلاق النار·
ويروي “ بن زيون كوهين “ قائد الهجوم في وحدة “ ايتسل “ أن رجاله كانوا رابضين عند أطراف وسط القرية، وكان الحراس العرب يتجولون بين المنازل ويتحدثون مع بعضهم البعض وفي الساعة 4,25 دحرج أحدنا حجرا بطريق الخطأ فسمعنا ضجة خطوات مسرعة ويخاطب أحد الحراس زميله مناديا: يا محمد!، فيظن قائد جماعتنا أن واحدا من ليحي (شتيرن) يلفظ بداية كلمة السر : “ أحدوت”- ومعناها وحدة- فيعطي الجواب المتفق عليه : “ لو حيمت “- ومعناها قتالية- فيصرخ الحراس العرب “ يهود يهود “ ولم يعد أمامنا خيار وفي الساعة 4,30 قبل ساعة الصفر بساعة أصدرت أمرا إلى جماعة “ يهودا سيغل “ الأمامية بإطلاق رشقة طلقات ضوئية من مدفعه الرشاش مؤذنا ببدء الهجوم ·
ويروي حسين عطية (28 عاما)، وهو الذي كان من أعضاء وفد القرية الذي ذهب إلى مصر لشراء السلاح كما أسلفنا، أن دوره كان في مركز أمامي على تل يشرف على الطريق الرئيسية بالقرب من كسارة سحور، وأنه في الساعة الرابعة من فجر يوم الجمعة سمع ورفاقه في الموقع بوقع أقدام من الجهة الشمالية الشرقية (شرذمة ليحي القادمة من غيفعات شاؤول)، ولكن الصوت كان بعيدا ولم يروا شيئا، وكانت مهمتهم حراسة الطريق الرئيسية، ولم يأت أحد على هذه الطريق بعد، ثم سمعوا صوت المعركة قائمة خلفهم وسط البلد (شرذمة ايتسل بقيادة بن زيون كوهين) عند مركز ابن العم إسماعيل عطية وابنه محمود"، وما لبث أن شاهد مجموعة ثانية يهودية طلعت علينا من الشمال عند المدرسة (مدرسة الصبيان) خلفهم أيضا و بدأت المعركة بيننا وبين اليهود (شرذمة ليحي) الذين احتلوا المدرسة كما استعرت في حارات وسط البلد ·
ويقول جمعة زهران الذي كان يقطن مع أقاربه من آل زهران في المنازل إنه خرج من منزله لوضوء صلاة الفجر في الرابعة تقريبا وأن حرس القرية أخذوا ينهرون بأصوات عالية قائلين : سمعنا قرقعة تتقدم نحونا (شرذمة ليحي القادمة من الشمال من غيفعات شاؤول) ولكنهم لم يردوا علينا" ويتابع جمعة: إننا لم نتحر مصدر القرقعة للوهلة الأولى بسبب الظلام إذ كان الجو غائما وبدأ رذاذ المطر" حتى انطلقت شارة ملونة في الساعة الخامسة تقريبا وبدأت المعركة·
كان جمعة عند باب بيته من دون سلاح إذ إن السلاح كان مع والده الحاج محمد ومع أخيه علي وابن أخيه محمد الذين كانوا يحرسون منازل العائلة ويصاب الوالد بعد الطلقات الأولى فيأخذ جمعة البندقية الإيطالية منه وإذ به يفاجأ باليهود (شرذمة ليحي) تماما أمام بيوتنا· وكان أخوه وابن أخيه يقاومان من ناحية الشمال ويجد جمعة نفسه وجها لوجه أمام يهودي في ممر قريب من منزله فيستحكم كل منهما خلف جدار ويضربه اليهودي بعبوة من رشيشه ويخطئه ويضربه هو طلقة ويخطئه ويتقدم اليهودي من خلف السور ويمسك ببندقيته يريد سحبها منه وبعد شد وجذب يتغلب على اليهودي الذي ينقلب على ظهره فيطلق عليه عيارا يصيبه به وتنصب على جمعة النار من جهات عدة فينسحب إلى خلف منزل يوسف عليا ومنه إلى أعالي القرية الغربية، حيث ينضم إلى المقاتلين الذين تمركزوا هناك ويكون هذا آخر عهد له بمجموع أفراد عائلته وأقاربه كافة ناهيك عن منازلهم·
بينما يقول خليل سحور أخو المختار محمد سحور الذي كان يقاتل إلى جانب الحاج محمد زهران (والد جمعة) إنه نصح الحاج الجريح بالعودة إلى منزله ثم يذهب إلى منزل يوسف عليا لإخراج الذخيرة التي كانت هناك وينضم إليه أبناء يوسف عليا علي وأحمد ومحمد ويستحكم الأربعة خلف الجدار عند قائمة الزاوية بين الطريقين عند بئر الجوزة بالقرب من منزل آل عليا وتكون شرذمة ليحي قد مرت وتقدمت إلى وسط القرية باتجاه المنازل فيجري تبادل عنيف بالنيران بين الفريقين ويبدأ مقاتلو دير ياسين في أعالي القرية بإطلاق النار على منطقة بئر الجوزة ويتابع خليل : أصبحنا بين نيرانهم ونيران اليهود وحاولنا أن نلفت أنظارهم ولكن عبثا· كانت الساعة نحو الخامسة والنصف صباحا وبعدها بقليل يأتيه من يقول إن بعض نساء وأطفال آل سحور ما زالوا في منزل عبد الحميد سحور فيذهب معه ويخرجهم من شباك خلفي ويصعد إلى منزل عارف سحور حيث يستحكم على سطحه ويعيق مع رفاقه تقدم اليهود على الطريق الرئيسية التي يشرف عليها المنزل·
وننتقل الآن إلى وسط البلدة قرب منازل آل عطية ثم إلى أعاليه الغربية عند المنازل ثم نصعد إلى أعلى منازل القرية ويلاحظ أن شرذمة ليحي القادمة من الشمال من غيفعات شاؤول نجحت في اقتحام منطقة المنازل وتقدمت نحو وسط البلد من بئر الجوزة، باتجاه المنازل أما الشرذمة الثانية المختلطة القادمة من الشرق على الطريق الرئيسية والتي تقدمتها مصفحة فقد تعثر مسيرها بسبب الخندق والمقاومة من سطح المنزل ولاحقا من خليل سمور ورفاقه ومن المقاتلين في أعالي القرية·
واصطدمت الشرذمة الثالثة المهاجمة من بيت هاكيريم عبر الوادي بمقاومة شديدة من وسط القرية وكان أحد مواقع المقاومة منزل الحاج إسماعيل عطية وهو يطل على الوادي بأسره وعلى ساحة في الطرف الآخر من الشارع في حائطها بوابة كبيرة للعبور إلى الوادي ومنه· وكان المنزل يتألف من ثلاثة طوابق ولسطحه حائط سميك وكان يصعد إلى المنزل على سلم فيه 26 درجة كما يذكر عزمي ابن الحاج إسماعيل الصبي حينذاك (10 سنوات) “ إذ كنت أعدها طالعا نازلا”· وكان في المنزل من الرجال الحاج إسماعيل (90 عاما) وابنه ربحي (22 عاما) وحفيده محمود (20 عاما) وكان الإبن الأكبر محمد (45 عاما) خارج المنزل وما إن هم محمد بدخوله حسب رواية عزمي حتى صرخت أخته سعاد :” محمد محمد اليهود اليهود” إذ رأت عددا منهم يحاولون عبور بوابة الساحة المقابلة من الوادي فأطلق محمد عليهم النار من رشياشه وتراجعوا وصعد السلم بسرعة بينما كان ربحي ومحمود يغطيانه واتخذ محمد زاوية من السطح وابنه محمود زاوية أخرى بينما كان موقع ربحي عند إحدى النوافذ المطلة على الوادي والسلم وطلب محمد من عزمي وسائر العائلة تعبئة ذخيرة البنادق له وللآخرين واستمر إطلاق النار بشدة من المنزل ومن منازل قريبة دون أن يتمكن المهاجمون من اقتحام البوابة، وإذا تعثر هجوم شرذمة لايتسل في هذه الناحية فإن هجوم الشرذمة الرابعة الالتفافية الذي كان القصد منه الوصول إلى أعالي القرية الغربية عند المنازل يصد، ويعزو تقرير قدمه في 4/10 غداة المعركة “مردخاي جيحون” الذي كان ضابط مخابرات الهاغانا في المنطقة والمكلف كما أسلفنا بمساندة الهجوم باحتلال تل الشارفة (جبل هرتسل الآن) فشل المهاجمون في احتلال دير ياسين في الساعات الأولى من الصباح بسبب صد تقدم هذه الوحدة بالذات ذلك أنه لو استطاعت في وقت مبكر الصعود إلى أعالي القرية الغربية لكانت تمكنت من حسم المعركة في فترة وجيزة · ويعود صد تقدم هذه الوحدة وارغامها على الهبوط ثانية الى الوادي الى حفنة من مقاتلي القرية وعلى رأسهم علي قاسم الذي كان منزله في اعاليها وقد أصيب علي خلال دحره المهاجمين إصابة خطرة نقل على إثرها إلى عين كارم وهو من المحاربين القدماء من ثورة 1936 وهو الذي درب أهالي دير ياسين على السلاح كما أسلفنا·
شهادة دولية بعد ساعات من المجزرة :
بعد شيوع الأنباء عن إرتكاب مجازر دموية في القرية قام السيد جاك دو رينييه ممثل الصليب الأحمر الدولي بزيارة لقرية دير ياسين صباح الأحد 4/11 حيث أقلقت هذه الزيارة كلاُ من الوكالة اليهودية (أي القيادة السياسية الصهيونية المركزية) وقيادة الهاغانا في القدس كما أقلقت قادة المنظمتين الإرهابيتين ايتشل (الارغون) وليحي (شتيرن) ، وكان رجال المنظمتين الأخيرتين منهمكين في نهب موجودات القرية منذ انتهاء القتال بعد ظهر يوم الجمعة 9/4 ولم يجرؤا على التقدم نحو أعالي القرية ورفع العلم الصهيوني على أعلى منزل فيها، إلا يوم السبت في 10 أبريل رغما عن خلو البلدة من المدافعين وانسحابهم منها بسبب نفاد الذخيرة وعدم وصول المسـاعدات·
وقد كتب ممثل الصليب الأحمر تقريراً مروعاً عما شاهده جاء في جزء منه : ( حاولت أن أدخل أحد المنازل فطوقني نحو عشرة جنود مسددين رشاشاتهم نحوي ومنعني الضابط من الحراك قائلاً لي : إذا كان هناك قتلى فنحن نحضرهم · عندها انتابتني موجة غضب لم اعهدها طوال حياتي مصرحاً لهؤلاء المجرمين بكل ما كنت أضنه فيهم مهدداُ إياهم بكل فج من الكلام ، ثم دفعت من طوقني ودخلت المنزل ·
كانت الغرفة الأولى معتمة و في حالة من الفوضى ، لكن لا أحد فيها · في الغرفة الثانية وجدت بين المفروشات المبقورة والأغطية ومختلف أنواع الأنقاض بعض الجثث هامدة · لقد تمت عملية التنظيف هنا بالرشاشات ثم بالقنابل اليدوية ثم انجزت بالسكاكين ، وكان باستطاعة أي شخص أن يتبين ذلك · وهذا ما أكتشفته في الغرفة الثانية ، لكن عندما هممت بالخروج منها سمعت صوت تنهد ، فتشت كل مكان وأزحت الجثث حتى عثرت على قدم صغيرة ما زالت ساخنة · كانت فتاة في العاشرة من العمر وقد أصابتها قنبلة بجروح بالغة ، لكنها ما زالت حية وإذ حاولت نقلها منعني الضابط معترضاً طريقي عند الباب · فدفعته ومررت بحملي الثمين) ·
وفي جانب إخر من تقريره الذي يفضح حقيقة الكيان الصهيوني يقول جاك دو رينيه (في كل منزل طالعني المشهد المرعب نفسه ولم أعثر إلا على شخصين على قيد الحياة ، وهما أمرأتان إحداهما جدة عجوز اختبأت وراء حزمة حطب حيث بقيت بلا حراك منذ 24 ساعة على الأقل ) ·
و أصر قادة المنظمتين الإرهابيتين على الخروج من دير ياسين بمنهوباتهما وغنائمهما في أسرع وقت ممكن وتسليم القرية إلى رجال الهاغانا · بيد أن ديفيد شلتيئيل قائد الهاغانا في القدس كان حريصا على أن تقوم المنظمتان الإرهابيتان بدفن جثث ضحاياهما قبل استلام القرية منهما إخفاء لمعالم جريمتهما وشواهدها·
وكان شلتيئيل قد أصدر أوامره لوحدات من لواء الشبيبة “ الجادناع” في القدس للاستعداد للحلول محل رجال ايتسل وليحي ولكنه في الوقت نفسه كان يخشى على معنويات الجادناع من رؤية ما اقترفته أيدي المنظمتين الإرهابيتين·
في هذه الأثناء وبعد مغادرة دو رينييه لدير ياسين عصر الأحد 4/11 قرر قادة المنظمتين أن لا سبيل للتخلص من جثث ضحاياهما لا بحرقها·
ويروي موشيه برزلاي (ضابط استخبارات ليحي): صببنا ثلاثة أوعية نفط على ثلاثين جثة في الشارع الرئيسي في القرية وبعد نصف ساعة أدركنا أن هذا مستحيل، فيصدر يهوشع زطلر (قائد ليحي في القدس) أمرا بنقل الجثث المحترقة قليلا من الشارع الرئيسي إلى ما وراء جدار ويرفض رجاله فعل ذلك فيسحب زطلر مسدسه عليهم ولكني قلت له كن قدوة· وجررنا سوية إحدى الجثث وانفصلت يد عن الجسم وبقيت معي وتقيأت·
ويروي شاهد عيان من ليحي اسمه شمعون مونيتا:” اعتقدنا أن الجثث ستشتعل ولكن لا يمكن إحراق جثث في الهواء الطلق ولقد بنى النازيون من أجل ذلك موقدا خاصا يشتعل بدرجة حرارة عالية جدا “ ·
وفي هذه الأثناء ، يصل “ دورون حسدأي “ أحد قادة “ الجادناع “ إلى القرية للاستطلاع بصحبة “ يشورون شيف “ مرافق “ شلتئيل “ ويصف ما شاهده كالآتي : “ على امتداد عشرات الأمتار كانت تتوقد شعل من النيران وفيها جثث، لا تزال رائحة اللحم المشعوط تطاردني إلى الآن ويتصل شيف بشلتئيل ويقول له محرقة !! إنهم يحرقون بشراً “ ·
ويقرر “ شلتئيل “ منع خروج رجال المنظمتين الإرهابيتين من دير ياسين وإرغامهم على دفن الجثث ويوكل المهمة إلى وحدة من الشرطة العسكرية التابعة للواء عتسيوني (الهاغانا) بقيادة “ ديفيد دريفوس” تعزيزا لوحدات “ الجادناع “ وتسير وحدة الشرطة العسكرية ووحدة “ الجادناع “ نحو القرية ومعهم يشورون شيف ليجدوا حاجزا من الحجارة يقف خلفه “ مردخاي رعنان “ قائد الايتسل في القدس و “ يهودا لبيوت “ قائد ليحي في دير ياسين مع عدد من مرؤسيهم ويجري تلاسن بين الطرفين يعقبه اشتباك بالأيدي يهدد بالتطور إلى اشتباك بالسلاح ويتصل شيف بواسطة جهاز لاسلكي بشلتئيل ويقول شلتئيل: “ جردهم من سلاحهم وإذا لم يسلموا سلاحهم أطلق عليهم النار “ ·
ويجيب شيف حسب روايته: “ لا أستطيع أن أفعل ذلك بيهود” · وفي هذا الأثناء ، تصل تعزيزات إلى “ الايتسل “ في شاحنتين ويصر قادة المنظمتين الإرهابيتين على الخروج بشاحنات محملة بغنائمهما · ويخبر “ شيف شلتئيل “ بأن ما لديه من قوة لا تكفي للسيطرة على الوضع ويقال لرجال” الايتسل “ و” ليحي “: خذوا ما تريدون وانصرفوا· وهكذا أخيرا تدخل وحدات “ الجادناع” القرية بقيادة “ يهوشع ارئيلي “ الذي يروي أن “ شلتئيل “ أمره بإزالة الجثث ودفنها قبل عودة بعثة الصليب الأحمر الدولي·
ويتابع “ ارئيلي “ القول بأن معظم القتلى كانوا من الشيوخ والنساء والأطفال وأنه كلف بالدفن فقط قادة متقدمين في السن نسبيا وأضاف : “ عملنا طوال ليلة 12/13 أبريل وكان من الصعب إخراج الجثث من منزلين فحصلنا على موافقة على نسف المنزلين مع الجثث ونفذنا ذلك صباح الثلاثاء 4/13 ودفنا في قبر جماعي نحو 70 جثة ونسفنا مجموعتين للجثث في كل واحدة منهما نحو 20 جثة وبهذا يكون المجموع نحو 110 قتلى “·
ومكث أثناء الدفن عدة أشخاص من قادة اللواء “ عتسيوني “ التابع” للهاغانا “ وكان واحدا منهم “ يشورون شيف “ ويروي “ هيلل بوليتي “ أحد قادة الجادناع أنهم أحضروا لنا من المدينة قفازات ومعاطف واقية وكمامات لتغطية الوجه ونقلنا الجثث اثنتين اثنتين بأيدينا إلى مقلع للأحجار وأحضرت من المدينة جرافة غطت الجثث بالتراب·
الشهادة الموثقة لضحايا المجزرة :
يعتبر كتاب ( دير ياسين ) للدكتور وليد الخالدي الذي صدر منذ قرابة ثلاثة أعوام من أدق المصادر المدعمة بالوثائق حول عدد ضحايا المجزرة وتفاصيلها حيث يقول :
الراسخ في الذاكرة الفلسطينية والعربية والمتواتر إلى الأمس القريب في العالم بأسره بما في ذلك الكيان الصهيوني و الصهاينة خارجها أن عدد شهداء دير ياسين في حدود 245 - 250 شهيدا ، هذا هو الرقم الذي أعلنته الأطراف المعنية في حينه (اليهودية والبريطانية الرسمية والدولية والفلسطينية والعربية) وهو الرقم الذي أجمع عليه الصحافيون والمؤرخون والمراقبون من مختلف الجنسيات منذ 1948 بيد أن المفارقة (وأي مفارقة) أن هذا الرقم ليس هو الرقم الذي قدمه في حينه الطرف الأكثر دراية ومعرفة بالأمر أي الناجون من وجهاء القرية وكبارها·
أما نتيجة إحصاء وجهاء دير ياسين لشهدائها في أبريل 1948 فكان في حدود مائة شهيد معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال يضاف إليهم نحو 15 جريحا جروحهم بليغة· وذكرت صحيفة “ البالستين بوست “ اليهودية في عددها الصادر في 11/4 1948 أن عشرة منهم أدخلوا المستشفى الحكومي في القدس وأن سبعة من هؤلاء دون الرابعة عشرة من عمرهم يضاف إليهم العشرات المصابون بجروح أقل خطورة·
ولقد ظلت معرفة عدد شهداء دير ياسين الحقيقي مقتصرة على الناجين من سكان دير ياسين وذريتهم ومعارفهم وعلى عدد قليل من الباحثين ولم يشق العدد الحقيقي طريقه إلى أدبيات 1948 الفلسطينية إلا في نهاية السبعينات عندما أصدرت جامعة بيرزيت في الضفة الغربية كراسا عن دير ياسين من ضمن سلسلة من القرى الفلسطينية التي دمرتها العصابات الصهيونية ذكرت فيه هذا الرقم استنادا إلى مقابلات أجراها مؤلفو الكراس مع بعض كبار الناجين من أهالي دير ياسين· وفي هذه الأثناء تكرر ذكر رقم 240-250 شهيدا في أدبيات 1948 كافة في مختلف اللغات بما في ذلك الرواية الرسمية الصهيونية لحرب 1948 التي صدرت عن وزارة الدفاع الصهيونية عام 1972 باسم “ سيفر تولدوت هاغانا “ عندما كانت الحكومة الصهيونية ما زالت تحت السيطرة العمالية·
ويتلقف الكاتب اليميني الصهيوني ملشتاين ما ذكرته جامعة بيرزيت في كراسها عن عدد ضحايا دير ياسين ويدمجه في محاولته إعادة كتابة تاريخ 1948 من منظور يميني ناقد للرواية الصهيونية العمالية وبهدف إلقاء الشك على الرواية العربية بأسرها لدير ياسين مع أنه يقر بأن الرقم المبالغ فيه لم يأت أصلا من الطرف العربي لكن الطرف اليهودي اليميني ذاته·
و أول من ذكر أن رقم الشهداء هو 240 شهيدا هو مردخاي رعنان قائد الايتسل (الأرغون) في القدس وكان ذلك في مؤتمر صحافي عقده مساء يوم الجمعة 9/4 بعد توقف القتال واحتلال القرية حضره مراسلو الوكالات الأميركيون· وأذاعت الـ بي· بي· سي اللندنية الرقم في نشرتها الإخبارية لتلك الليلة وكررت ذكره في الوقت نفسه محطة الإذاعة البريطانية الانتدابية في القدس· ويذكر القارئ أن ممثل الصليب الأحمر الدولي زار دير ياسين يوم الأحد في 11 أبريل ونقل إلى السلطات البريطانية وإلى الهيئة العربية العليا في القدس أن عدد الضحايا إنما هو في حدود 350 شهيدا وأن الدكتور حسين فخري الخالدي أمين سر الهيئة العربية العليا عقد مؤتمرا صحافيا في إثر لقائه مع ممثل الصليب الأحمر يوم الأحد في 11 أبريل واعتمد الرقم الأدنى الذي ذكره قائد الأرغون يوم الجمعة وتناقلته عن قائد الأرغون الوكالات العالمية يومي الجمعة والسبت السابقين·
ويروي ملشتاين عن رعنان في مقابلة أجراها معه بعد الواقعة بسنين عدة أن رعنان تقصد يوم الجمعة تضخيم عدد ضحاياه لإلقاء الرعب في العرب وأنه حسب قول رعنان نجح في ذلك وأغلب الظن بالنسبة لنا أن هذا تبرير أو تفسير لاحق رجعي لتضخيم أثر دير ياسين الفعلي على سير القتال في فلسطين عموما هو تفسير يتضامن ملشتاين فيه طبعا مع رعنان بغية تضخيم دور المنظمتين الإرهابيتين (الأرغون والشتيرن) اليمينيتين في قتال عام 1948 مقارنة بدور الهاغانا اليسارية ويقيننا أن الدوافع الحقيقية لتضخيم الرقم كانت أكثر ارتباطا بالمحادثات السياسية المتزامنة التي كانت تجري في حينه تحت رعاية اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية لدمج المنظمتين الإرهابيتين في قوات الهاغانا كما سنبين بعد قليل·
والواقع أيضا من شهادات الناجين والمراقبين الدوليين بل ومن أفواه قادة المنظمتين الإرهابيتين وكذلك من شهادات قادة الهاغانا وضباطها التي أوردناها جميعا سابقا أن المنظمتين لم ترعيا حرمة لشيخ أو مسنة أو رضيع أو جريح وأن أتباعهما لم يتركوا عرفا واحدا في التعامل مع المدنيين في الحروب إلا وخرقوه فاتخذوا من الأسرى من الشيوخ والنساء والأطفال دروعا لحماية أنفسهم من نيران المقاومين ورهائن لحمل الجرحى والقتلى من اليهود تحت الرصاص وأغطية لاقتحام منازل البلدة ولم يكتفوا بإعدام أسراهم من الرجال وبضرب وشتم وتهديد أسراهم من النسوة وسلبهن كل ما عليهن من الحلي والأساور والخواتم والنقود ولا بتمزيق آذانهن انتزاعا للأقراط ولا باستعراضهن في شاحنات في موكب نصر ذهابا وإيابا في أحياء القدس اليهودية بل انحدروا إلى ما هو أسفل حتى من هذا وذاك بتركهم جثث ضحاياهم من دون دفن ومحترقة جزئيا في الشارع العام في دير ياسين بعد أن أشعلوا النار فيها وفروا من البلدة بما نهبوه منها من غنائم ومؤن ، وأثاث ومواشي ·
شهادة صهيونية :
وقد تفاخر الإرهابي مناحيم بيغن - رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق- بهذه المذبحة في مذكراته الرسمية فقال : “ لقد كان لهذه العملية نتائج كبيرة غير متوقعة، فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين·· فمن أصل 800 ألف عربي كانوا يعيشون على أرض إسرائيل الحالية - فلسطين المحتلة عام 1948 لم يتبق سوى 165 ألفا “ · كما أعاب بيغن على من تبرأ منها من زعماء اليهود ويتهمهم بالرياء ! ! ·
ويضيف بيغن : “ إن مذبحة دير ياسين قد تسببت بانتصارات حاسمة في ميدان المعركة” · فيما قال إرهابيون آخرون إنه من دون دير ياسين ما كان ممكنا لإسرائيل أن تظهر إلى الوجود، وتمسكت اتسل وليحي بالدفاع عن المجزرة بل إن ليحي اعتبرت ما ارتكبه أفرادها في دير ياسين واجبا إنسانيا “ ·
وفي 29/4/1972م صدرت شهادة ( مئير بعيل ) و هو جندي إسرائيلي شارك في المجزرة حيث قال لصحيفة ( يديعوت أحرونوت ) العبرية ما نصه : ( ··· وبعد رحيل رجال البالماح شرع رجال الآرغون وشتيرن في تنفيذ مجزرتهم المخزية بحق السكان فمن دون تمييز صفي الرجال والنساء والعجائز والأطفال بعد أن أوقفوا صفوفاً على الجدران أو حشروا في زوايا المنازل · وهناك صور فوتوغرافية تؤكد ما حدث ·
صحيح أن معظم السكان أعدموا بالرصاص ، وصحيح أن المجزرة وقعت فورا عند انتهاء المعركة وصحيح أن الضباط لم يستطيعوا لجم جنودهم وهم على كل حال لم يبدوا أي حماسة لفعله غير أنه كان هناك مجزرة · والقول أنها ارتكبت في فورة دم لا يغير شيئا في الأمور ·
ويمكن لقائد الآرغون في القدس أن يحتج ما يشاء ويؤكد أن الاحتفال بالنصر تحول إلى تهمة إجرامية ملفقة لكنني كشاهد عيان أؤكد أن المجزرة ارتكبت فعلاً ·
لقد صفي العرب بكل دم بارد هذه المرة في المحجرة بين دير ياسين و غفعات شاؤول ، وبهذا الشأن أيضا توجد وثائق مصورة · لقد كان عملا اجراميا لا مجرد تهمة إجرامية ملفقة) ·
ولقد أثارت هذه التصريحات وغيرها الكثير من ردود الفعل في الكيان الصهيوني والعالم بأسره ولكن الذي حصل على أرض الواقع أن المجرم (مناحيم بيغن) قد حصل على جائزة (نوبل) للسلام في عام 1977م !! ·بينما أضحى قادة العصابات التي ارتكبت هذه الجريمة باتوا قادة دولة إسرائيل الوليدة وجيشها فيما بعد بينما كان التشريد ومرارة الذكريات من نصيب سكان القرية الأبرياء ·
سلام زائف
ونحن نعيش أجواء الذكرى الخامسة والخمسين لقيام الكيان الصهيوني وارتكاب مجزرة دير ياسين المروعة نجد بأن يوم 1948/4/9م يعيد نفسه كل يوم في فلسطين المحتلة في تأكيد على أن العقيدة الإرهابية الصهيونية التي تستمد تعاليمها من التوراة المحرفة والأسفار المغلوطة لم ولن تتغير مهما قدمنا من تنازلات وسعينا وراء سلام زائف مع عدو لا يعرف سوى لغة القتل و ارتكاب المجازر ومدعوم بالوقت نفسه من القوى العظمى التي من مصلحتها بقاء هذه الغدة السرطانية قوية في قلب عالمنا العربي ·