· تفاوض البسام مع ذاكرة الجمهور الغربي فغير من هوية بطل شكسبير
بقلم: فتحية حسين الحداد
في بداية الأسبوع الثالث من أبرايل 2007 ناقش مهرجان الكويت المسرحي التاسع في ندوته الفكرية موضوع: "المسرح والقضية الوطنية في العالم العربي" وقدمت أوراق حول محورين: "المسرح قبل الاستقلال"، و"المسرح ضد الاستبداد" وفي الأسبوع نفسه دار حوار في رابطة الأدباء مع المخرج الكويتي سليمان البسام حول آخر أعماله "ريتشارد العرب - مأساة عربية)، المسرحية التي عرضت مؤخرا في سترادفورد، لتكون أول عمل عربي يعرض على مسرح شكسبير الملكي، وربما أحدث عمل كويتي يتناول القضية الوطنية متفرعا منها الى القومية ليستقر على مدرجات الدولية أو العالمية·
النموذج الحاضر
هذا النموذج الحاضر لا يرتبط فقط بتاريخ أول عرض المسرحية، فبراير 2007، وكلمة "حاضر" جاءت لتقف عند أكثر من محطة تتعلق بالعمل ومعطياته· "ريتشارد العرب" نموذج حديث معاصر به تشكيلة العناصر بتوليفة افتقر اليها عند الزمن الطويل، يقود الفرقة مخرج كويتي بمشاركة ممثلين وفنانين من الكويت ومن دول شقيقة وصديقة لتكون نموذجا لرؤية تتسع لأكثر من طرح· تناول العرض نصا عالميا تعددت فيه جنسيات المشاركين ليعطي الفرصة لتباين الاحتمالات، وتشعب واختلافات الإسقاطات معبرا وعلى نحو فريد عن رقع متناثرة تميز الجزيرة العربية بشعوبها وحكامها·
القضية الوطنية
القضية الوطنية في "ريتشارد العرب" ليست هتافات متكررة أو نداءات منسوخة تعلو وتنتقل من جيل إلى آخر في شوارع الفوضى العربية، بل هي عبور متأن في قراءة متجددة لنص غربي ينصهر مع رؤية عربية ومع الموروث الشعبي الخليجي فيجعل من رقص الخماري شيفرات تفجر الانفعال وتلخص الموقف وتشي بهوية الراقصين قبل أن تنتقل الى كشف الضمير العربي من خلال الشعر الفصيح· يقطع الطار لحظة درامية ليوقظ آلام ضحايا خلفها ريتشارد عربي وآخر من الغرب، ويأتي الموروث المحلي من خلال الفن الشعبي لتتحول الإيقاعات الى سوط عربي لجلد الذات ولتصبح حركة الجسد بتفاصيل قريبة من الزار لحظة تطهير حقيقية ومسرحية أيضا·
السلطة واحدة
تفاوض سليمان البسام مع ذاكرة الجمهور الغربي، فغير من هوية بطل شكسبير وجعله يتكلم العربية، وأبقى على صفات ريتشارد الثالث حين تعلق الأمر بإقامة معاهدات ممهورة بختم الخيانة· المخرج الكويتي تفاوض أيضا مع شكسبير، ومن النص الأصلي أبقى على الحصان، أو على عبارة ريتشارد الثالث: "حصان، حصان، مملكتي مقابل حصان"، ليقول في النهاية إن السلطة أينما كانت فمفرداتها واحدة، موحيا بذلك بأن في الحصان الذي فقده رمزا لجماهير عربية ظلت طويلا تحت وطأة الانقياد، وأن انقيادها كان داعما لسلطته وسببا في جبروته·
أسئلة مصيرية
سليمان البسام يرسخ لقناعاته باختياره نص "ريتشارد الثالث"، الذي تظهر فيها الصراعات العائلية والملكية، ليؤكد أن فهمه لشكسبير واستيعابه لفلسفته تجاوز مستوى المعرفة السطحية، وإن كان الكاتب الإنكليزي قد قرأ في كتب التاريخ لتكون مرجعية في وضع جزء من تاريخ شخصياته، فالمخرج الكويتي أيضا قام بالبحث ليذكرنا بأسئلة مصيرية لا تهمل أصل السلوك الإنساني تجاه القضايا الوطنية وانسحابها على التوجهات القومية، ويحثنا على التساؤل إن كان السلوك الوطني يبدأ من البيت والعائلة أم من الحي وأطرافه أم من الوطن وجيرانه؟ الصراع في هذا العرض لا يعني بالسلطة فقط، والمسرحية دعوة للبحث عن الطرف الآخر في القضية، وهي اقتراح لطرح جديد يناقش الواقعين تحت وطأة السلطة ليواجههم بأسئلة مثل: كيف تصارعون؟ ما هي أدواتكم؟ تقليدية أم معاصرة؟ وهل وقعتم ضحية الوعود لأنكم كنتم في الأصل جزءا من أدوات السلطة؟
مشروع مسرحي
المخرج الكويتي سليمان البسام يؤكد في هذا العمل أن رؤيته للمسرح تقع في إطار المشروع لا تنتهي بمسرحية واحدة· رؤيته تتبلور بين عمل وآخر، يتأمل أفكاره ويقلبها بين النصوص الغربية والعربية، يجعل من "هاملت" ورقة لإسقاطات يؤطرها في مسرحية أسماها "مؤتمر هاملت" لتناول تشابك العلاقات في الوطن العربي في إطار هيمنة أجنبية ولا يتوقف عند الموروث الغربي بل تصفح أوراق أدب الشرق ويلتفت إلى "كليلة ودمنة" ليستل منها عناصر السلطة، وكعادته في مسرحياته، يضع بصمته ويختار رموزا معينة تسقط على الخشبة، تمثل لتقول إن سقوطها هو موت مسرحي وأنها في الواقع حياتها متجددة وأن روحها تحوم فوق رؤوس الضعفاء وتجثم على قلوب المضطهدين إن لم يتحركوا·
عمل مدروس
"ريتشارد العرب" جزء من مشروع مسرحي ثقافي، وهو عمل له طرح مدروس واختياراته تحركها أدوات عصرية للتعريف برسالة المشروع· العرض وجه في البداية إلى متلق يعرف الطريق الى المسرح التاريخي والسياسي ليكون الجمهور والناقد في بريطانيا نواة لطرح يناسب الساعة، فيضع الأفكار التي تصله من العرض في بوتقة تأخذ بالمرجعيات وتتعامل معها بصيغة عصرية ووفق أدوات تحليل متطورة تساعدة في كشف غشاوة إعلام الكاميرات الموجهة والخطاب الديبلوماسي والحصافة السياسية·
مشروع كويتي
"ريتشارد العرب" له وجه بملامح حيوية وخطابه معاصر، وجه لا يعبر عن الاستعمار بايماءات تقليدية ومصطلحات مشوهة بتجاعيد القرن الماضي، والمسرحية جزء من مشروع كويتي طموح يحاول سد ثغرة في المسرح العربي وفي النقد العربي أيضا ليكون في المستقبل طرفا معاصرا وحاضرا في الندوات الفكرية المحلية، كما هو في الصحف العالمية ومحطات التلفزيون الدولية·