
· الملتقى دعّم فكرة التجديد والتجريب في الأساليب النحتية المعاصرة
· النحات الإيراني "حكماتي" قدم النحت من منظور إسلامي مجرد
· البناي من الكويت والمحميد من البحرين كانا عنوانا للدهشة والإثارة
كتب الدكتور نادر القنة:
شارك في أعمال ملتقى النحت المعاصر الذي عقد في الكويت/نوفمبر 2006 نخبة من النحاتين العالميينن والعرب بالإضافة الى مجموعة من نحاتي دولة الكويت، وهم: رولاند ماير من ألمانيا، طاهر شيخ حكمائي من إيران، سيمونا دي لورنزو من إيطاليا، بيتري بيتروف من بلغاريا، علي المحميد من البحرين، خالد الفرحان من البحرين، جمبير جيكيا من جورجيا، آيان نيوباري من السويد، أيوب البلوشي من سلطنة عمان، جانين كوركز وينترب من فرنسا، سامي بصبوص من لبنان، هاني فيصل، وإيهاب اللبّان من مصر، وإكرام قباج من المغرب، ومن دولة الكويت النحاتان: خزعل القفاص، عبدالحميد إسماعيل، عباس مالك، أحمد البناي، يوسف المليفي، نوال القريني·
اللجنة العليا
يُذكر أن اللجنة المنظمة العليا للملتقى ضمت في عضويتها الفنانين التشكيليين: عبدالرسول سلمان، فريد العلي، سالم الخرجي، خزعل القفاص، مي النوري، فواز الدويش، جاسم بوحمد، عباس مالك، عبدالحميد إسماعيل، مؤيد الثليث، محمد البحر، عبدالكريم العنزي، فريدة البقصمي، فداء العون، عبدالله بوشهري، هديل التميمي، أحمد البناي·
ملتقيات عالمية
يعد هذا الملتقى العالمي واحدا من أهم الورش النحتية التي تمّ تنظيمها في منطقة الخليج العربي في العقود الثلاثة الماضية، ولعل هذا الملتقى الورشي يعيد الى أذهاننا صورة ملتقى برلين للنحت الذي يعد واحدا من أهم الورش والملتقيات النحتية العالمية، كما يذكرنا بتنويعاته الأسلوبية بمعرض (أوروب آرت) في جنيف، و كذلك معرض (آر سود) في باريس، وعلى المستوى العربي يعيد الى ذاكرتنا ملتقى النحت الذي تم تنظيمه في طرطوس السورية بمنطقة (مشتى الحلو)·· كما يذكرنا أيضا بملتقى النحت على الرخام بالهواء، الطلق الذي أقيم في الجبل الغربي لمدينة الزبداني السورية بالتعاون مع مجلس بلدية الزبداني، وكذلك ملتقى النحت على الرخام بالهواء الطلق الذي أقيم ضمن مهرجان السنديان الثقافي بقرية الملاحة السورية بالتعاون مع أسرة مهرجان السنديان الثقافي، ونشير أيضا إلى معرض النحت التخصصي الذي أقيم ضمن مهرجان جبلة الثقافي في سورية، وهو معرض معاصر يتضمن تقنية النحت على الحجر·
أهمية هذا الملتقى
في تقديراتي الشخصية أن ملتقى الكويت العالمي الأول للنحت المعاصر، والذي أقيم بالهواء الطلق بحديقة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية بمنطقة حولي خريف 2006··· يكتسب أهميته الفنية والثقافية من معطيات كثيرة، تأتي في مقدمتها: الدعوة الى تكريس مبدأ التجريب في الاشتغال النحتي على الرخام واستنطاق إمكاناته ضمن رؤى فلسفية معاصرة، تستمد وجودها من المحيط البيئي والإنساني الذي ينتمي اليه الفنان التشكيلي - النحات، وذلك في خضم التراجعات التي بدأ يشهدها هذا الفن خليجيا وعربيا، وما صاحبه من ندرة للفنان النحات التجريبي، الذي يمتلك مهارات فنية تصل الى مستوى الاحتراف وتجاوز الأنماط السائدة من الاشتغالات النحتية المتشابهة والمكررة·
أضف الى ذلك، أن هذا الملتقى زواج في حضوره في آن واحد بين ثنائىات كثيرة، ساهمت في الارتقاء بمستوى نوعيته، ومستوى نخبويته ومستوى إنجازاته الإبداعية، ومستوى حواراته·· ويمكننا أن ندلل على ذلك من خلال هذا التعانق والتلاقي بين شيوخ النحت العربي ورموزه (سامي بصبوص /لبنان، خزعل القفاص/الكويت، أُبي حاطوم/سورية، عبدالحميد إسماعيل/الكويت) والجيل الجديد من النحاتين العرب (أحمد البناي/الكويت، يوسف المليلفي/الكويت· خالد الفرحان/البحرين، أيوب البلوشي/سلطنة عُمان· ونشير هنا الى حضور الجيل الأوسط في النحت العربي من أمثال (علي المحميد/ البحرين· هاني فيصل/مصر)·
ويلاحظ أيضا في هذا الملتقى أنه جمع في آن واحد المدرسة النحتية العربية في المغرب العربي (إكرام قباج) والمدرسة النحتية العربية في المشرق العربي (سامي بصبوص/لبنان، أُبي حاطوم / سورية) وهاتان المدرستان التقتا بالمدرسة الخليجية، التي تشكل الجناح الثالث في المدرسة النحتية العربية: (القفاص/الكويت، المحميد/البحرين، البلوشي/عُمان)·
ونشير أيضا الى ثنائىة المزاوجة في الاشتغال النحتي بين القدرات الذكورية والنسوية، سواء على المستوى المقارنة في المحيط العربي/العربي، أو المحيط العربي/العالمي، (ماير/ألمانيا، بيتروف/ بلغاريا، حكمائي/إيران، جمبير/جورجيا، نيوباري /السويد)، (سيمونا/ إيطاليا، جانين/فرنسا، إكرام قباج/المغرب، نوال القريني/الكويت) ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمكننا المقارنة أيضا بين الاشتغال النحتي العالمي والعربي ذاته على المستوى النسوي، وبالإمكان أيضا قراءة الناتج النحتي مقارنة بين اشتغالات المرأة في المدرسة النسوية المغربية، والمرأة في المدرسة النسوية الخليجية)·
جوانب كثيرة تجعل من هذا الملتقى واحدا من أهم الملتقيات النحتية العالمية·· فبالإضافة الى ما سبق ذكره من حضور لافت لمدارس واتجاهات فنية تشكيلية مختلفة، سواء التقليدية منها، أو الحديثة أو المعاصرة··· فإن هذا الملتقى سمح لنا أن نلقي نظرة على طبيعة النحت في المفهوم الإسلامي المعاصر، والذي يُصنف أيضا ضمن محيط الفنون النحتية الشرق أوسطية وذلك من خلال ما قدمه النحات الإيراني البارز طاهر شيخ حكمائي··· حيث أظهر براعة ملفتة في تكوينه للعمود الإسلامي، الذي يشكل جزءا رئيسيا من مركّب العمارة الإسلامية التقليدية، غير أن حكمائي المفتون بالقلاع الإسلامية استطاع أن يجدد في شكل هذا العمود عبر ما أضافه إليه من لمسات معاصرة، ساعده في ذلك الملمس الخاص للرخام·
أما على المستوى العالمي·· فقد جمع هذا الملتقى في آن واحد بين المدرسة الغربية التقليدية، المعروفة باسم (شرق أوروبا)، والتي مثلها في الملتقى حضور النحات بيتروف/بلغاريا، والنحات جمبير جيكيا من جورجيا، والمدرسة الغربية المتحررة من كل قواعد وقوانين النحت، والمعروفة باسم (غرب أوروبا)، والتي مثلها في الملتقى حضور النحاتين والنحاتات: (سيمونا/إيطاليا، نيوباري /السويد، ماير/ألمانيا، جانين/فرنسا)·
ويكتسب أيضا هذا الملتقى أهميته من كونه قدم انتفاضة نحتية جديدة على مستوى الفكر، وعلى مستوى التقنية / تكنيك التعامل مع الخامة (الرخام) ومحاولة تطويعها لأغراض:
1 - سياسية، انظر اشتغالات بصبوص والمحميد وماير·
2 - تراثية، انظر اشتغالات البلوشي·
3 - ميثولوجية، انظر اشتغالات هاني فيصل·
4 - حداثية، انظر اشتغالات سيمونا·
5 - إسلامية، انظر اشتغالات حكمائي·
ساهم هذا الملتقى الى حد كبير في كسب شعبية إضافية لفن النحت، بوصفه الفن الخالص، والمركّّب، والمعقد، وهو المهمل أيضا في حركتنا التشكيلية والثقافية·· وهذاالكسب الإضافي لشعبية الفن من شأنه أن يؤدي في المستقبل الى توسيع قاعدة انتشار هذا الفن لدى الذائقة الجمالية، وربما يفتح له أيضا سوقا تجاريا واسعا يتناسب مع تطلعات واشتغالات النحاتين أنفسهم·
إذا كان من الملفت للانتباه أن نرى هذا الحضور الواسع للذائقة الجمالية لسمبونيزم الكويت العالمي المعاصر، ونرى أيضا هذا الحوار غير المغلق وغير المنكفئ على نفسه بين الحضور والنحاتين والذي رسم في واحدة من أبرز وجوهه طبيعة أسئلة هذا الفن، وطبيعة العلاقات النظرية والفكرية والفنية، والفلسفية التي يحملها·
هذا الملتقى بشكل أو بآخر دعم فكرة لاشتغال النحتي، ودعم فكرة التجديد الأسلوبي في التعامل مع الخاص انطلاقا من بوابة التجريب وارتياد آفاق أسلوبية حديثة ومعاصرة تزاوج بين مختلف الاتجاهات الفنية بما يتوافق وروح الفنان ذاته وانتماءاته الاجتماعية والسياسية وقناعاته ومعتقداته الإيديولوجية·· ولن نبالغ في القول: إذا ذهبنا في الاعتقاد أن اشتغالات البناي/ من الكويت واشتغالات المحميد من البحرين وبالطبع لا ننسى اشتغالات بصبوص من لبنان·· قد صدمت المتلقي الذائقة الجمالية وإصابته بالكثير من الدهشة وحرضته على المزيد من التفكير والتحليل والولوج الى عوالم فكرية ونسقية غير مكرورة وغير تقليدية وغير مستهلكة وابتعاد واضح عن كل الصيغ المألوفة والمعروفة مسبقاً·
حديقة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في منطقة حولي، وبعد أن غادرها الفنانون النحاتون·· صارت اليوم تحكي قصة واقع جمالي غير مسبوق وصارت ساحة دولية لواحدة من أجمل مباريات الجمال، والاشتغال الفكري فالرخام الصلب والمصمت الذي جاء خصوصا من سلطنة عمان·· إحالته أنامل المهارات النحتية الى تحف فنية تلخص في مجملها مسارات الاتجاهات الفنية والفكرية في التجربة النحتية المعاصرة·
في هذه الحديقة عشنا تجربحة حكمائي وفيها مر بصبوص بمعاناته السياسية فأنطق الرخام فكراً سياسياً، وفيها شهدنا ميلاد البناي، وعلى جوانبها قاومت سيمونا صلابة الرخام، وفي ظلالها قال القفاص خلاصة تجربته·· وفيها، وفيها· حقاً، إنها تجربة غنية بكل المقاييس، أرجو أن تتكرر ثانية في الحديقة ذاتها التي عرفنا عنها أنها قهرت الرخام وأحالته خامة لينة تحمل دلالات فكرية معاصرة·

