رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 نوفمبر 2006
العدد 1750

تضاريس الخارطة السياسية ونظرية الأواني المستطرقة!!
عام "بريمر العراقي" في الميزان!(3)

                                                                     

 

·         اعتراض السيستاني على قانون إدارة الدولة كان بمثابة قنبلة موقوتة

·         كتاب بريمر أقرب الى الأواني المستطرقة مخزن فيه كل لقاء واجتماع سري دار معه

·         موافقة الأطراف المعنية على الدستور هو يوم انتصار الديمقراطية في العراق

·         الابراهيمي ومقتدى الصدر وانفلات الوضع الأمني في الفلوجة أخطر ما قابل بريمر بعد توليه السلطة

·         مقتدى الصدر تهديده للإسلاميين الشيعة أكثر من تهديده للائتلاف الدولي

 

مراجعة وقراءة

د. عبدالحسين شعبان

إقرار الدستور

 

ويذكر بريمر ملاحظات السيستاني بشأن أغلبية ثلثي ثلاث محافظات لنقض الدستور وكيف أنه رفض ان يشير إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم  "1546" الصادر في حزيران "يونيو" 2004 الى قانون إدارة الدولة الذي صدر في 8 آذار "مارس" 2004 ويشيد هنا بريمر بالباجه جي الذي يقول إنه لعب دوراً في ذلك كما يؤكد على جديته بين غالبية أعضاء مجلس الحكم لكنه يغمز قناته من خلال " كتاب" كان قد ألفه يشير فيه الى عائدية الكويت للعراق، وذلك بعد محاججة صدام حسين إليه يوم زاره في المعتقل بعد إلقاء القبض عليه هو وعادل عبد المهدي وأحمد الجلبي وموفق الربيعي·

يقول بريمر إن اعتراض السيستاني عشية إصدار قانون إدارة الدولة كان بمثابة قنبلة ولهذا حاولت كدبلوماسي إخفاء القبضة الحديدية داخل قفازي المخملي، وكتبت الى السيستاني: أن سحب هذه المادة سيقوض الإجماع ويعطي إشارة للإرهابيين بأن بوسعهم إخراج جهودنا لبناء عراق ديمقراطي حر عن مسارها·· وإذا اصررت على ذلك فستقع أسوأ كوابيسك في الوقت الذي لا تستطيع بلدك تحملها·

وركب عماد الخرساني مروحية بلاك هوك بشجاعة وتوجه الى النجف، ويقول بريمر: قلت للربيعي الذي طلب مقابلتي أنتم الشيعة تلعبون بالنار وتخاطرون بتقويض العملية بأكملها وبعد اجتماع القيادات الشيعية وبعد أخذ ورد ومناورات "كردية- شيعية" وبين أعضاء مجلس الحكم واتصالات كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي آنذاك وإصرار الطالباني والبارزاني على فقرة المصادقة على الدستور وافقت الأطراف المعنية على ذلك واعتبر بريمر يوم انتصار الديمقراطية في العراق·

 

ثلاث أزمات عشية

تسليم السلطة!!

 

ويشخص بريمر ثلاث أزمات مرت بها العملية السياسية عشية ما سمي بتسليم السيادة: الأولى: عودة الأخضر الإبراهيمي، بإقناع السيستاني وبعض أتباعه من الشيعة الذين شنوا هجوما عليه باعتباره قومياً عربياً وسنياً، وغير ذلك وأن إدانته لم تكن حازمة للانتهاكات أيام صدام، وكان بعض الأعضاء قد وزعوا صورة للابراهيمي وهو يدخن السيجار مع صدام قبل سنوات·

والسبب في ذلك أن الأخضر الإبراهيمي كان قد عبر عن اعتقاده بوجوب ألا يدير أصحاب العمائم السوداء المقصود رجال الدين الشيعة الحكومة العراقية الموقتة ويقول بريمر أنه أبلغه أن آية الله السيستاني مهتم فقط بأغلبية شيعية في الحكومة الجديدة·

الأزمة الثانية: مشكلة مقتدى الصدر وجيش المهدي الذي يقول عنه بريمر إنه أصبح أكثر وقاحة، حيث كان يرتدي الكفن الأبيض وأنه يتعطش للشهادة ويمارس أعمال شقاوة ولديه سجن خاص يقوم بتعذيب المعتقلين، علما بأنه ملاحق بأمر قضائي بمقتل الخوئي ومعه 12 من أنصاره "ص-392" والمشكلة اتسعت خصوصا عندما صعد مقتدى الصدر أمام منبر في جامع الكوفة وأطلق أشد هجوم انتقادي عندما صاح "لا لا لليهود·· لا لا لإسرائيل·· لا لا لأمريكا" واعتبر  الاحتلال مؤامرة صهيونية أمريكية ويقول بريمر أن مقتدى امتدح هجمات 11 ايلول "سبتمبر" ووصفها بأنها معجزة ونعمة من الله "ص-394"·

المسألة الثالثة: هي في غرب العراق حيث انفلت الوضع الأمني في الفلوجة التي يقدر عدد سكانها بـ 300 ألف نسمة واكتسبت شهرتها بجدارة باعتبارها مدينة صلبة لا تلين باعتراف بريمر ويتحدث عن الانفلات الأمني في الرمادي ومقتل أربعة من الأمريكان مما أدى الى مداهمة الفلوجة والانقضاض عليها في حملة عقاب جماعي للسكان المدنيين الأبرياء العزل·

يتحدث عن فضيحة النفط مقابل الغذاء خصوصا وأن الأمم المتحدة عينت فريق تحقيق برئاسة جول بولكر رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي السابق وأن البرلمان البريطاني اتخذ خطوات للنظر في القضية وأن الكونغرس الأمريكي سيحذو حذوه لكن بريمر يشعر بالاحباط عندما علم أن أحمد الجلبي حاول اقناع مجلس الحكم بتولي تحقيق عراقي، والأكثر من ذلك فهو يعبر عن مخاوفه عندما يعلم أن الجلبي يريد من مجلس الحكم التعاقد بدون مناقصة مع شركة محاسبة لإجراء التحقيق "ص-396" ويقول إنه أوكل الأمر الى ديوان الرقابة  المالية للتدقيق ولكن الجلبي أبدى استياءه من تصرف بريمر هذا وحاول التشكيك باجراءاته بخصوص كشف الحقيقة "كاملة"·

خلال عمل بريمر تصاعدت عمليات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال كما انتشرت الأعمال الإرهابية التي تطال السكان المدنيين الأبرياء العزل ولم تنفع كل الجهود لإعادة تأهيل قوة عراقية لحفظ الأمن وحماية النظام العام، ويعترف بريمر بذلك من خلال رسالة يبعثها للرئيس بوش يقول فيها: أتوقع زيادة الهجمات الإرهابية وأن قوات الأمن العراقية لا تزال سيئة التدريب ولا يمكن الركون اليها·· ويضيف علينا الا نخدع إنفسنا أو العراقيين في التفكير بأنهم سيكونون قادرين على تولي زمام الأمن·· فذلك يتطلب عدة شهور وربما سنوات·· وقد كشف بريمر عن عدم فائدة جنود الدفاع المدني العراقي الذين فر نصفهم في الطريق الى الفلوجة وتغيب نحو الثلث في بغداد وكانت نسبة التغيب في مدينة الصدر 80% وكذلك تغيب رجال الشرطة في الجنوب أو كانوا سلبيين "ص-441"·

صدقت رواية بريمر تلك فرغم مرور سنتين على انتهاء مهمته تردت الحالة الأمنية سوءا وازدات الفوضي وانتشر الإرهاب والجريمة المنظمة وازداد الفساد والرشوة وتراجعت الخدمات على نحو صارخ، ولم تتمكن قوات الأمن من تأهيل نفسها ولم تعلن القوات المحتلة أن في نيتها الرحيل، ومن جهة أخرى تعاظمت حالة الرفض الشعبي وبانت خطة الاحتلال وذيولها عارية ولا يمكن ستر الفضائح التي حصلت سواء ما جرى في سجن أبو غريب أو الفلوجة أو النجف أو حديثة أو الاسحاقي أو استخدام الفسفور الابيض أو غير ذلك، رغم أن هذه الأمور لا تزال في غالبيتها الساحقة طي الكتمان والتستر والسرية الكاملة·

يقول بريمر إن مقتدى الصدر يشكل تهديدا أكبر للإسلاميين الشيعة من تهديده للائتلاف الدولي لكن الكثير منهم يخشى مواجهته ويذكر أنه خاطب مجلس الحكم حين اشتدت أزمة الفلوجة ومقتدى الصدر: أي عراق تريدون وعليكم أن تختاروا وليس هناك موقف وسط، فالعراق الجديد لا يمكن أن يقبل بمقتدى نحن لم نحرر العراق لنسلمه الى دكتاتور جديد "ص-414"·

يقول بريمر إن مقتدى الصدر توجه الى المدارس في بغداد وأجبرها على إغلاق أبوابها وأن رجاله سرقوا مصرفا كما هاجموا المصرف المركزي·· ولا أستغرب السيطرة على كربلاء بعد ذلك وعلينا تطبيق استراتيجية اناكوندا والإبقاء على المعتدلين الشيعة معنا، لكننا لا نستطيع التحرك ضد مقتدى نفسه فيما يلتجئ في جامع الكوفة وينقل رأي كولن باول الذي يدعم فيه رأيه يشير الى أن بريمر كان يضغط لاتخاذ إجراء ضد مقتدى "ص-416 وما بعدها"·

وخلال أزمة مقتدى الصدر وأزمة الفلوجة حدث فشل ذريع لقوات الأمن العراقية يقول بريمر لقد خسرت الشرطة الى حد كبير وكان نصف فيلق الحرس الوطني غائبا من دون إجازة ورفضت كتيبة الجيش الجديدة القتال وأعلن عبد الباسط تركي وزير حقوق الإنسان استقالته، وأبدى الباجي جي غضبه من العملية في الفلوجة التي اعتبرها عقابا جماعيا وأبلغ حاجم الحسني قرار الحزب الإسلامي بالانسحاب من مجلس الحكم وأن غازي الياور يعتزم ترك المجلس وأن هناك احتمالا إن يتخلى الإبراهيمي عن مهمته بسبب غضبه من الوضع في الفلوجة وهكذا بدا المجلس منقسما بشأن العمليات في الفلوجة وكان مقتدى قد دعا الى ثورة شعبية وتعرضت المنطقة الخضراء الى هجوم صاروخي·

في هذه الأثناء نضجت فكرة الإتيان بـإياد علاوي رئيسا للوزراء باعتباره أصلب من كل زملائه على حد تعبير بريمر لكن بريمر كان يتخوف من احتجاج الإبراهيمي بسبب صلات علاوي المعروفة بوكالة الاستخبارات الأمريكية وقد يرفض السيستاني "ص-226" وكان مقابل علاوي هناك من يرشح حسين الشهرستاني يقول عنه بريمر إنه شيعي منغلق وتتم المفاجأة حين يقول الشهرستاني أنه والسيستاني متفقان على شخصية سنية لرئاسة الوزراء كما أن الشهرستاني قريب جداً من الإيرانيين على حد تعبير علاوي الذي كان رئيسا للجنة الأمنية التابعة لمجلس الحكم وكان البعض يردد أنه غير عراقي كما يقول الجعفري "ص-458"·

كما استبعد الجعفري الباجي جي من منصب رئاسة الدولة لأنه عاطفي جدا ويدخل في كثير من النزاعات واستخدم لغة فظة معنا، أما غازي الياور فقد رشح إياد علاوي وهو ما يدعو حميد مجيد موسى أمين عام الحزب الشيوعي الى القول "رجل جيد وشخص نزيه" "ص-459" وكان قد قدم دعما قوياً لإياد علاوي بين أعضاء مجلس الحكم لكن الإبراهيمي عبر عن مخاوفه من أن وسائل الإعلام الأمريكية ستشير الى أن تعيينه انتصارا لوزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية على وزارة الدفاع على اعتبار أن الجلبي خسر تأييدها "ص-463 و 464" وفي نهاية المطاف وافق جميع أعضاء مجلس الحكم بالإجماع على تعيين علاوي وقد ترافق ذلك التعيين مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي بالإجماع في 8 حزيران "يونيو" 2004 والذي حمل الرقم 1546 حيث رحب القرار بالحكومة العراقية المؤقتة وتضمن الجدول الزمني الذي وضعه قانون إدارة الدولة بشأن العملية السياسية دون الإشارة اليه وهو ما دعا اليه السيستاني·

 

فضيحة أبو غريب

 

يقول بريمر إنه ناقش فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب "منتصف أيار- مايو 2004" مع أعضاء مجلس الحكم  بعد أن انتشرت القصة في واشنطن بواسطة وسائل الإعلام وقد كان برنامج 60 دقيقة قد نشر صوراً فوتوغرافية تظهر عمليات الإساءة خصوصا بعرض المتعلقين وهم عراة فيتعرضون للسخرية والإذلال الجنسي على يد أفراد الشرطة العسكرية بمن فيهم جنديتان تبتسمان بغرور ولكن المفارقة عندما قالت الدكتورة رجاء الخزاعي بأنها ترأست مؤخراً وفدا زار سجن أبو غريب فوجدت الرعاية الطبية هناك أفضل من الرعاية التي توفرها المستشفيات العراقية، وسأل الباجي جي مساعده عطا عبدالوهاب أن يدلي بشهادته عن سجنه في السبعينات والثمانينات، وسرد عليهم ذلك وصب بعض أعضاء مجلس الحكم جام غضبهم على صدام حسين وتلفزيون الجزيرة ومحطة الـ بي بي سي وانتهى الأمر بإدانة وبمطالبات غامضة ومشوشة·

لا يذكر بريمر أعضاء الفريق العراقي المتعاون معه بالخير، فكلما ورد اسم أحدهم تراه يقدم الوجه السلبي ونقاط الضعف على أي جوانب إيجابية أو نقاط قوة، ولعل هذه نظرته الجمعية لمجلس الحكم الذي يقول إنه لم يتوافق على أي شيء، لكنه بسهولة توافق على مخصصات أعضائه ومخصصات بنزين السيارات 5 آلاف دولارا شهريا بحيث يقتضي عليهم السير بالسيارة أكثر من 90 ألف ميل ما يعادل 140 ألف كيلومتر (تسعون ألف ميل) شهريا وهو أمر غير ممكن على الإطلاق لكنه يرتاح لثلاث شخصيات هي د· إياد علاوي (الصلب) ويشير الى أنه عمل عن كثب مع أجهزة استخبارات غربية وعربية، ود· عادل عبدالمهدي (الرصين) وحميد مجيد موسى (المرح)·

كتاب بريمر أقرب الى الأواني المستطرقة، فكل كلام قيل في سرية أو خاصة أو لقاء أو اجتماع اختزنه بريمر في وعائه الخاص، وتركه ليخرج من الجهة الأخرى، وقد لا يكون ذلك بعيدا عن خلطه بمواد وروائح أخرى، ليظهر علينا بالصورة والنكهة التي صدر فيها الكتاب·

 

* * *

 

·         إنه لكتاب خطير لمرحلة خطيرة!!

·         المؤلف: بول بريمر

·         اسم الكتاب: عام قضيته في العراق

·         الاسم الأصلي: MY Year In Iraq

·         ترجمة: عمر الأيوبي

·         دار الكتاب العربي

·         بيروت، ط 1  2006

·         عدد الصفحات 496 من القطع الكبير

نشرت في مجلة المستقبل العربي عدد تموز (يوليو) 2006

 

              

طباعة