
· المشاريع السياسية ذات الاتجاه الواحد قادمة مع رايس
· الشرق الأوسط الجديد يعني إنهاء المقاومة والرضوخ للإملاءات الإسرائيلية
كتب محرر الشؤون العربية:
لم يتوصل مجلس الأمن الدولي الذي انعقد مرتين في غضون أسبوع لبحث الحرب القائمة في لبنان الى قرار بإيقاف إطلاق النار كما هو مفترض وفق السوابق المعروفة، وكان السبب الأبرز هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية المعارض لأي وقف لإطلاق النار، لأي إيقاف لقصف لبنان ومدنه وقراه وطرقاته ومدنييه، قبل تنفيذ المطالب الإسرائيلية·
وقد اتضح بجلاء أن التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، مدعوما بموقف الأطراف العربية الثلاثة، السعودية ومصر والأردن، يجد في هذه الحرب فرصة لتصفية حسابه مع المقاومة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء، وربما المضي الى ما هو أبعد كما سيتضح من التصريحات الأولية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية قبل زيارتها للمنطقة، فقد صرحت كونداليسا رايس، بأن وقف إطلاق النار سيكون كاذبا، وسيعيد الأوضاع الى ما كانت عليه ومن الضروري، كما تقول، العمل أولا على معالجة سبب العنف، وسبب العنف كما تراه هي وحكومتها، وبقية دول التحالف الغربي، هو وجود حزب الله في جنوب لبنان، وأضافت رايس عنوانا لتحركاتها أطلقت عليه "ضرورة خلق شرق أوسط جديد"·
وتكشف هذه التصريحات عن نية الولايات المتحدة وحلفائها مواصلة حربهم على لبنان مقاومة وشعبا، بل وعن أن الولايات المتحدة تعتبر هذه الحرب جزءا من "حربها على الإرهاب" كما جاء على لسان جورج بوش·
بعض المعلقين الإسرائيليين لم يخفوا قناعتهم بأن الولايات المتحدة تريد أن تمضي في حربها هذه على حساب "اللحم" الإسرائيلي، مهما كلف هذا اللحم من ثمن·
تغيير التوابت
المشهد إذن واضح على الصعيد السياسي، فقد وضعت الولايات المتحدة لهذه الحرب أهدافا، تتطابق جزئيا مع الأهداف الإسرائيلية، فهي بالإضافة الى تجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها، وضع لبنان في السياق المسمى "الشرق الأوسط الجديد" ولأن هذا المشروع الذي تعثر بعد عام كامل مضى على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، أوسع من لبنان ذاته، فقد هددت وزيرة الخارجية الأمريكية سورية بالقول إن "عليها أن تقرر الانضمام الى الإجماع الدولي"·
ومعنى هذا الشرق الأوسط الجديد في ضوء الحرب الهمجية التي تشن على لبنان، وتلوح نذر امتدادها الى مناطق أخرى، هو "دفن الخلافات القديمة" كما جاء على لسان رايس· أي إجبار ما تبقى من الدول العربية وقوى المقاومة على الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، سواء على الصعيد اللبناني والسوري، أو على الصعيد الفلسطيني، فالأرض الفلسطينية المحتلة وكذلك الأرض اللبنانية والسورية لم تعد "أراضي" محتلة كما ترى إسرائيل والولايات المتحدة، بل هي أرض تم اكتسابها بالحرب، وعلى أصحابها الرضوخ لهذا المنطق، والجلوس الى طاولة مفاوضات للتنازل عن حقهم في أرضهم، وفتح أراضيهم وأسواقهم للمصالح الإسرائيلية - الأمريكية·
أمريكا تنتظر
لماذا يتأخر وقف إطلاق النار؟
موقف الحكومة اللبنانية وحزب الله قائد المقاومة اللبنانية واضح في هذا الخصوص، فهو يطالب بإيقاف إطلاق النار، والتفاوض حول مسألة أسر الجنديين، ولكن من يرفض إيقاف إطلاق النار هي الولايات المتحدة التي أظهرت نيتها على تزويد الجيش الإسرائيلي بصواريخ أكثر تطورا تساعده في حربه على المقاومة اللبنانية، وترفض إسرائيل بالطبع، لأنها وضعت نصب عينها أهدافا أبعد، تبين أنها وضعت سلفا قبل انطلاق هجماتها البربرية على لبنان، تبدأ بالقضاء على سلاح المقاومة، وتمر بتطبيق القرار الداعي الى نشر قوات الجيش اللبناني الضعيف أصلا على حدودها لضمان أمنها وأمن مستوطناتها، وتنتهي بإجبار لبنان على توقيع اتفاقية شبيهة باتفاقية 17 أيار، تضع حدا لأي مطالبة لبنانية بأية أرض محتلة، وهو ما يعني فصل المسارين السوري - اللبناني عن بعضهما البعض في التسوية المفترضة·
ولكن وراء رفض وقف إطلاق النار بعد ما يقارب اثني عشر يوما، سبب آخر، وهو صمود المقاومة اللبنانية على الأرض، وفشل الحرب الجوية في النيل من قدراتها العسكرية، بل وظهور إمكانية أن يصاب الجيش الإسرائيلي بكارثة حقيقية إذا أقدم على خوض حرب برية في الجنوب اللبناني كما اتضح من عجزه عن التقدم أبعد من أمتار قليلة، والخسائر الفادحة التي تكبدها في معارك جزئىة، هنا وهناك·
وحقائق الموقف العسكري هي التي جعلت من الاختراق السياسي الأمريكي - الإسرائيلي أمام عقبة كأداء، لم يعتد على مواجهتها في حروبه السابقة، وعلى هذا فمن المرجح أن لا تجد وزيرة الخارجية الأمريكية الأرض ممهدة عسكريا لتعرض الشروط الإسرائيلية - الأمريكية التي تحملها حين تبدأ جولتها بين عواصم عربية لا تملك من الأمر سواء الموافقة على الصيغة التي يراد منها أن تنطق بها، وهي صيغة وصلت هاتفيا سلفا كما قالت عدة مصادر، بأن لا تندد بالعدوان الإسرائيلي، وأن تقف لإدانة المقاومة اللبنانية بأي ذريعة كانت وكانت الذريعة كما رأينا اتهام المقاومة بالمغامرة!
الجماهير العربية تغلي
على صعيد العواصم العربية برزت ظاهرة الإدانة الشعبية الشاملة للعدوان الإسرائيلي، ولصمت وتواطؤ بعض الأنظمة العربية أيضا، وقد لوحظ أن بعض الأنظمة، مثل النظام المصري والنظام البحريني استخدم قوات القمع لمنع التظاهر، بل وأقدمت الشرطة البحرينية على إطلاق الرصاص على المتظاهرين، ومنعت الشرطة الأردنية النقابات الأردنية من إقامة صلاة الغائب في مقرها على أرواح الشهداء، وحظرت مهرجانا خطابيا، ويعكس منع التظاهر للتعبير عن الرأي طبيعة هذه الأنظمة القمعية التي يجمعها اتجاه واحد في الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، ومنع أي مظهر من مظاهر الرفض الشعبي لوجود سفارات لهذا العدو في عواصمها والتعاون معه، رغم إرادة الجماهير الشعبية· ولكن التظاهر يعكس من جانب آخر وعيا عربيا متزايدا بترابط قضايا البلدان العربية رغم التفتت والحصار المفروض على قواها الشعبية، ووعيا بمدى الانحدار الذي وصلت بعض السياسات العربية في عزلتها التامة عن شعوبها· وفي ضوء الشلل الذي أصاب منظومة العمل العربي المجسدة بالجامعة العربية، أشعلت مواقف إدانة المقاومة، وعدم التجرؤ رسميا على إدانة العدوان، غضبا عارما بدأ يتنامى، ولم تجد ما تعده له هذه الأنظمة سوى الرصاص وقنابل الغاز، والسجون بالطبع· والواضح أنه على رغم إعلان أمين عام الجامعة العربية الصريح بأن كل ما وقعته الأنظمة العربية من اتفاقيات مع العدو، وما خططته من مشاريع كان خدعة وأكاذيب، سلمت ملف القضايا العربية لليد الإسرائيلية لتعبث بها كما تشاء، فإن هذه الأنظمة تغرق في المزيد من التعاون مع العدو والخضوع لأوامره، أو للنظام الذي يطمح الى فرضه تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد"·
الأيام القادمة ستحمل مفاجآت ولا شك، سواء على صعيد صمود المقاومة اللبنانية، أو على صعيد التحركات الشعبية المتوقع أن تبدأ باتخاذ مسار جديد بعد تبدد الكثير من الأوهام التي تهدد بجعل المنطقة العربية مسرحا للاعب وحيد هو اللاعب الإسرائيلي بلا منازع·