
عبدالمنعم رمضان
في الاثنين الماضي
لما دنت الساعة واندفقت من فمها كل دقائقها المفقودة وثوانيها
خرجت مصر وراء بنيها
كانت ريح نائمة سوداء
وكان فراغ أسود
كان دخان حرائق يفترش الأسفلت الأسود
وزهور سوداء
صباح أسود
ومتاريس سود
شبّان كالصمت الأسود
يقتسمون على كثرته الحزن قويا كالطاحونة هشا مثل النبض
ويقتسمون نعوش المرتحلين
النعش
وراء النعش
وأصوات الفتيات تئزُ على دقات الروح
وتنفذُ في أعمال الأرض
وتستوهبُها
تجعل أسفل ما فيها
ينحلّ
ويطفو فوق سماء ثانية عزلاء
وفوق كواكب تنزع عنها بردتها الزرقاء
الكلماتُ الأصواتُ التنهيداتُ النداباتُ
الأحدُ السبتُ، الداءُ يشد إليه الداء
الأيام الجوفاء وديمومتها وتواليها
تمضي
ثم تطوّفُ فوق تخوم ليس يلي ذروتها وأعاليها
غيرُ وزير الشرطة في شرفته
يسأل مندوبيه عن الدنيا
مازالت مثل الأمس
وعما في ظلمات النفس
من الرغبات السود
ومن ذاك النفس الرجراج
يضمن إليه الوحشة والنفس الرجراج
ويسأل عن أخبار العرش
وعمّن جرؤ
وفكّر أن يختلس التاجَ
من الفرعون الجالس فوق صدور الناس
وكان وزيرُ المسرح
مثل الوسواس الخنّاس
يوسوس
أن لا أحد سيبقى فوق الأرض
سوى منشئها
أو باريها
كان يوسوس
أن المحروقين
ضحايا ما ارتكبوا من الأخطاء
فلا تعترضوا القدر
اصطفوا خلف قضاء الله
اصطفوا خلف الموت وخلف الآه وخلف الباه
أطيعوا ما تخشون من الأرزاء
النار أحاطت إبراهيمَ
ولم تمسسه بضر
وأحاطت قتلاكم
بادوا مثل الورق الناشف
ماذا نفعلُ
قال وزيرُ المسرح
لو أنتم أبناء الرحلة
من أروقة النور
إلى باب التابوت
وأنتم أبناء السيدة الأم
المقتولون القتلة أبناءُ اللاهوت وأبناء الناسوت
وفطر الأرض وصناع أغانيها ومراثيها
فأنا الراعي
سوف أمثل دورا
أن أعتزل المهنة
مثل نبيل من نبلاء القرن الحادي والعشرين
وأن أطوي أوراقي
أخرج من زاوية المسرح
يدخل بعدي خدمي
وزبانيتي وبقايا عشّاقي
سوف يشيرُ عليهم أعلاهم مرتبة
أن يجتمعوا حول كتابة
مظلمة للحاكم
أن يهبوه صنوف المجد
وأوصاف الآلهة
وأن يبتهلوا
يا مولانا امنعهُ
فنحن يتامي
وإذا يذهب عنا
نفنى عن آخرنا
يا مولانا
إن وزير المسرح أولانا بالنعمة
حاشا أن نتخلى عنه ونتركه
حشانا
يا مولانا
كان الحاكم يضعُ على شرفته
فخا لعصافير الليل
وفخاً آخر للأحلام
ويأمر حراس البوابة
أن يحترسوا من تهليلة هذا البلد المثقل بالأوبئة وبالآثام
ومن أحزان الليل الطائف حول مدائنه وقراه
وحول حوارييّها ومواليها
أن يحترسوا أيضا
من واديها
ومقاهيها
ومباهج واليها
وإذا لاحت أفواجُ الشبّان
اقتصّوا يا حراسي ممن يمشي
تحت نعوش المرتحلين
النعش
ومنذ اليوم - يقول الحاكم -
منذ اليوم انتبهوا
منذ اليوم سأشرع في تأليف وصايا العرش
ابني من بعدي يلبس تاج الجمهورية
هاتوا قلمي
هاتوا الخوذة والكرسيّ
وهاتوا جلبابي وعصاي
وهاتوا علبة وقتي
آمركُم
ممنوع أن يعتزل وزير المسرح
حتى يكمل عرض روايته
ويتم جميع ملاهيها
آمركم أن تنتبهوا
لو أنّ المأساة
وأنّ ظلام الظلام
وأنّ الموت
وأنّ طبول الموت
وأنّ المقتولين القتلة
أنّ الشمس وأنّ ضحاها
أنّ النار إذ يغشاها من يغشاها
وإذا أمٌ
وإذا أبٌ
وإذا المحبوبان فتاة جنب فتاها
وإذا الطاغي والطاغية وما بينهما
وإذا أين هما أينهما
وإذا خرجت مصر وراء بنيها
وامتلأت كل أزقتها
بالأحقاد
وبالآلام
وفاضت بالأرحـــام جميع حواريها
وانطلقت في الطرقات
الفتيات يولولن
ارحمنا يا الله
ويا ولداه
وسكت الناسُ جميعا
حين تلجلج صوت الشيخ
ومرق من المئذنة
الى الملكوت الأعلى
اللهم اغسلْ يدك من الفرعون الجالس
فوق صدور الناس
وخـذه الى مزرعة الأرواح الشريرة
حيث سيجلس في المملكة السفلى
منبوذا من كل الريح
ومن كل الأزمنة
ومن حاضرها
من ماضيها
في الاثنين
وفي الأيام الحبلى بالأيام المعقود أهاليها
خرجت مصر وراء بنيها
بنّائيها المنذورين وفنّانيها