ازدهار.. وانكسار الدراما التلفزيونية
د. نادر القنة
هناك فرق شاسع، وفجوة كبيرة بين دراما "المط"، البكائىة/المفتعلة، وبين الدراما الإبداعية/المُتقنة الصنع· فالأولى مؤسسة على نظرية التكسب السريع، والتحايل على الذوق الجمالي للمتلقي، والثانية مؤسسة على نظرية المعرفة الإنسانية، وفنون صناعة الخطاب الإعلامي الذي يسعى للارتقاء بالذوق الجمالي للذائقة الفنية·
هذه الزخم الكبير من الإنتاج العربي للدراما التلفزيونية، والذي يُعرض جُلّه في شهر رمضان، في شكل نظام تسابقيّ/ تنافسيّ افتراضي (جروتوسكي)، غير منظم، بغية الاستحواذ أولا على نصيب الأسد من السوق الإعلاني، بما يعود بالفائدة المادية البحتة على قنوات البث الأرضية والفضائية·· وبغية الاستحواذ ثانيا على أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين لهذه القنوات، لضمان تحقيق الفائدة الأولى·
من غير مقدمات، ومن غير لف على النظريات النقدية العلمية، فإن هذا الزخم يكشف بنفسه عن نفسه·· ويعري طبيعة الدراما المقدمة والمنتجة، (بفتح التاء)· ويبين للناس وللذائقة الجمالية طبيعة الجهود المبذولة هنا أو هناك· وأين يكمن الإبداع الحقيقي· وأين يستوطن الابتذال، ومَنْ بوسعه أنْ يؤثر في الآخرين عبر ما يقدمه من خطاب فكري/ ثقافي هادف، ومن بوسعه أنْ يكون مصدر ملل، وضجر، وقلق للمتلقي·· كون هذا الزخم يفتح بابا واسعا للمقارنة، والمفاضلة، والموازنة، ويتيح فرصة للمتلقي أن يشاهد هذا الإنتاج في أوقات مختلفة، وفي قنوات متعددة·
والمقارنة هنا ليست مقصورة على جانب واحد فقط، بل تتعدد أوجهها، وصورها، شكلا ومضمونا، بمقدار ما تسمح به، وبمقدار ما تتيحه من فرصة لتبيان مناطق المشابهة والمخالفة·
فهناك اشتغالات درامية تلفزيونية - عالية الجهد - بدا واضحا للمتلقي، من الحلقات الأولى أنها تحمل قدرا كبيرا من الفكر، بل إنها تتبنى مواقف أيديولوجية معينة، بغض النظر إن كانت البطولة فيها لفنانين من الشبيبة المتمكنين من حرفتهم، أو لعدد من النجوم اللامعين إعلاميا· فهذه الأعمال تحاول إيصال خطاب فكري وإعلامي للمتلقي عبر صياغات أدبية وفنية وجمالية متطورة·· وهناك أعمال درامية أخرى تطرح بعض القضايا الإنسانية بشفافية، ووضوح من غير قفز على الحقائق الموضوعية، ومن غير سوقية أو ابتذال·
وكذلك الحال، فإن هناك اشتغالات درامية تلفزيونية، اكتفت بالسردية التأريخية كما جاءت في صياغتها الوثائقية من غير مناقشة أو مناكفة معها، ومن غير السماح للدراما بتقديم رؤية تأويلية جديدة للوقائع التاريخية، وهناك اشتغالات درامية اتسمت بطابع الجرأة وهي تنافش قضايا الشباب، وتجاوزت حدود المسموح به رقابيا، وشكّلت خرقا متعمدا (لطقسية تابوية) ظلت لسنوات طويلة بمثابة السقف الذي لا يمكن تجاوزه، والقفز من فوقه·· واشتغالات دراماتيكية أخرى تحدت الواقع، وأحالت ما هو ذاتي الى موضوعي، وما هو خاص الى عام·· مؤمنة أن الدراما الجيدة والناضجة تفرض نفسها على الواقع الفني والجماهيري من غير استئذان، ومن غير التفات للمعوّقات·
وفي مقابل ذلك، هناك أعمال واشتغالات لا جهد، ولا اجتهاد فيها، تمت صناعتها (في يوم وليلة) حتى يتسنى لها مواكبة الخريطة البرامجية الرمضانية·· ومثل هذه الاشتغالات فإنها بالطبع خالية من أية فكرة، أو مضمون، وليس لديها ما تقوله أو تضيفه لما سبق قوله··· وهناك أيضا اشتغالات درامية تحمل جانبا كبيرا من الثرثرة والمط وتدور في فلك موضوعات مستهلكة، سبق أن عولجت، ونوقشت في أكثر من تجربة درامية تلفزيونية· وأعمال أخرى لم نشاهد فيها إلا حشرا مبالغا فيه لنجومية فنية، لم يكن بمقدورها إنقاذ ما تقوم به من أعمال درامية· إنما كان الغرض من هذا الحشر تسويق الأعمال على أكبر عدد من المحطات التلفزيونية·
وبجانب ذلك فهناك أعمال واشتغالات درامية ما زالت تعتقد أن الصراخ، والزعيق، والميلودرامية المُتشنجة هي جواز السفرالحقيقي لقلوب المشاهدين، متناسية أن الدراما العصرية تخطت هذا الاعتقاد منذ نصف قرن من الزمان، وصارت تعتمد أكثر ما تعتمد على الخطاب الفكري والاجتماعي المحمل بالكثير من الدلالات، والمفاهيم· وللحديث بقية·
fonon@taleea.com