كتب محرر الشؤون السياسية:
لم يكن التصريح الأول وربما لن يكون الأخير للشيخ سالم العلي لكنه الأول من نوعه والأكثر وضوحاً فيما يتعلق بما وصلت إليه صراعات الأجنحة في أسرة الحكم·
الشيخ سالم العلي استخدم كما في أغلب المرات السابقة الدستور إطاراً للنقد الذي وجهه للحكومة بشكل عام ولوزير الديوان الأميري الشيخ ناصر المحمد بشكل خاص، لكنه ترك الدستور جانباً عندما بدأ بطرح الحل المقترح، فقد منح نفسه صلاحية لا نص يسندها في الدستور ككبير سن لأسرة الصباح كما دعا إلى تشكيل لجنة "وصاية" تتشكل منه (ومتوقع بحكم السن أن يترأسها) وعضوية الشيخ صباح الأحمد والشيخ مبارك عبدالله الأحمد، ولم يحدد بشكل واضح دور هذه اللجنة العليا، لكن في سياق ما طرحه في التصريح الصحفي يمكن للمتابع أن يخمن الدور المناط بها حيث يفهم من سياق كلام الشيخ سالم العلي أن تتولي هذه اللجنة ترتيب أوضاع الأسرة الحاكمة في الجانب المتعلق بالحكم، وإذا ما علمنا أن أهم موضوع يدور في أروقة الأسرة الآن هو موضوع ولاية العهد في ظل الوضع الصحي لولي العهد الشيخ سعد العبدالله، وهو الموضوع ذاته الذي ليس للأسرة دور دستوري في حسمه·
الأوساط السياسية التي قرأت الواضح بين سطور ما نقل عن الشيخ سالم العلي ترى أنه خرج عن حدود الدستور في مطلبه هذا الذي يعد من الصلاحيات المحددة بكل وضوح لسمو أمير البلاد ولا أحد غيره أيا كان موقعه في أسرة الحكم سواء من ناحية العمر أو الفرع·
إلا أن الأوساط السياسية قرأت في السطور وليس بينها الهجوم الواضح جداً على الشيخ ناصر المحمد وزير الديوان الأميري الذي اتهمه الشيخ سالم العلي بـ "التفرد بالقرار" مشيراً كذلك "للمراسيم الحكومية" وهي تهمة إذا ما ربطت بتهمة التفرد بالسلطة وأخذت في إطار المسؤوليات الموكلة إلى وزير الديوان إنما تشير بوضوح إلى ما هو أكبر من مجرد إشارة إلى المسؤوليات الروتينية لوزير الديوان، وبهذا تكون التهم الموجهة له (وزير الديوان) في إطار أوسع يدخل ضمن حدود الدور الذي رسمه الشيخ سالم العلي للجنة الخاصة في هذه الأوضاع، حيث يقول الشيخ سالم العلي: "ولا يجب أن نسكت على وضع يضع البلاد على شفا حفرة الفساد الذي مد أطنابه وضرب أوتاده مستفيدا من الأوضاع التي آلت إليها الأمور، بما قدر الله سبحانه من أقدار"·
وتشير الأوساط السياسية إلى التأجيل المستمر لحسم هذه القضية المعلقة الأمر الذي أوصل التوتر بين الأطراف المتنازعة إلى هذا الحد من الطرح العلني وكيل التهم المباشرة على صفحات الصحف وفي الإنترنت والدواوين·
كما ترى هذه الأوساط أن استمرار الوضع هكذا من دون حسم دستوري، إنما سيعمق الخلافات ويدفع بها إلى مستويات لن يقف تأثيرها السلبي عند حدود الأطراف المتنازعة فحسب بل ستدفع الكويت ثمناً باهظا لها، فإجماع الكويتيين على أسرة الحكم ليس جديداً بل وجد مع وجود الكويت الحديثة واستمر معها يتطور بتطورها حتى تم تثبيت العلاقة في دستور 1962 كما جاء في نص المادة الرابعة منه، ثم حدد الدستور شكل وأسلوب الحكم في المادة السادسة، أما ما يتعلق بموضوع ولاية العهد فقد نصت عليه المادة الثامنة من قانون توارث الإمارة·
وتؤكد الأوساط أن استقرار الأسرة هو استقرار للكويت واهتزازها هو خسارة للجميع وما استمرار صراعات الأجنحة بالشكل الذي وصل إليه إلا جزء من مسلسل يدفع بالوطن نحو حافة الهاوية·
وتضيف الأوساط السياسية أن الخلاف لم يعد خافياً ولم يكن خافياً من قبل، بل تم التعبير عنه في أشكال عدة خلال التشكيلات الوزارية المتتابعة، فقد خرج الشيخ صباح الأحمد من الحكومة في أول تشكيل لها بعد تحرير الكويت وتولى الشيخ سالم صباح السالم مهامه كوزير للخارجية ونائب لرئيس مجلس الوزراء، ثم خرج الشيخ سالم الصباح من الوزارة فيما بعد وكان ذلك أيضاً في إطار الصراع الذي كان يعبر عنه بأشكال مختلفة لكن جوهره واحد وهو محاولة كل طرف تثبيت ما يعتبره حقاً له في إطار التوزيع على أساس الفروع·
كما تتذكر الأوساط الفترة التي تمثلت في التوازن في أثناء تشكيل الوزارات، حيث يمنح الشيخ سعد العبدالله وهو المكلف بتشكيل الوزارة عدداً من المقاعد الوزارية للشيخ صباح الأحمد لاختيارها وصولاً إلى صيغة التفويض الجزئي ثم التفويض الكلي اللتين تمتا خارج إطار الدستور ثم فصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء·
وتذكر الأوساط في هذا السياق الاختلافات بين الشيخ صباح الأحمد وكل من الشيخ سعود الناصر ثم بعد ذلك الشيخ محمد الخالد والمحسوبين عليه بل وامتد ذلك الصراع بوتيرته البطيئة في أشكال متعددة وعلى مستويات أدنى من ذلك يتعلق بعضها بمناصب يشغلها أبناء الأسرة المحسوبون على هذا الفرع أو ذاك وتتركز في فترات التجديد لمن تنتهي فترة توليه المنصب·
الخلافات والصراعات الخفي منها والمكشوف وصلت إلى درجة قيل إن كل طرف تمكن في الانتخابات النيابية الأخيرة من كسب مقاعد محسوبة له، وهو صراع كان جلياً للعيان يعرفه المتابعون من خلال معرفة المرشح ومن يدعمه من المحسوبين بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا الجناح أو ذاك·
الصراع على كسب ولاء عدد من النواب، تقول الأوساط، ليس عبثاً أو مجرد وجاهة بل يقال إن كل طرف يحسب لاحتمال وصول الموضع دستورياً إلى قاعة المجلس لحسمه حيث يعد كل طرف عدته ويكسب بالموافقة أو بالرفض·
إلى ذلك تلمح الأوساط السياسية إلى أن احتمالات الحسم قد دنت وربما أخذ بيان الديوان الأميري عن لقاء سمو الأمير مع رئيس مجلس الأمة في هذا السياق، بل يذهب البعض إلى القول إن تصريح الشيخ سالم العلي بهذه الصيغة التي خرج بها إنما يمثل بحد ذاته تعبيرا عن إحساسه ومن معه بأن الأمر سيحسم بشكل قد لا يكون لصالحهم، بينما يفسر آخرون التصريح على أنه لا يمكن أن يصدر إلا من شخص حسب حسابه لما بعد التصريح وهو يعلم ما يفعل·
وفي جميع الأحوال، تقول الأوساط السياسية، إن الرابح في هذا النزاع خاسر أيضاً فما إن تصل الأمور الى هذا المستوى من الشقة والخلاف إلا وقد قطعت خطوط الرجعة على من يسلكها·
وتركز الأوساط على أن المهم في النهاية هو أن يحسم الموضوع في إطار الدستور وليس خارجه وأن تلتئم الأسرة الحاكمة وتوجد ما تحتاج من مجالس ولجان تقرب أفرادها إلى بعضهم البعض وتعالج خلافاتهم كي لا تتكرر مأساة الصراع العلني بين أفرادها، والتي سيدفع ثمنها في النهاية الوطن والمواطنون·
* * *
المادة الرابعة
"الكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصباح· ويعين ولي العهد خلال سنة على الأكثر من تولية الأمير، ويكون تعيينه بأمر أميري بناء على تزكية الأمير ومبايعة من مجلس الأمة تتم، في جلسة خاصة، بموافقة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس· وفي حال عدم التعيين على النحو السابق يزكي الأمير لولاية العهد ثلاثة على الأقل من الذرية المذكورة فيبايع المجلس أحدهم ولياً للعهد·
ويشترط في ولي العهد أن يكون رشيداً عاقلاً وابناً شرعياً لأبوين مسلمين·
وينظم سائر الأحكام الخاصة بتوارث الإمارة قانون خاص يصدر في خلال سنة من تاريخ العمل بهذا الدستور، ويكون له صفة دستورية، فلا يجوز تعديله إلا بالطريقة المقرة لتعديل الدستور·"
* * *
المادة السادسة
"نظام الحكم في الكويت ديمقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور"
* * *
المادة الثامنة من قانون توارث الإمارة
"إذا فقد ولي العهد أحد الشروط الواجب توافرها فيه، أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته، أحال الأمير الأمر إلى مجلس الوزراء وعلى المجلس في حال التثبت من ذلك عرض الأمر على مجلس الأمة فوراً لنظره في جلسة سرية خاصة· فإذا ثبت لمجلس الأمة بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القدرة المنوه عنهما، قرر بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحيات ولي العهد بصفة مؤقتة أو انتقال ولاية العهد بصفة نهائية إلى غيره، وكل ذلك وفقاً للشروط والأوضاع المقررة في المادة الرابعة من الدستور·"