
· حزب البعث المنحل يدعو العراقيين إلى المقاطعة
في نهاية الشهر الماضي احتفلت مدينة كربلاء بتسلم الجيش العراقي القيادة العسكرية من القوات الأمريكية لتكون ثاني مدينة يتولى فيها الجيش العراقي المسؤولية التامة عن الأمن بعد النجف التي سلمها الأمريكيون للقوات العراقية، كان قبلها تسلم القوات المسلحة العراقية إدارة قاعدة الشعبية من القوات البريطانية في البصرة جنوبي العراق، وأقيمت في جميع هذه المدن مراسم خاصة واحتفالات، وكانت هناك آمال باقتراب عودة السيادة للعراق، وربما اقتراب موعد رحيل القوات الأجنبية عن البلاد وعلى رأسها القوات البريطانية والأمريكية·
وبرغم أن تصريحات القادة العسكريين الأمريكيين والبريطانيين، بل وحتى العراقيين، أكدت على أن تسلم العراقيين إدارة تلك المدن يعني بداية رحيل القوات الأجنبية عنها، وأن القوات العراقية بلغت مرحلة النضج وأصبحت قادرة على تحمل مسؤوليتها العسكرية والأمنية، إلا أن النوايا الحقيقية للمسؤولين الأمريكيين والبريطانيين تفصح عنها تصريحاتهم التي تعكس صورة مغايرة لما يجري على الأرض·
ففي البصرة التي شهدت موجة غضب شعبي عارم في منتصف الشهر الماضي، بسبب قيام القوات البريطانية بتحرير جنديين بريطانيين اعتقلتهما القوات العراقية متنكرين بملابس عراقية وبحوزتهم أوراق ثبوتية مزورة وأدوات تفجير ومتفجرات حسب الداخلية العراقية، استبعد كل من رئىس الحكومة البريطانية توني بلير ووزير خارجيته جاك سترو انسحابا قريبا للقوات البريطانية من العراق·
إلا أن صحيفة "أوبزرفر" البريطانية قالت في عددها الصادر في 25 سبتمبر أن القوات البريطانية ستبدأ انسحابها من العراق اعتبارا من مايو 2006 وفق برامج أعدتها لندن وواشنطن وستعرض هذا الشهر على الجمعية الوطنية العراقية، كما نقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى أن هناك برنامجا مفصلا لفك الارتباط العسكري للقوات المتعددة الجنسيات، سيدخل حيز التنفيذ بعد الانتخابات العامة في ديسمبر القادم·
التفكير في الانسحاب ليس اعتباطيا، فنية المطالبين داخل المملكة المتحدة بسحب الجيش البريطاني سجلت معدلات غير مسبوقة بعد حادثة البصرة، وأثارت تساؤلات داخل الشارع البريطاني عن جدوى بقاء قواتهم في العراق، كما أن تفاقم الهجمات على الجيش الأمريكي وتزايد أعداد القتلى الأمريكيين في العمليات هبطت بشعبية الرئىس الأمريكي جورج بوش إلى أدنى مستوياتها، يضاف الى ذلك التهديدات غير المؤكدة بزيادة الهجمات التي تنشرها على نحو متواصل الجماعات المسلحة في العراق وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة ما يسمى أبو مصعب الزرقاوي·
ولكن الحكومة العراقية التي يترأسها إبراهيم الجعفري، لا تريد من جهتها رحيلا مستعجلا للقوات المتعددة الجنسيات بسبب عدم جاهزية القوات العراقية كي تحل محلها، كذلك أكد الرئىس العراقي جلال الطالباني، مرارا أهمية بقاء القوات الأمريكية في العراق من أجل توفير الأمن والحماية للعراقيين من شرور الإرهاب المستشري في البلاد·
ولذلك لم يخيب الرئىس الأمريكي آمال الحكومة العراقية، وأعلن أكثر من مرة أن القوات الأمريكية باقية في العراق ولن ترحل عنه مالم تشكل جيشا عراقيا قادراً على الدفاع عن نفسه·
وعلى جانب آخر وفي إطار إقرار الدستور العراقي، نجد أنه بعد أقل من يومين على تغيير شروط رفض الدستور العراقي، تراجعت الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان) عن قرارها استجابة لضغوط الولايات المتحدة والأمم المتحدة ولتهديدات العرب السنة بمقاطعة الاستفتاء على الدستور المزمع إجراؤه هذا الشهر·
فقد أثار القرار الذي اتخذته الجمعية الوطنية بتشديد شروط رفض مسودة الدستور سخط العرب السنة الراغبين في المشاركة في الاستفتاء من أجل رفض الدستور والتصويت بـ "لا"· واعتبروا التعديل القائل بأنه لا يمكن رفض الدستور إلا في حال صوّت ضده ثلثا الناخبين المسجلين في ثلاث محافظات "تفسيراً خاطئا" لما ورد في الفقرة 61 من قانون إدارة الدولة الموقت الصادر عن مجلس الحكم الانتقالي·
وتحدد المادة 61 من القانون قواعد التصويت في الاستفتاء، باستخدام تعبير "الناخب" وهذا التعبير غير واضح ويمكن تفسيره وفق عدة أشكال، فالكلمة كما وردت في القانون قد تعني الناخبين المسجلين الذين أدلوا بأصواتهم، وربما تعنى الناخبين المسجلين ممن أدلوا بأصواتهم ومن لم يدلوا بأصواتهم في الاستفتاء·
وأمام الهبة الأمريكية والأممية والسنية وجدت الجمعية الوطنية نفسها مجبرة على العدول عن قرارها واعتماد الفقرة 61 كما ورد ذكرها أصلا في قانون إدارة الدولة، أي يعتبر الدستور لاغيا إذا رفضه ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات من محافظات العراق الـ 18 حتى إن فاز بأغلبية الأصوات في عموم محافظات العراق·
ويعتقد المراقبون أن العرب السنة الراغبين في رفض الدستور يعولون كثيرا على هذه الفقرة لأنها ستسمح لهم برفض الدستور والإطاحة به باعتبارهم يشكلون أغلبية عالية في ثلاث من محافظات العراق وهي نينوى وصلاح الدين والأنبار، كما أنهم يشكلون نسبة عالية في محافظة ديالي وبغداد·
ويرى المراقبون أنه بعد تراجع البرلمان عن قراره السابق، سيصبح لزاما على العراقيين السنة أيضا أن يتراجعوا عن قرار مقاطعة الاستفتاء الذي اتخذوه، والسبب في ذلك هو أن المقاطعة ستفوت عليهم فرصة رفض الدستور والإطاحة به، وتعزز من جهة أخرى فرص موافقة بقية أطياف العراق عليه وتمريره الأمر الذي سيضيع حقوق العراقيين السنة، تماما كما ضاعت إبان الانتخابات العامة في 30 يناير الماضي التي أفرزت تحالفا شيعيا كرديا سعى إلى تهميش دور السنة السياسي·
ويعتبر بعض المراقبين أن عدول البرلمان عن قراره يعني أن الكرة أصبحت في ملعب السنة، وعليهم المشاركة بكثافة في الانتخابات من أجل تحقيق شرط رفض الأغلبية في ثلاث من محافظات العراق·
ولكن حزب البعث المنحل لا يريد أن يصوت العراقيون لا بالرفض ولا بالموافقة على الدستور، ودعاهم في بيان على الإنترنت الى مقاطعة الاستفتاء وإسكات الذين يدعون الى التصويت عليه بـ "لا" معتبرا رفض الدستور ذريعة لتثبيت حكم الاحتلال في العراق·
