
كتب مظفر عبدالله:
أثار رفع الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات كانت قد صدرت على دولة الكويت في شهر يونيو الماضي تتعلق بتهمة الاتجار بالبشر على صعيدين هما (العمالة، وأطفال سباقات الهجن)، ردود فعل متباينة، إلا أن الحدث الأبرز أو الذي أثار الاستغراب هو المدة القصيرة التي توسطت تاريخ صدوره وتاريخ رفعه (يونيو - سبتمبر 2005) أي 4 أشهر فقط، وقد شمل ذلك كلا من المملكة العربية السعودية والإمارات ودولا أخرى رأت الولايات المتحدة أن المصلحة في أن تستمر "برامج الديمقراطية والتعاون الأمني لمكافحة الإرهاب معها" البعض ربط بين معونة الكويت لمتضرري إعصار كاترينا وبين رفع العقوبات، لكن يصعب تأييد هذا الرأي لسبب بسيط وهو أن هناك دولا أخرى رفع عنها الحظر ولم تقدم مساعدات!
وفي رأيي أن البحث عن أسباب الإدارة الأمريكية لاتخاذ مثل هذا القرار لا يتكافأ في أهميته مع ما يمكن أن يقال عن موضوع "الاتجار بالبشر" - وهو مصطلح وزارة الخارجية الأمريكية اختارته كمعيار لمدى استهانة الدول بآدمية الإنسان - على مستوى محلي·
لسنا كما يريد الوزير الحجي بحاجة الى مقارنة وضع حقوق الإنسان بين المجتمع الكويتي والمجتمع الأمريكي فهو يقول "أنا متأكد، ألف في المئة، أنه أكثر بكثير مما هو موجود عندنا"·· يعني السلبيات هنا! فالمسألة ليست - وكما يعرف الوزير وهو شخص متفهم وحضاري - بالكم ولا بطبيعة ما يوجد عندنا وعندهم من مشاكل خاصة بحقوق الإنسان··
فالمجتمع الأمريكي شيء والمجتمع الكويتي شيء آخر·· ويعلم الوزير أنه على الرغم من سلبيات ملف حقوق الإنسان الأمريكي فإنه من المعروف أن فرص الوصول للقنوات القانونية لإحقاق الحقوق تتوافر للأجنبي بشكل أكبر مما هو موجود في مجتمعنا الكويتي·· يكفي أن الأخ الوزير قال "سمعنا وقرأنا عن أن هناك إضرابا حدث - يقصد إضراب البنغاليين بسبب عدم دفع أجورهم - ولكن لا نستطيع أن نتحرك إذا لم توجد شكوى من العمالة نفسها أو السفارة"·
وهنا العلة·· وهي كيف يمكن أن تصل الشكوى؟·· هذا هو الفارق بين المجتمع الأمريكي والمجتمع الكويتي بوصفه مجتمعا عربيا في نهاية الأمر·
أما اعتراض الأخ الوزير على مصطلح "الاتجار بالبشر" وأنه مصطلح مبالغ فيه ولا ينطبق على الوضع الكويتي في شأن خدم المنازل والعمالة الوافدة واستغلال أطفال في سباقات الهجن فربما نشاطره الرأي بأن الحالات محدودة، لكن كلمة (حالات محدودة) تأتي نتيجة محدودية وسائل نقل الشكوى من قبل هؤلاء الضعفاء·· فالمسألة مرتبطة بخروج من المنزل·· وذهاب للمخفر والحديث بلغة عربية أو إنجليزية··· وإقامة دعوى ومتابعتها في القضاء وانتظار النتائج·· ودفع أتعاب وتكليف محام·· فهل هذه الإجراءات بحوزة خادمة أو عامل بسيط أو طفل تائه في حلبات سباق الهجن؟!
الأخ الوزير معني بالرد على تقرير وزارة الخارجية بحكم كونه مسؤولا في الحكومة ومكلفا بذلك، وقد قمنا - وأشرنا الى ذلك في العدد الماضي بإيجابية - باستعراض إجراءات الوزارة في اجتماع الوزير مع السفير الأمريكي حول تحديد الأجور ومنع العمل تحت أشعة الشمس في ساعات محددة والتحذير من استغلال أطفال في سباقات الهجن دون سن الـ 18، وهي قرارات شجاعة لم يستطع من سبقه مع الأسف، اتخاذها مع أنها ليست بقرارات تعجيزية أو صعبة بالمناسبة، لكن الوزير أمام تحدٍ من نوع آخر وهو: كيف يستطيع العامل أو الخادمة أو طفل مُجيَّر لعمل فوق طاقته (كما هو مشاهد في شوارع الكويت الآن حيث يتم توزيع أطفال عند تقاطعات الطرق لبيع العطور) الاستفادة من حزمة القرارات الجريئة والحضارية لحماية أنفسهم؟!
مرة أخرى نعود لموضوع الآليات والقنوات المسيرة·· كما هي في المجتمع الأمريكي!!
أعتقد أن معركتنا محلية وليست فقط في الرد على تقرير حكومة الولايات المتحدة· وأرى أن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية المتعلقة بحقوق الإنسان أو الاتجار بالبشر التي تصدر سنويا هي تقارير جيدة من ناحية المضمون لكنها تبقى تقارير صادرة عن حكومة أي إدارة سياسية تملك إرادة سحبها في أي وقت ووفقا لأي مصلحة تراها وهذا ما حدث مع دولة الكويت حاليا بالنسبة للتقرير الذي نتحدث عنه· عملية رفع العقوبات لا تعني أن وضع حقوق الإنسان قد تحسن فيها·· بل هي المصالح الاستراتيجية، وهذا ما جاء في نص الأمر الرئاسي الأمريكي لوزيرة الخارجية كونداليزا رايس·
ومع اعتقادنا بأهمية تقارير الخارجية الأمريكية - بحدود ما ذكرنا - فإنه يبقى أن التعاون والشراكة مع منظمات حقوق الإنسان الدولية ذات الطابع الأهلي وكذا المنظمات المعنية بالعمال وعلى رأسها منظمة العمل الدولية هو الأصوب والأهم·· فالأخيرة طالبت الكويت منذ سنوات باستبدال نظام الكفيل الجائر وعرضت على الكويت 3 بدائل لم يطبق منها أي شيء الى الآن·· مع العلم أن تقارير منظمة العمل لا تنشر في العلن كما هي الحال بالنسبة لتقارير وزارة الخارجية الأمريكية وهي لا تبغي تحقيق إحراج أدبي في وسائل الإعلام·
أخيرا، فإنه لا يهمنا كمواطنين ما تكتبه التقارير الدولية على أهمية ما فيها من نقد ونصح أحيانا·· لكن الأهم هو تعاطينا على أرض الواقع - وليس بالقوانين فقط - مع "الاتجار بالبشر"·· وتجارة الإقامات·· ودفع الأجور في وقتها·· هذا هو صلب الموضوع·