
بقلم: جون إيزارد
ترجمة: لنا عبد الرحمن *
فازت رواية "خرائط للعشاق التائهين" لنديم إسلام مناصفة بجائزة أدبية دولية قدرها6 آلاف جنيه أسترليني، وهي الرواية التي لاقت الثناء لكونها تكشف عن وميض الحب المتواري خلف التعصب الأعمى والظلم الأسود في الحي الآسيوي بإحدى المدن الإنجليزية·
إن رواية "خرائط للعشاق التائهين" التي استغرقت كتابتها 11 عاماً من نديم إسلام أعلن عن فوزها مناصفة في سان فرانسيسكو بجائزة "كيريما" السنوية التي تهدف إلى إعلاء التواصل ما بين الشعوب الواقعة على حافة الباسفيك والمشتتين من جنوب آسيا·
تمزج هذه الرواية بين قصة حب ومجموعة غامضة من جرائم القتل التي ترتكب في أحد الأحياء الفقيرة في جنوب آسيا، حيث تخيم عليه لعنة أن يتزوج الابن من امرأة بيضاء· تقوم الدراما في هذا العمل على صراع الجنس الأبيض والعنصر الآسيوي، وعلى ترتيب الزيجات التقليدية، وأيضاً على الطلاق بين المسلمين، هناك مثلاً "كوكب" المرأة المسلمة التي ترتكز على إيمانها للتخفيف من مشاعر الغربة وبعدها عن وطنها باكستان وزوجها وأولادها الذين تطبعوا بالطبائع الغربية·
حصل نديم إسلام الذي يبلغ من العمر39 عاماً على العديد من الجوائز الأدبية عن روايته الأولى "موسم طيور المطر" وهو ابن لأبوين باكستانيين استقرا في هادرفيلدز منذ الثمانينات·
وضعته رواية "خرائط للعشاق التائهين" على قائمة المرشحين لجائزة بوكر لهذا العام، وقد قال في إحدى حواراته أنه اعتاش خلال كتابته لهذه الرواية على الجوائز المالية، والمنح التي حصل عليها من قبل، واصفاً الرواية بقوله "هذه الرواية من الممكن أن ينظر إليها على أنها استعراض للعنصرية في بريطانيا على مدى الخمسين سنة الأخيرة، وخلال كتابتي للرواية عشت في مدن وبلدات مختلفة، لكن دائماً في الأحياء الآسيوية، كان الجو هناك مشبعاً بالقصص وكثيراً ما شعرت بأنه ليس علي إلا تهيئة السطح المناسب لهذه القصص لكي تتجمع وتطفو كالندى على التلات الأزهار"·
تموج هذه الرواية بالقصص عن القسوة والظلم والتعصب الأعمى والجهل، لكن الحب لا يغيب عن الصورة، فهو يشع من كل الحواف حتى أعمق الجروح ، فالشخصيات تعيش فيها محاصرة ما بين العنصرية من ناحية، والظلامية الأصولية من جهة أخرى، إلا أنها تحمل بالرغم من ذلك إمكانات واعدة·
كل ما نحتاج إليه هو الحب
يقول نديم إسلام في الفقرة الأولى من افتتاحية الرواية "الرياح الثلجية تعصف برائحة البخور وتشتتها وعلى الرغم من تبدد هذه الرائحة إلا أن لها حضوراً لا يمكن أن نتجاهله"·
تشكل رائحة البخور الحاضرة والمتلاشية نبض الأحداث في الرواية مثل العاشقين "شاندا وجواغنو" هما أيضاً يختفيان من البلدة الإنجليزية "داتشي تانهي" رغم أن حياتهما تظل تشغل جزءاً كبيراً من الرواية حتى صفحاتها الأخيرة·
فما حقيقة مدينة داتشي تاناهي؟
تبدو هذه المدينة كما لو أنها مدينة خرجت من حكايات الجان أكثر من كونها مدينة واقعية، ولكن لا، إنها مدينة حقيقية يتجمع فيها عدد كبير من الباكستانيين المهاجرين الذين أعادوا صياغة وطنهم البديل ، داتشي تاناهي حيث أحراش الوحدة وصحراء العزلة، يعيد نديم إسلام صياغة هذه الأماكن مع شخصياته المميزة "شمس" شقيق جواغنو رجل لطيف ومتحرر ليس لديه وقت ليتعمق في الشكل الأصولي للإسلام، كما فعل الكثير من مواطني بلدته· هناك أيضاً أولاد شمس وابنته الذين يمثلون جزءاً من جيل جديد يشكل الوصلة الحقيقية بين الأجزاء البريطانية والأجزاء الباكستانية في حياتهم من دون أن يستنفدوا طاقاتهم في صراع غير مجد·
أما "سورايا" التي تعيش في باكستان فقد طلقت من زوجها بالخطأ خلال وقوعه تحت تأثير حالة شديدة من الثمل، وكان عليها تبعا ً للمبادئ الإسلامية التي تتبعها أن تعثر على آخر لتتزوج منه، ثم يطلقها كي تتمكن من العودة لزوجها السابق وابنتها، وتعتبر "كوكب" من أكثر الشخصيات غرابة، فقد تربت على النظر للإسلام من زاوية ضيقة، وبشكل غير متسامح على الإطلاق، إن هذه الشخصية لوكتبت بقلم روائي عادي ربما تحولت إلى مسخ مدمر لكن نديم إسلام في تناوله للشخصية جعل منها إنسانية للغاية بل إمرأة مثيرة للشفقة، فقد كرست حياتها منذ البداية لتكون أماً، منذ نشأتها مع والديها اللذين أنجباها في بريطانيا وحتى رجوعها إلى باكستان ثم زواجها بطريقة تقليدية، هي العروس الشابة التي اعتادت على الاستحمام صباحاً ثم إيقاظ زوجها وهي تميل بشعرها الطويل يميناً ويساراً تاركة ذرات الماء تتساقط على وجه الزوج، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى امرأة ترى في الجنس عاراً وخطيئة·
إنها صوت الإدانة الذي يرتفع ليدين أي محاولة للخروج عن الأصولية الإسلامية لكن نديم إسلام يخبرنا أن الشيء الوحيد المطلوب ليجعلها كائناً ذا قيمة فعالة هو "الحب"·
في هذا الكتاب المليء بقصص عن القسوة والظلم، الفقر والجهل، لايقف الحب بعيداً بل يظل يومض حتى حواف الجراح العميقة، ربما لهذا السبب لم تبد الرواية مثقلة بكل الأحزان التي تحملها، حيث إن فرحاً ما يومض من مكان خفي·
فالشخصيات هنا تهيم حائرة تتخبط بين التمييز العنصري والتهويمات الدينية لكن مع ذلك تظل كل شخصية تحمل إمكانية اختلافها وتميزه· لكن الإبداع في هذه الرواية لايأتي فقط من جانب الشخصيات، فالرواية تحفل بإجلال لآلهة الزهور ولحيوانات مبجلة في إحدى المناطق الإنكليزية، فخلال صفحات الكتاب نرى العصافير والأزهار والحشرات تحتل مكانتها في السرد، سواء لأنها تنتزع شخص ما من الأفكار السوداء التي تعج بها مخيلته أو لتبعد عنه اللحظات المرعبة المليئة بصدمة التناقضات· ولكي نتمكن من قراءة الوصف المادي لنديم إسلام في روايته ينبغي علينا تذكر قدرة اللغة على إعادة تشكيل الرواية من خلال التشبيهات والمناظرات والاستعارات التي يقدمها لنا· مثلاً: السوار الذهبي للمرأة يتكون من حلقات تبدو كالفواصل المنقوطة، أيضاً زهور التوليب تميل بخفة كأعناق البجعات السكارى·
ربما يكون الإنجاز البارز في هذه الرواية قادماً من الإشعاع الشبيه بالعزف الرائع لمجموعة من عازفي الجاز، الذين يتمكنون من المزج بين كل ماتحويه الحياة، الحقيقة العارية والكلمة التي لايمكن إنكارها ، الخوف العميق من الألم الذي لايحتمل وفوق ذلك كله هناك الفرح·
إن كل هذا يستحق الحب، لكن هذا الحب لايتجلى ويظل متوارياً هنا وهناك في الأعماق الخفية للروح حيث لا أحد بإمكانه احتمال هذا الشوق لتؤكد لنا الرواية أن قلة هم فقط الذين يقتنعون بدفع الغضب العارم والأحزان الموجعة بعيداً عن حياتهم·
كاتبة لبنانية
مقيمة في القاهرة