
· طمس الحقائق يصب في مصلحة القتلة الحقيقيين
كتب نضال أبو الفضل:
هذا الأسبوع مرت الذكرى 23 على مجازر صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها ما يقرب من ألفي فلسطيني ولبناني، فعلى مدى ثلاثة أيام (16، 17، 18، سبتمبر عام 1982) قتل ما يقرب ألفي فلسطيني ولبناني في مجزرة ارتكبتها مليشيا مسيحية لبنانية داخل مخيمات صبرا وشاتيلا بأوامر من أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت والذي كانت قواته تحاصر المخيمات وتراقب مجريات تنفيذ المجزرة·
وكانت لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا اسحاق كاهان قد توصلت في تقرير لها في 1983، الى خلاصة مفادها أن شارون "مسؤول شخصيا" عن المجزرة معتبرة إسرائيل تتحمل مسؤولية غير مباشرة عنها، وأوصت اللجنة رئيس الوزراء آنذاك مناحم بيغن بعزل شارون عن منصبه إذا لم يقدم استقالته، وقد استقال شارون بالفعل، لكنه عاد وتقلد بعد ذلك مناصب سياسية رفيعة وصولا الى قمة السلطة·
ويرى المراقبون أنه برغم وضوح معالم الجريمة بمعظم أركانها، إلا أن أحدا لم يقدم للمحاكمة حتى الآن بل وتحطمت كل المحاولات في هذا الصدد على صخرة تخاذل دولي صب بشكل أساسي في مصلحة الجناة الحقيقيين وسمح لهم بالإفلات ولو موقتا بجريمتهم دون حساب·
ولكن لم يفقد أقارب الضحايا ولا المتعاطفون معهم الأمل، حيث قرروا المضي قدما في طريق الملاحقات القضائية التي لم تسفر حتى الآن عن أي نتيجة، لأسباب عدة يرجعها المراقبون للظروف الدولية وازدواجية المعايير، والتي على أساسها تجري ملاحقة المتهمين بجرائم حرب في غرب السودان والبوسنة وغيرها، بينما يتم غض الطرف عما ترتكبه إسرائيل وجنرالاتها من جرائم ضد الإنسانية·
ويشير المراقبون الى أن العالم العربي والإسلامي وهو صاحب القضية الأول شارك عن عمد أو دون عمد في تحويل المزاج الدولي ليغض الطرف عن إسرائيل ويقبل التعامل مع شارون كرجل سلام، وكأن مذابح صبرا وشاتيلا من ذلك النوع من الجرائم التي تسقط بالتقادم·
وفي هذا السياق جاء أخيرا لقاء وزير خارجية قطر مع نظيره الإسرائيلي في نيويورك، وفي هذا الإطار كان التقارب الباكستاني مع إسرائيل ومن قبله التقارب المصري والأردني، من أبرز التحركات التي ربما حملت في طياتها دعوات مباشرة أو غير مباشرة لنسيان الماضي خاصة إذا كان من شأن هذا الماضي تأخير بعض الاستحقاقات الزهيدة مثل تفكيك بعض المستوطنات أو تنفيذ انسحاب أقرب ما يكون الى عملية لإعادة نشر القوات حول قطاع غزة·
وهناك محاولات لطمس معالم القضية والتعتيم عليها إعلاميا من جانب جهات إسرائيلية عديدة، تزامنت مع ما يمكن وصفها بحالة استرخاء إعلامي عربي تمثلت في تجاهل الذكرى 23 للمجازر وفي ظل هذا التجاهل ربما كان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة هو الصوت العربي الوحيد الذي انطلق منددا بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة متهما إياه بقتل ثلاثة آلاف فلسطيني ولبناني في صبرا وشاتيلا·
وتبقى الإشارة الى أنه لم يفصل بين الذكرى الرابعة لهجمات 11 سبتمبر 2001، وبين الذكرى 23 لصبرا وشاتيلا سوى خمسة أيام فقط، لاحظ خلالها المراقبون الفرق في طريقة التعامل مع القضيتين سواء من جانب المجتمع الدولي أو من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أو العالمين العربي والإسلامي، وفضائياته الصاخبة·
والنتيجة تصب في مصلحة الجناة الحقيقيين الذين وقفوا يخرجون ألسنتهم لشرعية دولية أصابها قدر غير قليل من العوار·