
· إنتاج الدجاج.. صناعة وربح لا تربية وغذاء!
· الأسماك المستزرعة.. ماذا تأكل وأين تُربى؟!
كتب سالم الحبَّاب:
ليست المرة الأولى التي نحذر فيها من الإسراف في استخدام المبيدات الكيماوية في الحقول المكشوفة والمغطاة في الكويت وتحقيق جملة من الضوابط المعمول بها في دول العالم المتقدمة للحد من استخدام المبيدات الضارة بصحة الإنسان وبيئته!
فالمزارع اليوم لا يستطيع أن يستغني عن المبيدات الكيماوية لأسباب عدة لعل أهمها كثرة الآفات والأمراض التي تصيب النباتات والأشجار وتتفشى في تربتها·· واتساع المساحات المزروعة والرغبة في زيادة الإنتاج الزراعي وتنوعه على مدار شهور السنة ليتواكب مع زيادة طلب السكان للخضراوات والثمريات في أوقاتها الطبيعية وغير الطبيعية أو لنقل في مواسمها وغير مواسمها··
لذلك نحن لا نطلب منع استخدام المبيدات الكيماوية أو الحشرية، لكن نطلب الحد من استخدامها، شريطة أن يكون المستخدم منها آمنا على صحة الإنسان وبيئته، وهذا لن يتحقق إلا بتشديد الرقابة على موانئ البلاد لمنع دخول أي من المبيدات غير المسموح بتداولها مع امتداد هذه المراقبة إلى معارض الشركات والاتحادات والجمعيات الزراعية·· لمنع عرض المبيدات غير الآمنة، والى المزارع ذاتها للتأكد من استخدام المبيدات الآمنة (فقط) بالطرق السليمة والمقادير الصحيحة وفي الأوقات المناسبة· واستخدام المبيدات الآمنة في المناطق الزراعية يعني بالإضافة الى ذلك الحرص على سلامة العمال القائمين على رشها·· وهذا يقتضي أن يلبس العمال ملابس خاصة أهمها الكمامات والقفازات والنظارات والأحذية الطويلة، وإرشادهم الى أنجع أساليب الرش في الظروف الجوية المختلفة، كل تلك الضوابط ضرورية وحيوية لتحقيق سلامة صحة الإنسان وسلامة بيئته، وقد طالبنا بها مرارا وتكرارا، وسنظل نطالب بها الى أن تتحقق·
كارثة صحية
فالكثير من المزارعين داخل البلاد وخارجها يستخدمون مبيدات رخيصة الثمن، وغير مسموح بتداولها عالميا، ومن دون مراعاة لفترة الأمان للمبيد المسجلة على عبوته، يؤكد هذا المزارع الدكتور إبراهيم مهلهل الياسين بقوله وسط حقل من الخس قبل أكثر من ثلاث سنوات: إننا كمزارعين مضطرون لاستخدام المبيدات الكيماوية ضد الآفات الحشرية المتكاثرة في الحقول والبيوت الزراعية لكننا لسنا مضطرين لتنزيل الثمار والخضار بعد رشها مباشرة (جريا وراء السعر المرتفع) دون مراعاة لفترة الأمان المسجلة على كل عبوة من عبوات المبيدات الكيماوية·
سموم قاتلة
فيما يقول مزارع آخر حول خطورة الإسراف في استخدام المبيدات الحشرية هناك: لو أكل "جمل" من الخضراوات والثمريات التي نرشها بكثرة وبمبيدات مشكوك بسلامتها لسنة واحدة لخارت قواه وبرك وناخ·· فما بالك بالإنسان·
فترات الأمان
لكن في مقابل أولئك المزارعين الذين يراعون ضميرهم في عملهم·· فيمنعون وكلاء مزارعهم من الإسراف في الرش·· ومراعاة فترات الأمان للمبيدات، نجد مزارعين لا يترددون في اتباع كل ما من شأنه الإسراع في الإنتاج، وزيادته جريا وراء باكورة الدعم وارتفاع السعر وقد أشرنا وأشار غيرنا أكثر من مرة الى خطورة استخدام الهرمونات للتبكير في إنتاج بعض الثمار وبخاصة ثمار الطماطم كي يبيعها المزارعون بسعر عال في الأسواق المحلية، واستخدام الهرمونات لا يقتصر على بعض النباتات لتثمر قبل مواعيدها الطبيعية بشهر وشهرين·· لكنه يمتد الى تربية الدواجن، أو بلفظ أدق لصناعة الدواجن في البلاد، فالهرمونات والمضادات الحيوية·· تعطى للدواجن في الحظائر المضاءة ليل نهار عبر مياه الشرب وعبر العلف، لتنتفخ، وتكون صالحة للبيع في المعارض بعد شهر ونيف من عمرها·
وإلا بماذا تفسر لنا فقدان المذاق الطيب والطعم اللذيذ وغياب النكهة الطبيعية لمعظم الدواجن المحلية والمستوردة المطبوخة أو المشوية في أيامنا هذه!
لحم أم تفل؟!
فنحن نأكل غالبا لحم دجاج بالاسم، لكن فعليا نحن نأكل تفلا، وتفلا ضارا بالصحة والعافية، والجسم يستطيع أن يصمد ويقاوم سنة وسنتين، لكنه لا يستطيع أن يصمد ويقاوم لسنوات طوال، ألم يقولوا بأن الإنسان لا يعرف كم استهلك من الكهرباء إلا آخر الشهر عندما تصله فاتورة الكهرباء، ونحن لا نعرف حجم الضرر الذي ارتكبناه بحق أجسامنا إلا متأخرين··!
فأنت تسأل عن زميلك فلان، فيقولون لك بأنه مريض يراجع مركز حسين مكي الجمعة، فتتعجب بأنك رأيته قبل أسبوع أو أسبوعين سليما! وفي الحقيقة (فلان) لم يكن سليما إلا ظاهريا أما داخليا فكان يتآكل بفعل السموم والهرمونات التي كان يتجرعها ولسنوات طوال ممزوجة بالخضراوات والثمريات ولحوم الدواجن والأغنام والأبقار والأسماك المستزرعة وسط الصحراء·
ناهيك عن أضرار تناول الدجاج "المهرمن" على طبيعة كل من الأنثى والذكر، فالأضرار مفجعة أكثر مما تتصور··!
الخطر واقع
باختصار: الخطر داهم·· وتدركه الجهات المعنية بأمر إنتاج الغذاء واستيراده وتسويقه، وتعرف كيف تتجنبه، ولكن دون إنجاز ملموس، فها هي على سبيل المثال، هيئة الزراعة تقرر منح الشبرة 4 المخصصة لبيع المنتج النباتي المحلي لشركة تسويق شريطة أن تكون هذه الشركة قادرة على فحص المنتج المحلي للتأكد من خلوه من أي أثر للمبيدات الحشرية·· لكنها لم تنفذ قرارها· وبلدية الكويت·· تقرر أن تتأكد من سلامة كل منتج غذائي مستورد عبر مختبرات حديثة، في مداخل الأسواق الغذائية الكبيرة في الكويت·· لكنها لم تنفذ قرارها حتى الآن··!
وهيئة الزراعة تقرر كذلك وضع ضوابط لاستزراع الأسماك البلطية في المناطق الزراعية، كي لا تتغذى على علف مخلوط بالهرمونات وتكون خالية من الأمراض، من دون أن نعرف هل يلتزم مربو الأسماك بهذه الضوابط أم لا؟!
حملة توعية
وللخروج من هذه الدائرة المغلقة لا بد من حملة توعية بمخاطر الإسراف في استخدام المبيدات الحشرية والهرمونات في تغذية الدواجن والأسماك، توعية تشمل المزارع، والمربي، والمستزرع، فما أكثر القوانين والضوابط والاشتراطات، وما أقلها تطبيقا!
فلا بدَّ من إقناع المزارع بأهمية الحد من استخدام المبيدات الكيماوية حتى لو جاء إنتاجه متأخرا أو قليلا، وإرشاده الى سبل المكافحة الحيوية (الآمنة) والمزارع - ومعه حق - يريد أن يرى تطبيق قوانين التأكد من سلامة الغذاء المستورد أو الوارد من دول عربية وأجنبية قبل أن يراه مطبقا على المنتج المحلي الوارد من الوفرة والعبدلي، فمن يضمن أن المنتج الذي يأتينا من كل حدب وصوب، غير مرشوش أو مهرمن أو مروي بمياه مجار غير معالجة؟!
توعية المستهلك
كما يجب توعية المستهلك، وذلك بالحرص على تناول المنتجات الزراعية في مواعيدها الطبيعية - بقدر المستطاع - فالمستهلك الواعي لا يشتري مثلا الطماطم المستوردة من الأردن أو لبنان شتاء، حيث البرد القارس هناك ويفضل عليها المنتجة محليا أو خليجيا·· كما لا يشتري الطماطم المحلية أو الخليجية المنتجة صيفا، حيث الحرارة المرتفعة، فنباتات الطماطم من النباتات التي لا يمكن أن تجود بثمارها في الجو البارد جدا أو في الحار جدا إلا بفعل الهرمونات المثبتة للأزهار، وداخل البيوت المكيفة، وقس على ذلك الكثير من الثمريات والورقيات الخضراء، فالملوخية المصرية أكلة صيفية، لأنها لا توجد في مصر إلا في فصل الصيف، فعندما يرى المستهلك الواعي ملوخية مصرية في الأسواق شتاء·· يعزف عن شرائها، لأنها حتما تكون مزروعة في جو غير طبيعي أو ظروف اصطناعية، فالمستهلك أو المشتري الواعي يجب أن يعرف بلد الخضرة أو الثمرة قبل أن يشتريها، ليتأكد أنها نمت وترعرت في مواسمها الطبيعية أقصد أنها نشأت نشأة طبيعية لا اصطناعية! والمستهلك الواعي لا يشتري الخضار أو الثمار الغالية (مرتفعة الثمن) لأنها تكون في غير مواسمها الطبيعية وتكون مخزنة في مخازن مكيفة مكلفة جدا·· فكل وقت وله ثماره، وكل بلد وله ثماره، فالتفاح اللبناني يؤكل صيفا لا شتاء، والبرتقال الغزاوي يؤكل شتاء لا صيفا وهكذا إذا أردتم الاستفادة بالفعل مما تأكلون··!
* * *
إسراف خطير في استخدام المبيدات الكيماوية

يؤكد المزارع إبراهيم الياسين أن تناول الثمار والخضار المرشوشة يعرض آكلها لأمراض خطيرة نحن في غنى عنها· وقال ها نحن نرش الخس بالمبيدات مضطرين للقضاء على "المن" المتفشي فيه، وحسبما تشير التعليمات على العبوءة·· فإن من الواجب تنزيل الخس المرشوش بعد 15 يوما من رشه على الأقل، فهل نأخذ بهذه التعليمات؟
هذا هو السؤال المهم، وما يمكن أن يقال عن الخس يمكن أن يقال عن الخضراوات والثمار المرشوشة بالمبيدات الكيماوية كالخيار والطماطم والفراولة·· إلخ·
وحدود فترة الأمان من 3 الى 15 يوما وبمقدار ما تكون فترة الأمان قصيرة يكون المبيد غاليا، لذا فإن معظم المزارعين يشترون المبيدات ذات فترات الأمان الطويلة لأنها رخيصة·
وباعتباري مزارعا منذ أكثر من عشرين عاما فإنني أؤكد كذلك أن هناك استخداما متزايدا بل إسرافا خطيرا في استخدام المبيدات الكيماوية في مزارعنا، أقدرها بمئات الأطنان سنويا!
صحيح أن الآثار السمية للخضار والثمار المرشوشة لا تظهر على مستهلكها سريعا (بعد أيام وشهور)، لكنها حتما ستظهر بعد سنوات، لذا فإنني أناشد ضمير كل مزارع أن يراقب أسلوب رش المبيدات في مزرعته سواء في الوفرة أو في العبدلي، بحيث لا يترك لوكيل المزرعة أو مهندسها الذي يهمه أن يظهر بمظهر الرابح أمام المزارع، ألا يترك له فرصة تنزيل الثمار أو الخضار بعد رشها مباشرة الى الأسواق، جريا وراء الأسعار المرتفعة التي تأتي فجأة وتذهب فجأة في بلادنا!
وأناشد الجهات المعنية بفحص كل وارد الى الأسواق المحلية، فالمستورد أيضا يحتاج الى مختبر للتأكد من سلامته·