· مجلس الوزراء آخر من يتحدث عن احترام أحكام القضاء
كتب محرر الشؤون السياسية:
لا تزال الأوساط السياسية الكويتية تتفاعل حول تفسير المحكمة الدستورية الخاص بالسؤال البرلماني وحدوده، بين من يرى في ذلك التفسير تقييدا لمجلس الأمة كمؤسسة رقابية وللنواب في أهم مسؤولية ألقاها الدستور على عاتقهم إضافة الى التشريع، وبين من يرى فيه وسيلة للتخفيف من الأسئلة النيابية غير المبررة·
أما الرأي القائل بخطورة هذا التفسير فيذهب الى أن النتيجة الفعلية تمثل تنقيحا للدستور من دون تعديل مواده ونصوصه، ويذهب أصحاب هذا الرأي الى أن تنقيح الدستور كأمر واقع بدأ منذ أن اقتنع الساعون الى تنقيحه عن طريق التعديل المباشر لمواده بأنهم عاجزون عن ذلك رغم كل المحاولات بما فيها تشكيل لجنة تنقيح الدستور في العام 1980 ثم تفتيت الدوائر الانتخابية الى 25 دائرة في عام 1981 وانتخاب مجلس 81 على أساسها، وبالتالي تقديم اقتراحات الحكومة لذلك التنقيح، وهي الخطوة التي أفشلها المواطنون بضغطهم على النواب حتى لم تتمكن الحكومة من الحصول إلا على خمسة مؤيدين للتنقيح من بين نواب المجلس الذي ظنت أنه سيحسم الأمر لها·
لذا يرى هؤلاء القائلون بأن تفسير المحكمة الدستورية يعد تنقيحا بأنه بعد فشل خطوة التنقيح الفعلي في مجلس 1981 بدأ التنقيح بـ"الأمر الواقع" والذي أتى على خطين متوازيين، الأول: بعد تفتيت الدوائر الانتخابية أصبح تدخل أطراف من الحكومة ومن الأسرة في الانتخابات مكشوفا وسافرا من أجل الإتيان بنواب يشكلون أغلبية مريحة للحكومة تمكنها من تمرير القوانين التي تريد، ومن وقف أي مجهود لتعديل القوانين المخالفة للدستور·
هنا تمكنت الحكومة من القضاء على الدور التشريعي لمجلس الأمة لدرجة لم يتمكن المجلس من تعديل أو إقرار أي قانون جديد يتفق والحريات التي يكفلها الدستور، بل تمكنت الحكومة من الإبقاء على كل التشريعات المخالفة للدستور مثل قانون المطبوعات والنشر والتجمعات وجمعيات النفع العام وغيرها·
أما الخط الثاني لهذا التنقيح (بالأمر الواقع)، فهو تفسير المحكمة الدستورية للسؤال البرلماني، حيث قيد حق النائب في مراقبة السلطة التنفيذية، وبالتالي أجهزت السلطة التنفيذية على التشريع وأبطلت مفعول الرقابة وبهذا تكون قد حققت المراد من التنقيح وهو:
تحويل مجلس الأمة الى ديكور ديمقراطي لا قدرة له على التشريع والرقابة وصولا الى تحويله الى مجلس استشاري ينصح الحكومة ويشير عليها ولها أن تأخذ بالنصيحة أو تضرب بها عرض الحائط·
البعض يرى أن هناك من النواب من تمادى في طرح الأسئلة وربما المكرر منها، وبشكل ربما يعطل الأجهزة التنفيذية عن أداء دورها· وفي هذا الكلام جانب من الصحة إلا أن علاجه ليس بتقييد السؤال البرلماني، بل في إنشاء مركز معلومات متطور في المجلس يمكنه حفظ الإجابات والمعلومات الواردة فيها ويسترجعها حسب حاجة النواب، بحيث يسأل النائب عما استجد بعد ورود تلك المعلومات فقط·
ويرى عدد من أعضاء مجلس الأمة أن فقدان مركز المعلومات هذا وكذلك عدم توفر كوادر مكتبية مؤهلة للأرشفة دفع كثير منهم لاستخدام السؤال البرلماني كوسيلة وحيدة للحصول على المعلومات، ويضيف هؤلاء النواب تأييدا لكلامهم بأن أكبر مكتبة في العالم هي مكتبة الكونجرس الأمريكي وما تحويه من كتب وبيانات ومعلومات ومراكز متخصصة وباحثين على أعلى المستويات وفي جميع التخصصات، وكذلك ما يحصل عليه النائب البريطاني المعارض الذي يشكل جزءا من وزارة الظل، بحيث يحصل على كل المعلومات التي يحصل عليها الوزير الفعلي من دون أن يقدم طلبا بذلك·
أما الأخطر من تفسير المحكمة الدستورية لنص دستوري وهو ما يرى فيه بعض الدستوريين مخالفة لنصوص الدستور التي لا تخول أحدا تفسير مواده غير المذكرة التفسيرية، هو استماتة الحكومة على هذا التفسير وصيحاتها لاحترام رأي القضاء وعدم التدخل به، متناسية بأنها هي التي كانت ولا تزال تقف ضد استقلالية القضاء، بل إنها تتدخل في اختيار القضاة عن طريق تدخلها باختيار أعضاء النيابة العامة وكذلك عن طريق عضوية وكيل وزارة العدل في المجلس الأعلى للقضاء وأيضا الدور الكبير للحكومة في تحديد رواتب القضاة، ناهيك طبعا عن انتدابات القضاة والمستشارين للعمل في الدوائر الحكومية وهو ما اتخذ مجلس الوزراء قرارا بإلغائه مع نهاية هذا الشهر، بل إن الحكومة خسرت وزيرين بسبب تعمدهما عدم تطبيق أحكام القضاء الذي تنادي باحترامها الآن·
لذا يرى النواب الذين اختلفوا مع رأي المحكمة الدستورية بأن حقهم التشريعي حق أصيل يمكنهم من تعديل قانون المحكمة الدستورية الذي أتى بشكل يقلص من الديمقراطية سواء بالتضييق على من يريد الوصول الى المحكمة من النواب أو المواطنين، حيث يشترط موافقة مجلس الأمة على طلب التفسير بينما يعطي الحكومة الحق رغم معرفته بأن الحكومة تشكل جزءا مؤثرا في المجلس بينما المجلس لا يستطيع التدخل في قرار الحكومة·
وفي جميع الأحوال سيبقى الجدل مستمرا في الكويت حول هذا التفسير وآثاره ويبقى الباب مفتوحا أمام التطورات المستقبلية للعلاقة بين السلطتين في الأمدين القريب والبعيد·