
بقلم علي عبدالفتاح:
أن تتكلم·· أن تعبر·· أن تطلق ما في أعماق ذاتك·· وتقول: "لا" في وجه من قالوا: "نعم"·· أن تتعلم كيف تمزق الوهم·· وتغتال العدم·· وتبدأ من جديد··
ستشرق شمس نهار جديد·· ستغرد أطيار السلام·· وتنمو الورود في حدائق الزمان·· وتعود أسراب العصافير التي كانت ترتعد في زمان الظلم والانتحار·· تعود الى أعشاشها ترعى صغارها وتغني للحب والحرية والسلام·
من خلال هذه المعاني كانت مسرحية: "الفيل يا ملك الزمان" من تأليف الكاتب السوري سعد الله ونوس وإخراج الفنان عصام الكاظمي· قدمت المسرحية فرقة ثانوية فهد الدويري/ مقررات من خلال المسابقات المسرحية التي تشرف عليها إدارة النشاط المدرسي بمنطقة حولي التعليمية·
دراما رمزية
و"الفيل يا ملك الزمان" دراما رمزية عن هذا الفيل الذي هجم على بيوت الفقراء في القرية وقتل الناس واجتاح الزرع وحطم البيوت ولكن لا أحد من أهل القرية يستطيع أن يواجه الفيل لأنه فيل ملك الزمان·
وحين يجتمع أهل القرية للتشاور في هذا الأمر يقرروا الذهاب جميعا للملك، ويشكون إليه ما أصابهم من ضرر وألم من جراء أفعال هذا الفيل·
ويتم الاتفاق على أن يتولى أحدهم الحديث الى الملك ويخبره بكل صدق عما حدث وأنهم يرفضون هذا الفيل لأنه دمر بيوتهم وقتل منهم الكثير ويجب أن يقفوا جميعا ضد الملك ويقولون: "لا"·
ولكن حينما يواجهون الملك يقفون في خوف ولا يستطيعون الكلام أو الشكوى وإنما يتقلب الحال الى نفاق ومداهنة ويقولون للملك إنهم سعداء بالفيل في القرية ويجب البحث له عن أنثى ليتزوجها وتقام الأفراح والاحتفالات في البلاد·
ويأمر الملك بالبحث عن أنثى للفيل وأن تظل الاحتفالات قائمة وليسعد أهل القرية بذلك·
ولكن ضمير القرية لا يغفو··
أهل القرية غاضبون·· يبحثون عن وسيلة للصراخ··
والصوت مختنق·· والجميع أمام الملك في خوف وقهر واستعباد·
الصورة قاتمة ولكن···
تبدو الصورة قاتمة في النهاية، أو كأن النهاية دون حل أو خلاص وكأن هؤلاء الفقراء كتب عليهم المعاناة والخضوع للظلم ولا مواجهة ولا قدرة على المقاومة·
وتسدل الستارة وما زال أهل القرية في محنة كبيرة: من يمكنه أن يصرخ في وجه الملك ويقول له: أنت ظالم لأنك أطلقت الفيل يأكل حصادنا ويدمر بيوتنا ويقتل أطفالنا·
وحقا كنت أتوقع أن النهاية تأتي بطريقة منطقية فالفرد حين يعاني ويتألم يخرج الي الحياة منطلقا في أفق رحب ليثور ضد الظلم ويعانق الحرية وينفجر المكان·
كنت أتوقع أن ينفجر المسرح داخل ثانوية فهد الدويري ويثور أهل القرية على الملك ويقتلون الفيل وبذلك أشعر بالتطهير داخل روحي وأتنفس أريج الحرية·
ولكن جاءت النهاية مغايرة لتوقعات الجمهور··
استسلم أهل القرية··
وارتضوا الذل والهوان··
ولكنهم خرجوا علينا·· مندفعين الى المسرح لتحطيم الحاجز بين الجمهور والممثلين ويصرخون جميعا في وجوهنا:
- الفيل يا ملك الزمان·· الفيل يا ملك الزمان····· والعيون تنظر إلينا في ريبة وتحد·· وكأننا نحن أصحاب هذا الفيل أو كأن كل فرد من الجمهور هو الملك الظالم الذي أطلق حيوانه يجول بين ربوع القرية دون ضمير أو رحمة أو خوف على الناس·
وفجأة شعرت أني أكاد أكون قد ظلمت هؤلاء أو اغتلت مشاعرهم، أو ذبحت كرامة أحدهم، أو أني مارست الظلم في غيبة من هذا الزمان ولا بد أن أصحو وأتجرد وأنهض صوب نبع شمس أخرى· فالمسرح هنا ليس لحظة متعة أو استجمام ولكنه مسرح إثارة مشاعر واضطراب فكر الجمهور وقد لا نتوقع أن يخرج الجمهور ثائرا على الظلم بقدر ما نتوقع أن يثور على ذاته في أول الأمر·
تكثيف الرمز
ولذلك كان أفلاطون يستخدم كلمة التطهر في محاوراته ليصف انفعال الجماهير بالمسرحية حين يشاهدها وكان أفلاطون يقصد أن المسرح يطهر الناس من انفعالاتهم المكبوتة ومشاعر القهر والخوف بحيث يخرج الجمهور بعد المسرحية في حالة انسجام ورضاء تام وارتياح لأن الذي فشلوا في التصدي له في الحياة أمكنهم أن يحققوه على المسرح·
وكتب أرسطو عن التطهر في كتاب الشعر وأكد أن المأساة تطهر المشاهدين من الانفعالات الصاخبة والمشاعر المتطرفة حيث ينفتح وعي الجمهور ويستنير بمعاني المأساة التي تحدث أمامهم وما قد فشلوا فيه خلال حياتهم قام الآخرون به على المسرح·
مسرح سعد الله ونوس
في مسرح سعد الله ونوس ليس هناك مصطلح التطهر أنه يخالف أفلاطون وأرسطو وينحاز الى مسرح القسوة أو مسرح الكاتب الألماني بريشت الذي قال في بساطة: إن المسرح ليس مكانا للتطهر أو علاج المشاكل النفسية للجمهور وإنما المسرح تحريض للفرد ضد الظلم وعالم الخراتيت وعالم الأفيال والحيوانات· وكان يقصد بذلك أن المسرح ليس من مهمته أن يمنح المتفرج وسادة حالمة ليغفو عليها ويرتاح من عناء الحياة·
وكذلك يرى الكاتب المسرحي الروماني الذي عاش في فرنسا ويوجين يونسكو أن الدراما الحقيقية هي التي لا تتوافق مع المنطق لأننا جميعا منذ ولادتنا في موقف غامض وحياة ساخرة ولذلك يفترض فيما يعرض على المسرح أن يكون غريبا ومدهشاً ويثير سخط المتفرج ويكشف له شيئا عن ذاته وحياته وكلما تقدم العرض تزداد كآبة المسرح والمأساة·
وفي مسرحية: الخراتيت ليونسكو يقف البطل بيرنيجه وحيدا في مواجهة عالم الخراتيت· فالعالم مسكون بالوحوش والحيوانات المفترسة ولا أحد يستطيع مواجهة هذه الخراتيت ولذلك ترى الناس تأخذ شكل الخراتيت وتصبح كائنات مخبولة فماذا يفعل؟ هذا هو مسرح ونوس المستمد من يوجين يونسكو وصموئيل بيكيت وبريشت· مسرح لا يمنحك البسمة بقدر ما يمنحك النقمة على الفساد والضياع·
مسرح عصام الكاظمي
لا عجب أن يقرأ الأستاذ عصام الكاظمي مسرح ونوس والمسرح العالمي وهو فنان موهوب مسكون بعشق المسرح ويقف في مدرسته ثانوية فهد الدويري ليزرع شجرة الوعي·· والتحريض والمقاومة ويقف شامخا بعلمه وهو أحد المعلمين المثقفين في عصر كتب عليه الهشاشة والضحالة والهزيمة الفكرية·
ولكن الكاظمي قارئ ملتزم ومعلم مثقف ومخرج مستنير بقيم الحب والحرية والعلم وقد التف حوله مجموعة من طلاب المدرسة الذين يرمزون الى الجيل الجديد هذا الجيل الذي تعرف على الخلل السائد وشاهد انهيار القيم خارج المجتمع المدرسي·
ولكن هؤلاء الطلاب بقيادة معلمهم الفنان يشيدون صرح الثقافة ويزرعون وردة الأمل في حدائق ثانوية فهد الدويري ولا عجب فقد كان الدويري ذاته قاصا ملتزما بواقع مجتمعه ومتفاعلا مع القضايا الاجتماعية·
أكد الطلاب دورهم بقدرة فائقة على التعبير وكذلك الضوء الخافت في القرية والساطع في قصر الملك والملابس التي تمنحك إحساسا بالزمان والمكان إنه الإنسان في كل مكان وكل زمان·
دعم الثقافة والإبداع
وأستطيع أن أؤكد بأن نجاح هذا المسرح الملتزم في ثانوية فهد الدويري يعود أيضا الى جهود مدير المدرسة الأستاذ محمد حسن جاسم شاغولي الذي حول الثانوية الى أكاديمية للعلم والثقافة وقد أقيمت من قبل احتفالات ثقافية وندوات خلال الفصل الدراسي الأول والعام الماضي لتدعيم مواهب الطلاب وصقلها ورعايتها من خلال ما أتاحه مدير المدرسة من فرص كافية ليعبر الطلاب عن مشاعرهم ومواهبهم·
ولا يتوقف الأمر الى حد المسرح والندوات والأمسيات ولكن هناك دائما هذا المناخ الثقافي والعلمي الذي يحرص على تشجيعه مدير المدرسة مع إدارتها لاكتشاف المعلمين المبدعين والطلاب الموهوبين لإعادة تشكيل عناصر الحياة بالعلم والثقافة والفكر والحب لخلق جيل جديد لا يخاف أو يستسلم وإنما يتحدى ويقاوم ويزرع وردة في الصحراء جيل جديد يقول دائما لا في وجه الشر والفساد·