قاسم حداد:
ثمة أسطورة تقول إن جبلا كان يمضي أيام السنة متكئا على حافة الوادي، رأسه في الغيوم وأطرافه بلا تخوم، تضاريسه الصخور المسننة، تنكسر عليه الزوابع ولا يسمع الكلام، يرقب كائنات الطير والوحش والناس، لا يكترث لمن يحاول إبلاغه أنه يجلس في المكان الخطأ من الطبيعة ويفسد الحياة، ينقصف صوت الناس كأنه لا يغادر الحناجر، وكأن الجبل بلا آذان، أو هو لا يحسن الإصغاء، وكل ما يفعله، بين وقت وآخر، هو أن يعتدل في جلسته قليلا، دون أن يتزحزح عن موقعه شبرا، تتفاقم وطأته على الكواهل، ولا أحد يقدر على مخاطبة الجبل لهول ارتفاع قمته، مما يجعل آذانه بعيدة عن نحيب السفوح، حتى تجرحت الحناجر وتعبت الألسن وسئم المتكلمون، وأوشك اليأس أن ينال منهم·
وتقول الأسطورة إن أحد أطفال الوادي سأل أمه ذات يوم عن الجبل، فقالت له: إنه هناك يقبع وحده وحيدا في الأعالي، يمنع عنا الهواء في الصيف والشمس في الشتاء، يقف في طريق السفر ولا يسمح لأحد أن يأتي لزيارتنا، يدمر حقولنا بالسيول ويعاقبنا بحمم البراكين، منذ ولدنا ونحن نراه هناك، لا يكترث بنا ولا يعبأ، لا يصغي للتضرعات ولا يهتم بالحجة، فقال الطفل لأمه: لماذا لا تحاولون الصعود لتصلوا الى آذانه، فربما يكون ضعيف السمع بسبب الشيخوخة، فقالت له الأم: لا فائدة فإن الجبل شاهق والطريق إليه خطرة، ولا أحد يعرف الطريق الى أذنيه، بل إننا لا نعرف تماما ما إذا كانت له أذنان أصلا· فقال الطفل لأمه: لماذا لا بد أن تكون له أذنان، فكل كائن له أذنان، علينا أن نحاول الوصول الى هناك ونبحث عن أذنيه لنقول له الكلام· فردت الأم: لقد حاول الكثيرون ذلك، لكنهم كانوا يتعرضون للمخاطر، وبينهم من تعثرت قدماه وسقط في الوادي ميتا· فكر الطفل بعض الوقت، ثم سأل أمه: هل تعتقدين أن الجبل سوف يستجيب لما نريد إذا سمع كلامنا؟ فقالت الأم: الحقيقة أنني لا أعرف، فلم يحدث أن رأيت الجبل عن قرب، وليست لدي فكرة عن مزاجه· فقال الطفل: هل تكرهين الجبل يا أماه؟ فوجئت الأم بسؤال طفلها، وهزت كتفيها بحيرة وقلق: أكرهه؟ لقد تسبب في موت والدك· كان والدك من بين الذين حاولوا الصعود لإسماعه الكلام، فكان نصيبه السقوط الشنيع والتهشم بين الصخور الحادة، حتى أن أحدا لم يعثر على جثته لفرط ما أصابها من التلف، وتسألني عن الكراهية يا ولدي؟ يبدو لي أن هذا الجبل ليس فقط لا يسمع كلامنا، بل إنه لا يكاد يشعر بنا على الإطلاق، انصرف الطفل مهموما في غيمة الحزن، وبعد قليل عاد وقال لأمه: ولكن لا بد لنا من التفكير في طريقة لتوصيل الكلام اليه، علينا أن نجرب ثانية، فربما يصغي، أو أنه يتعلم الإصغاء لمرة واحدة على الأقل، فقالت الأم: هل تريد أنت أيضا أن يحدث لك ما حدث لأبيك؟ فقال: ليس تماما، ولكنني سأطلب من صديقتي الريح أن تحمل الكلام الى الأعالي، فالريح هي الوحيدة التي يمكنها أن تصعد الى هناك في خفة ورشاقة، ودون أن تتعرض للمخاطر، أليست الريح هي التي تحمل الطيور، إذن فإن حمل الكلام لا بد أن يكون أسهل بكثير، ضحكت الأم من خيال طفلها، وأوصته أن يفعل ما يريد مع صديقته الريح، لكن بعيدا عن الحماقات، فإنها لا تقوى على فقدانه مثلما فقدت والده من قبل، خرج الطفل من الدار متوجها الى ظاهر القرية، وصعد على إحدى الهضاب الصغيرة، ثم أخذ في محادثة صديقته الريح وهي تهب شمالا، فطلب منها المساعدة في مشكلتهم مع الجبل، وأن تصعد عاليا حتى تصل الى قمته، باحثة عن أذنيه لتخبره بما يعانيه الأهالي، أبدت الريح استعدادا طيبا، ووعدت صديقها الطفل بأنها ستفعل ذلك في القريب العاجل، فهرع الطفل الى ساحة قريته يخبر الأهالي أن الريح قبلت الصعود الى قمة الجبل ونقل كلامهم إليه، هزأ بعضهم من مزاعم الطفل، واعتبر البعض الآخر كلام الطفل ضربا من أحلام الأطفال وخيالهم الجامح، كيف يقدر الهواء على ما عجز عنه الرجال؟ لكن الطفل لم يهتم لذلك، وعاد الى داره في المساء لكي ينام، وفي صباح اليوم التالي، صعدت الريح الى قمة الجبل، ودارت حول قمته، فعثرت على مغارة صغيرة مهجورة لا يبدو أن بشرا وصل إليها من قبل، وما أن اقتربت منها حتى رأت العنكبوت قد نسجت في مدخل المغارة خيطوها الكثيفة، ولمحت جيشا من النمل وأنواعا شتى من الحشرات والسحالى تنساب في مدخل المغارة، بل إن سربا من الغربان كان قد ابتنى له أعشاشا قديمة هناك، زمجرت الريح واستدارت ضاربة فوهة المغارة بعاصفة جعلت خيوط العنكبوت تنحل والحشرات والسحالى تشرد مذعورة، وفرت الغربان بعدما رأت أعشاشها تتخرب وتتساقط من أطراف المغارة، فاقتربت الريح من بوابة المغارة مستكشفة المكان، فلم تجد سوى الصمت الموحش، فأعولت بصوتها القوي منادية الجبل أن يستمع إليها، تململ الجبل منزعجا للصوت الغريب الذي يخترق أذنيه للمرة الأولى، ثم التفت بقمته الشامخة نحو الصوت ليرى ما الذي يحدث في المكان الذي لم يصل إليه أحد من قبل، فلم ير شيئا أمامه، وعندما أراد أن يعتدل عائدا الي غفوته، نهرته الريح قائلة: انظر اليَّ، أنا الريح التي في الأعالي أكثر منك، لدي من القول ما يهمك وما يتوجب عليك أن تسمعه، فمن الحكمة أن يتعلم المرء الإصغاء، تعجب الجبل من كلام الريح، ولكن سرعان ما ابتسم وقال: هل عند الريح سوى الهواء؟ فقالت الريح: عليك إذن أن تصغي لهذا الهواء، لقد مضى من الوقت ما يكفي وأنت معلق هنا في وحدتك الموحشة، دون أن تسمع صرخات الناس في الوادي، جاهلا أو متغافلا عن الذي يدور حولك وتحت أحجارك، لماذا لا تصغي لكلامهم وهم يحاولون مخاطبتك طوال هذه السنوات؟ فقال الجبل: الناس!! ومن أين لي أن أسمعهم وهم هناك، كان عليهم أن يأتوا اليَّ هنا، فقالت الريح: كيف يأتون وأنت شاهق الى هذا الحد، لا تنحني ولا تحنو عليهم، ولا تتزحزح عن كواهلهم، صخورك السيوف وأذناك في الغرور؟ قال الجبل: هه، وماذا بوسعي أن أفعل، إنهم لا يستطيعون الصعود الي، وأنا لا يمكنني النزول، هل رأيت جبلا ينحني أو ينزل الى الوادي، إنها طبيعة الأشياء أيتها الريح، قالت الريح: ومن طبيعة الأشياء أيضا أن نصغي لما يريد الآخرون قوله لنا، قال الجبل: ما دمت قد نظفت أذني مما يعوقها عن السمع، فها أنا مصغ إليك، فبدأت الريح حديثها الى الجبل هادئة مرسلة نسيمها السلس، مهدهدة أطرافه، تداعب خصلاته الخضراء الناعمة المتدلية من خاصرته منسدلة على جوانبه، وأخبرته أن عليه أن يتحرك من موقعه لكي يفسح لغيره من كائنات الطبيعة مكانا تحتاجه، وقالت له إنه من الثقل والارتفاع بحيث يحرم الحقول من شمس الصباح، ويصد الهواء عن القوى الصغيرة التي يكاد الوادي أن يبتلعها لشدة القيظ في فصل الصيف، كما أنه يسد الطريق أمام القوافل، حتى كسدت التجارة، ويبست الزروع وجفت الضروع وبطل العمل، وبات الجوع يهدد الناس، وقالت له إن السيول التي تتحدر من جروفه بعد ذوبان الثلوج، تغرق القرى وتخرب حقولا يتعب عليها المزارعون طوال فصول الحرث والبذار، وكانت الريح تتوقف عن الكلام لحظة وتسأل الجبل ما إذا كان يسمعها، معتقدة أنه ربما استغرق في النوم، فيهز الجبل رأسه الشائب مؤكدا أنه لا يزال يصغي الى الكلام، فأكدت له إن الماء العذب الذي يرسله النهر الى الأرض لا يصل الى حقول المزارعين ليرويها، مما يحرمهم من الخير الوفير، حيث تنحرف الجداول، عندما تصطدم بصخورك العاتية، فتهدر في البحر البعيد دون أن يستفيد منها أحد، وقالت له إن هذا يسبب لناس الوادي عذابا عظيما، لأنهم يضطرون لحفر آبار صغيرة سرعان ما تنضب، عند ذلك اعتدل الجبل في جلسته، كمن يسمع كلاما غريبا للمرة الأولى فقالت له الريح: لا تقل لي أنك لم تكن تعرف كل هذا من قبل، فارتبك الجبل قليلا، ودمدم مثل شيخ يتقدم في السن فجأة، ثم قال: ليس تماما·· ليس تماما، لكنهم كانوا يعبثون بي ولا يحترمون هيبتي وسلطتي فيهم، فقالت الريح: لم يكن ذلك عبثا، لقد كانوا يبعثون برسائلهم إليك فلا يلقون غير بطشك، ماذا تنتظر من بشر يفقدون الأمل· على أية حال ها أنا أخبرتك بالأمر، ولك الآن أن تقرر ماذا ستفعل، فلا أحد يعرف كيف ستجري الأمور بعد ذلك، إن لهؤلاء الناس أطفال يمتلكون من الأحلام والخيال ما يجعل المستقبل مأزقا بالنسبة إليك، انتفض الجبل غاضبا: هل أعتبر هذا تهديدا؟ فردت الريح: ليس هذا ما عنيت، ولكن الحق أقول إني أنقل لك هذا الكلام لأني أحبك، وأحب الطفل الذي كلفني بذلك، وهو واحد من أطفال لا يحصون هناك، مما يجعلني أشير الى المستقبل، إن كان ثمة مستقبل يعنيك، فمن يدري، ربما تكون قد أصبحت ضربا من ذكريات الماضي، إلا إذا تعلمت أن فن الإصغاء هو أحد أعمدة الحكمة في الحياة·
تتوقف الأسطورة هنا، لنجهل بقية الحكاية، فالمخطوط القديم الذي نقلت عنه هذه الأسطورة كان مهترئ الأوراق، سقطت منه الحواشي في كثير من المواقع، لكنها أسطورة، والأسطورة لا تنتهي في الكتب، لكنها تكتمل في حياة البشر·
(عن جهة الشعر)