رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21 محرم 1426هـ - 2 مارس 2005
العدد 1667

الأمريكيون استعانوا بخبراء إسرائيليين للتحقيق مع سجناء أبو غريب
صهاينة البنتاغون يخدمون إسرائيل تحت مسمى "محافظين جدد"

                          

 

·       هيرش ألقى بالمسؤولية كلها عن فضيحة أبو غريب على رامسفيلد لحماية زملائه الصهاينة في البنتاغون

·        تهميش بول وولفويتز أول دلائل تراجع أسهم صهاينة البنتاغون

·        سياسة اجتثاث البعث استهدفت تدمير قدرات العراق وبنيته الصحية والتعليمية

·      مجموعة استخباراتية تابعة لدوغلاس فيث هي التي أقنعت إدارة بوش بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل

 

بقلم: جيمس بيتراسü

حين قرأت تقرير سيمور هيرش في مجلة نيويوركر حول التعذيب في العراق المحتل تبين لي أنه لم يكن بحثا شاملا يكشف كبار المسؤولين عن سياسة التعذيب، بل كان شهادة انتقائية يقودها سؤال انتقائي حول مسؤولين مختارين· ومن الواضح لكل من يقرأ التقرير أن هيرش قد بنى فرضيته برمتها حول تورط مسؤولين أمريكيين باستخدام التعذيب في التحقيق على شخص واحد هو وزير الدفاع دونالد رامسفيلد· وهو أمر - مع أهميته - تجاهل كبار مسؤولي وزارة الدفاع الذين كان لهم تأثير بالغ ويتحملون مسؤوليات كبيرة عن سياسة الحرب وبناء أجهزة الاستخبارات وتنسيق الاستراتيجيات والتكتيكات أثناء الاحتلال· لقد كان رامسفيلد جزءا من النخبة التي أجازت وشجعت على اللجوء لأساليب التعذيب، فقد تعمد هيرش طوال شهادته إلغاء دور الصهاينة، من أمثال بول وولفويتز الرجل الثاني في البنتاغون ودوغلاس فيث الذي كان يحتل المرتبة الثالثة، الذين دعموا وحرضوا على الحرب وعلى استخدام التعذيب أثناء التحقيق، وكذلك الخبراء الإسرائيليين الذين نظموا الحلقات الدراسية لتعليم الاستخبارات العسكرية الأمريكية تقنيات التعذيب أثناء التحقيق التي يستخدمونها مع المعتقلين العرب على مدى أكثر من نصف قرن·

وفي معرض بحثه عن مصادر توثيق للتعذيب، يعتمد هيرش على نصوص أكاديمية وكتيبات لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي· آي· إيه" تعود الى عشرين عاما مضت، وليس على ممارسات يقوم بها الإسرائيليون على نطاق واسع حاليا ويتورط فيها مستشارو جهازي المخابرات الإسرائيليين الداخلي "شين بيت" والخارجي "موساد" في كل من فلسطين والعراق الآن·

 

صبغة شيطانية

 

ويقدم الإعلام الأمريكي هيرش باعتباره صحافيا يعرف بمهاجمة المؤسسات التقليدية واعتماد أساليب البحث والتدقيق في كتاباته، وهو الدور الذي يعطي تقاريره قدرا كبيرا من المصداقية ومع ذلك لقد كان هيرش هو الذي دافع علانية عن تعذيب المشتبه فيهم وأفراد من عائلاتهم كوسيلة للاستجواب مستشهدا بالأساليب الإسرائيلية، غداة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتبرير التعذيب بالطريقة ذاتها التي يبرر فيها البنتاغون الآن، تعذيب المتهمين العراقيين، وبدلا من الاستشهاد بأستاذ مغمور في جامعة شيكاغو، كان يتعين على هيرش الاستشهاد بأستاذ القانون بجامعة هارفارد (وهو صهيوني أيضا) آلان ديرشوتيز الذي يدافع عن التعذيب والذي يحبذ المسؤولون المدينون في البنتاغون القراءة له·

لقد فشل هيرش في شهادته في تقديم السياق السياسي للاستخدام المنتظم للتعذيب في عمليات التحقيق بالنسبة الى البنتاغون وإسرائيل· إن فهم مسألة ممارسة الولايات المتحدة للتعذيب والمعاملة العنيفة للسجناء والمدنيين العراقيين يتطلب تمحيصا في نهج أيديولوجي يضفي صبغة شيطانية على العراقيين والعرب ويقدم دعما سياسيا وعسكريا أمريكيا غير مشروط لدولة إسرائيل التي تمارس - منذ زمن طويل - شتى أشكال التعذيب ضد العرب، ويمكن للمرء أن يجد تشويه سمعة العرب والمسلمين في الشرق الأوسط بصورة منظمة، في كتابات وخطابات عدد من أبرز المنظرين الأيديولوجيين الصهاينة الذين يعيشون في الولايات المتحدة من أمثال دانيال بايبس الأب والابن وديفيد كريستول الجد والحفيد وكيغان الأب والابن وإليوت كوهين الأب والابن وغولدهاغن الأب والابن وغيرهم· والخطوة الأولى باتجاه تبرير التعذيب هي في نزع الصفة الإنسانية من الضحية ووصمها بالوحشية والعنف· وقد كان صهاينة الولايات المتحدة يحذون حذو رعاتهم في إسرائيل الذين يرددون دائما أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة وقد فعل ذلك كل من شارون وغولدمائير وموشيه دايان وإسحق رابين وغيرهم·

وقد نجح صهاينة البنتاغون في إثارة الكراهية ضد العرب بطرق مختلفة· أولا، أنهم يتعمدون - في سياق دفاعهم عن إسرائيل - إخفاء الطبيعة الاستعمارية للحرب التي تخوضها وإلقاء اللوم على الضحايا الفلسطينيين عن أعمال العنف التي تمارسها إسرائيل ضدهم·

ويقوم هؤلاء الأيديولوجيون بالدفاع عن كل فعل ترتكبه إسرائيل مثل مجزرة جنين وبناء المستوطنات الجديدة في الأراضي المحتلة والهجمات الدموية على مدينة رفح وقتل عمال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة ونشطاء السلام، وبناء الجدار الفاصل الذي يحشر الشعب الفلسطيني في غيتوهات وعمليات القتل الجماعي لمئات الفلسطينيين، وهدم آلاف المنازل في غزة، لقد خلق العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين انطباعا عميقا على صهاينة أمريكا الذين يعممون ويعمقون عداءهم للمسلمين العرب في شتى أرجاء الشرق الأوسط، وخصوصا في العراق حيث أتيحت لهم الفرصة للتعبير عن عدائهم وكراهيتهم للمسلمين·

 

الصهاينة والتعذيب في العراق

 

المصدر الرئيسي لاستخبارات ودعاية البنتاغون لغزو واحتلال العراق كان في جزء منه مأخوذا من "مكتب الخطط الخاصة" و"مجموعة تقييم مكافحة الإرهاب" اللتين أسسهما دوغلاس فيث المعروف بأنه صهيوني متطرف وبدعم قوي من وولفويتز وإبرامز ورامسفيلد· وقد عين فيث زميله الصهيوني أبرامز شوليسكي مديرا لـ "مكتب الخطط الخاصة"· وقد تجاوز "مكتب الخطط الخاصة" وكالات "سي· آي· إيه" العسكرية والاستخبارات وحصلت على الاستخبارات الخاصة لها قبل الحرب وأثناء المراحل الأولى للاحتلال، ومع تصاعد فعالية المقاومة العراقية، وبعد أن تبين أن المبرر الأمريكي لشن الحرب وهو امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل، كان من اختلاق "مجموعة الخطط الخاصة"· وبعد ذلك أصدر رامسفيلد ومساعدوه من الصهاينة أوامرهم لتكثيف وتوسيع عمليات التعذيب ضد كل العراقيين المشتبه فيهم في السجون، إنها عملية تبسيط خطيرة أن يقال أن حظ القيادة قد اقتصر على رامسفيلد، في وقت كان فيه كل من وولفويتز وفيث وإبرامز منخرطين في رسم السياسات اليومية المتصلة بالحرب والدفاع عن الاحتلال والتحكم بالمعلومات الاستخبارية·

وقد كان هؤلاء المتعصبون الصهاينة أكثر حماسا من رامسفيلد في الدفع باتجاه استخدام وسائل التعذيب الإسرائيلية ضد السجناء العرب والإشادة بالنجاحات الإسرائيلية في التعامل مع العرب· وهم وليس الاستخبارات العسكرية، الذين شجعوا على الاستعانة بخبراء إسرائيليين في عمليات التحقيق، وشجعوا على تنظيم حلقات بحث إسرائيلية في حرب المدن وأساليب الاستجواب، ثم تنظيمها لضباط أمريكيين وشركات مقاولات خاصة·

ولم يشر هيرش في تقريره الى شيء من مسؤولية صهاينة البنتاغون في تعذيب السجناء العراقيين، فهو يتغاضى عن ذلك عمدا من أجل إبعاد الضوء عن هؤلاء الصهاينة وعن إسرائيل وإلقاء اللائمة بالكامل عن جرائم الحرب، على كاهل رامسفيلد·

 

نظرة عن قرب لنهج هيرش

 

إن قراءة سلسلة مقالات هيرش في مجلة "نيويوركر" سوف تكشف أسس منطلقاته السياسية والتي ليس لأي منها علاقة بالقيم الديمقراطية أو الاهتمام بحقوق الإنسان·

فالهم الرئيسي عنده أن أوامر رامسفيلد باللجوء الى التعذيب أدت الى إعاقة عمليات مجموعة النخبة المكونة من رجال كوماندوز حرفيين متورطين في برنامج سري خاص مصمم للقتل والخطف والتعذيب للمتهمين بالضلوع في الإرهاب في شتى أنحاء العالم·

بمعنى آخر، فبإقحام الآلاف من الجنود الأمريكيين في عمليات التعذيب يكون رامسفيلد قد عرض للخطر عملية القتلة المحترفين في جميع أرجاء العالم· والهم الثاني بالنسبة الى هيرش هو أن الكشف عن عمليات التعذيب سيلحق الضرر بالحرب الأمريكية على الإرهاب، أي أنه ألقى باللائمة كلها عن تعريض آفاق بناء إمبراطورية للخطر، على عاتق رامسفيلد وحده، وهذا أمر خاطئ، فتركيز هيرش على مسألة الإمبراطورية تجعله يرفض الاعتراف بالحقوق الأساسية للشعوب بتقرير مصيرها وبالقانون الدولي، والهم الثالث لهيرش على ما يبدو هو تجاوز رامسفيلد لوكالة المخابرات المركزية "سي· آي· إيه" ووكالات المخابرات الأخرى ومحاولة التلاعب بالمعلومات الاستخبارية، وهذا استنتاج ساذج·

فقد أقام وولفويتز وفيث وكالة خاصة للاستخبارات التي زودت رامسفيلد بالمعلومات الاستخبارية المفبركة·

وقد قاما بالترويج لأحمد الجلبي (المعروف على نطاق واسع لدى الدوائر الاستخباراتية الأمريكية أنه ليس جديرا بالثقة)· باعتباره مصدرا لا تشوبه شائبة، للمعلومات الاستخبارية من داخل العراق، وكانا يعلمان مقدما أنهما كانا يزوران الإدارة بمعلومات زائفة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم تكن موجودة· وكما اعترف وولفويتز في وقت لاحق وبطريقة عبثية بأن قرار شن الحرب على أساس امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، إنما كان يعود الى أن هذه هي القضية الوحيدة التي كان يمكن الاتفاق حولها·

 

اجتثاث البعث

 

وهيرش ليس غبيا، فهو يعرف ما يعرفه الجميع في واشنطن وخارجها وهو أن الصهاينة في البنتاغون كانوا يدفعون باتجاه الحرب على العراق قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر (بل حتى قبل أن يصلوا الى السلطة وكانوا يعملون مع الدولة العبرية)· وكانوا يعقدون العزم على أن تقوم الولايات المتحدة بتدمير العراق بأي ثمن حتى لو كان من أرواح الجنود الأمريكيين والعجز في الميزانية الفيدرالية وتعريض مصالحنا النفطية للخطر وإلحاق الضرر بمصالح الولايات المتحدة في العالم·

لقد قاموا بالغزو متجاوزين القيادة المركزية للقوات الأمريكية من خلال التزوير المتعمد لردة فعل الشعب العراقي المقهور على الغزو المحتمل حين روج وولفويتز وبيرل أن الشعب العراقي سوف يستقبل الأمريكيين كمحررين، وكانوا عازمين على تدمير الهياكل المدنية والحكومية تحت مسمى اجتثاث البعث من أجل تقويض قدرة العراق - والى الأبد - على تحدي هيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط·

ولم يستكشف أي من أسئلة هيرش هذه الحقائق المعروفة جيدا حول من هو المسؤول عن الجرائم التي ارتكبت ضد العراقيين، فلم يكن هيرش بحاجة الى الاستشهاد بمصادر استخبارية (لم يسمعها) في البنتاغون أو الـ "سي· آي· إيه"· فقد علم بخطط الصهاينة في البنتاغون الجنرال أنطوني زيني، كما علمت بذلك "سي· آي· إيه" والقيادة المركزية، وعرفوا بدور فيث في عمليات التعذيب في العراق· ولكن هيرش تجاهل كل هذه المسائل، وتجاهل دور الصهاينة ومناصريهم الأيديولوجيين ومستشاريهم الذين فعلوا كل ما هو ممكن لتقويض أي إمكانية لتعافي الاقتصاد العراقي وسيطرة العراقيين على أمورهم التعليمية والصحية ونظامهم الانتخابي·

لقد استهدفوا من خطة اجتثاث البعث تحويل العراق الى قبيلة متخلفة ودولة صحراوية مقسمة يحكمها ربيبهم أحمد الجلبي، المرشح الوحيد الذي سيعترف بإسرائيل ويزودها بالنفط ويؤيد اندماجا شرق أوسطي تحت الهيمنة الإسرائيلية·

لقد نجح صهاينة البنتاغون في دفع الإرادة الى الحرب ونجحوا في تدمير الخدمات الاجتماعية الرئيسية في العراق، ودمروا المحاكم والجيش والوظائف· وفي خضم خضوعهم الأعمى لإسرائيل، تجاهل هؤلاء حقيقة أن أفراد الجيش المنحل والجهاز الوظيفي المسرح سوف يصبحون جزءا من المقاومة المسلحة وبأنه سيتعذر حكم العراق وأن سلطة الولايات المتحدة سوف تتهاوى وأنها ستغرق في حرب سياسية خاسرة وأن النظام الدمية الذي ستنصبه في بغداد لن يمتلك الشرعية ولا التأييد الشعبي، لقد فعل صهاينة البنتاغون ما يعتقدون أنه الأفضل لإسرائيل حتى لو أثار معارضة واسعة حول العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة حيث تحولت الأغلبية ضد احتلال العراق مع حلول شهر مايو 2004، وقد صفقت مجموعة الضغط اليهودية الأكبر في الولايات المتحدة "إيباك" وحدها لبوش وإدارته في مواصلة احتلال العراق وتأييد حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، وحين برزت المعارضة الشعبية للحرب داخل الولايات المتحدة، بدأ فيث ومجموعته بالترويج لاستخدام التعذيب ضد السجناء العراقيين· وقد شجع هو ورامسفيلد على استخدام أساليب التعذيب الإسرائيلية· وفي هذه الأثناء، قامت القوات الأمريكية بتجريب دعوة كيغان لضرب الشارع العربي ولكنها فشلت في ترويع المقاومة العراقية·

 

تكتيك ذكي

 

إن تركيز هيرش على رامسفيلد باعتباره المجرم الوحيد من كبار المسؤولين قد جاء في وقت فشلت فيه السياسة الأمريكية وبدأ كبار المسؤولين الاقتراب كثيرا من الإشارة الى الدور الذي لعبه صهاينة البنتاغون في ذلك· لقد كان ذلك تكتيكا ذكيا جزئيا، فقد أصبح رامسفيلد ممقوتا من قبل الكونغرس وفي أوساط العسكريين والعامة بسبب أسلوبه المتعجرف وسياساته· وحتى في معرض فضحه لرامسفيلد فقد فعل ذلك بطريقة تتيح الفرصة لزملائه الصهاينة أن يحتفظوا بمناصبهم·

ويبرر هيرش بعض أعمال رامسفيلد الإرهابية غير المشروعة من خلال وصف العقبات القانونية أمام تصفية الإرهابيين·

إن تأييد هيرش للجوء رامسفيلد لعمليات الاغتيال والخطف وتعذيب المشتبه فيهم في مناطق مختلفة من العالم هو في الواقع، وسيلة لمباركة استخدام هذه الوسائل بعد أن يترك رامسفيلد وزارة الدفاع، فإذا ما استقال رامسفيلد، فسوف تتواصل عمليات التعذيب تحت قيادة زملائه من أمثال وولفويتز وفيث· ويكشف هيرش عن اسم ستيفان كامبوني الذي قال إنه كان متورطا بعمق في عمليات تعذيب السجناء أكثر من فيث· فكيف إذن يسمح صحافي محترم لنفسه بأن يدين رامسفيلد ومسؤول في المرتبة الخامسة ويتجاوز عن مسؤولية مسؤولين في المرتبة الثانية والثالثة في وزارة الدفاع هما زميليه الصهيونيين وولفويتز وفيث، وهما المسؤولان بالفعل عن رسم سياسات الوزارة؟

 

مهمات قذرة

 

ويتهم هيرش، كامبوني بالدفاع عن الحرب على العراق (وهو المسؤول الذي يسبقه كل من وولفويتز وفيث وبيرل وإبرامز)، ويزدري "سي· آي· إيه" التي ينظر إليها صهاينة البنتاغون بأنها شديدة الحذر، كما يهاجم الوكالة لفشلها في العثور على أسلحة الدمار الشامل· وبما أن كامبوني كان يعمل تحت قيادة وولفوتيز وفيث، فقد كان ببساطة، يردد ما يريدان سماعه، ولهذا السبب - ربما - عهدا إليه بالمهمات القذرة المتمثلة بانتزاع المعلومات من المعتقلين باللجوء الى التعذيب·

ويحاول هيرش أن يربط اسم كامبوني بتوسيع ممارسات التعذيب بصورة انتقائية، التي جرت في إطار "برنامج الوكالة الخاص"· الذي كان يعمل قبل تولي كامبوني منصبه وكانت عملياته تخضع لتوجيهات رامسفيلد وولفوتيز وفيث وإبرامز· وأشار هيرش الى أن تاريخ بدء عمليات التعذيب هو في أغسطس 2003 ومع تولي كامبوني والميجور جنرال ميلر (من غوانتنامو)، ليس صحيحا·

فقد بدأت قبل ذلك تحت إشراف "برنامج الوكالة الخاصة" SAP وبواسطة محققين تلقوا تدريباتهم في إسرائيل· وبالإضافة الى ذلك، أمر البنتاغون (وعلى رأسه رامسفيلد وولفوتيز وفيث) ميلر باستخدام التعذيب على معتقلي غوانتانامو، ثم نقلوه الى العراق كمكافأة على جهوده الاستثنائية هناك· ولم يحاول هيرش استكشاف الصلة بين ميلر ورامسفيلد وولفوتيز وفيث قبل أن يذهب الى العراق· بل إنه يكبح التحليل عند منتصف الطريق ويلقي بالمسؤولية على عاتق المسؤولين من مستوى منخفض مثل كامبوني وميلر والمحققين والجنود· وفي هذا الإطار يخرج علينا هيرش بتحقيق صحافي انتقائي، فهو يفضح البعض ولكنه يتستر على أولئك الذين حرضوا على الحرب ووجهوها بطريقة تخدم مصالح إسرائيل، أما ثمن ذلك من حياة الجنود الأمريكيين وسمعة الجنود الذين أجبروا على ممارسة التعذيب، فلا يحظى باهتمام كبير من صهاينة البنتاغون·

وحتى بعد فضح كل قصص التعذيب والقتل والاغتصاب، شن بعض المتعصبين الأيديولوجيين من أمثال كريستول وكروثامر وروبين وبيرل وكيفان وفرام الهجمات على الرئيس بوش بسبب لين موقفه تجاه الحرب على العراق·

 

هجوم معاكس

 

والآن، يواجه صهاينة البنتاغون الانتقادات، وفي ظل التعثر الأمريكي في العراق حاليا، فقد بدأ التحالف المناهض للصهاينة في وزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية و"سي· آي· إيه" وغيرها من الإدارات الحكومية، هجوما معاكسا· فقد أشار الجنرال انطوني زيني والسيناتور فيرتس هولدنغز وزعماء سياسيين ودبلوماسين وعسكريين بارزين في كشف الدور الذي لعبه صهاينة البنتاغون في شن الحرب على العراق وتوجيهها لمصلحة إسرائيل·

وكانت أحدث وأوضح خطوة في هذا الاتجاه، تهميش أحمد الجلبي الموالي لإسرائيلي وربيبه وولفوتيز وفيث وإبرامز· وكذا كان قرار واشنطن الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن على العملية الإسرائيلية في رفح مؤخرا· وردا على ذلك، نددت المنظمـــات والمنشــورات اليهودية الرئيسية في الولايات المتحدة، بمنتقدي صهاينة البنتاغون·

وقد بذل هيرش - دون جدوى - محاولات لإلقاء اللوم كله على مسؤولين غير يهوديين في البنتاغون وهما رامسفيلد وكاربوني·

وبسبب السطوة الصهيونية داخل وخارج الحكومة، فقد لجأ التحالف المناوئ لهم وأنصاره باستخدام كلمات رمزية من أمثال "المحافظين الجدد" التي يعرف الجميع أنها تعود الى وولفوتيز وفيث وإبرامز وبيرل وغيرهم من الصهاينة داخل وخارج الحكومة· وبدأت المؤسسات الصهيونية مثل "إيباك" و"العصبة المناهضة للتشهير" وغيرهما تتحسس الخطر على جماعاتها، فبدأت تصنف منتقدي "المحافظين الجدد" باعتبارهم "معادين للسامية" وأخذوا يحرضون أعضاء الكونغرس والإعلام وآلتهم الدعائية ضدهم بهدف إسكاتهم وإجبارهم على الاستسلام·

ولكن التحالف المناهض لصهاينة البنتاغون بدأ له تأثير على الرئيس بوش الذي يصر على تسليم سلطة رمزية لشيعة العراق ضمن لعبة ماكرة لوزارة الدفاع، وقد بدأ الصهاينة بقيادة كيغان وكريستول بانتقاد الرئيس باعتباره "خائنا" و"جبانا لتراجعه في موضوع العراق·

وتهدد صور التعذيب التي شوهت صورة السياسة الأمريكية في العراق، بعزل المتعصبين الصهاينة· ولكن الذرائعيين الصهاينة من أمثال هيرش الذين وجدوا أنفسهم في الزاوية بسبب انتقادات العالم المتحضر، حاولوا حصر المسؤولية برامسفيلد وكامبوني وقلة من الجنود، وهو ما فعله السيناتور جوزيف ليبرمان أمام مؤتمر إيباك بعد أن أثنى على قرار بوش شن الحرب غير مكترث بما جلبته من ويلات ودماء وتعذيب·

لقد ربط رامسفيلد - بدهاء - مصيره بشركائه الصهاينة في البنتاغون وخارجه على أمل التدثر بعباءة اللوبي الصهيوني القوي وزعمائه في إسرائيل· وفي النهاية ليس لرامسفيلد حلفاء خارج هذه الدائرة·

 

خاتمة

 

في التحليل النهائي، حتى لو أجبر وولفوتيز وفيث وإبرامز وليبي ومجموعة الصهاينة الآخرين في البنتاغون، على الاستقالة، فإن ذلك لن يكون سوى نكسة موقتة للمحافظين الجدد (الصهاينة في الإدارة)، فالمنظمات السياسية الصهيونية تبقى متماسكة وتأثيرها على الكونغرس يظل كاسحا، ولديهم تعهدات من مرشحي الرئاسة أن قضية إسرائيل هي قضية الولايات المتحدة، فقد حرص الصهاينة في إدارة بوش على فرض عقوبات ضد سورية وضرب المنشآت النووية الإيرانية، وإذا لم يكن هناك تهديد للولايات المتحدة، فإن مجموعة الصهاينة في السلطة قد تخلق مثل هذا التهديد·

وما على الذين ما زالوا ينكرون السلطة التي يتمتع بها الصهاينة في مجال السياسة الخارجية، سوى قراءة نص المؤتمر الصحافي لـ "إيباك" في واشنطن في شهر مايو 2004· ففي الوقت الذي كانت إسرائيل تقتل الأطفال في شوارع رفح وتدمر مئات المنازل تحت أعين العالم المتحضر المرتعش خوفا، وحين تجرأ مجلس الأمن على التنديد بالجرائم الإسرائيلية بالإجماع، تعهد زعماء الكونغرس والمرشحان لانتخابات الرئاسة بتقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل، مما أثار غبطة صفوة اليهود الأمريكيين من مستثمرين وأطباء ومحامين·· إلخ· لقد ردد مقولة قضية إسرائيل هي قضية أمريكا، كل مرشح في وقت كانت إسرائيل تهدم منازل الفلسطينيين ويقوم القناصة الإسرائيليون باصطياد الفتيات وهن في طريقهن الى المدارس· وكأن شارون أراد أن يظهر قوة صهاينة إدارة بوش حين تزامنت عمليات التدمير والقتل في رفح مع انعقاد مؤتمر "إيباك"، والظهور المقزز للسياسيين الأمريكيين الذين عبروا عن دعمهم لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية·

ولم يرتفع صوت واحد ولو باحتجاج خجول· وليس صحيحا الزعم بأن الصهاينة يشكلون مجموعة ضغط من بين الكثير من المجموعات، وإلا كيف يمكن لأهم القادة السياسيين الأمريكيين أن يقدموا الدعم غير المشروط لإسرائيل في حرب الإبادة التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني·

ومن المثير ملاحظة الارتباك والتلعثم على وجه الساسة الأمريكيين بينما يقوم شارون بعمليات القتل والتدمير في رفح· ولكن هذه لحظة مكللة بالإهانات أكثر من أي وقت في التاريخ الأميركي، لأولئك الذين يؤيدون سياسة خارجية متوازنة ومناهضة للامبريالية·

وهو أمر ليس كذلك بالنسبة لصهاينة البنتاغون وغيرهم من صهاينة الولايات المتحدة من أمثال هيرش·

 

ü بروفيسور سابق في علم الاجتماع بجامعة بينغهامتون في نيويورك وشارك في تأليف كتاب "كشف قناع العولمة"

" عن: الجزيرة "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

طباعة