
· رغم أنني ضحكت إلا أن هذه ليست أشياء مضحكة.. إنها مأساة.. مأساة ما نعيشه هنا
· دفع أغاخان جائزة لترميم سوق الخليل الأثري ودمره الإسرائيليون خلال يومين!
· كيف يطلب منك أن تفاوض وبيتك يهدم، والهجوم عليك لا يتوقف؟
· الجدة "جبجي" اليافاوية ما زالت تتحدث عن أزهار فلسطين
· حيث يهيمن اللامعقول والعبث لا بد من عاقل يستطيع رسمهما بدقة ولا يفقد رأسه
راكيل كوك*
تحولت ملحوظات لاذعة ورسائل الكترونية مختصرة وذكية كتبتها معمارية فلسطينية عن حياتها مع حماتها في "رام الله" الى كتاب ناجح في لغات عدة ما عدا اللغة العربية، الكتاب يكشف ببساطة وعمق وشفافية، عن محنة حياة الفلسطيني اليومية تحت الاحتلال وعن العبث واللامعقول اللذين يطبعان هذه الحياة بطوابعهما·
أصبحت حياة الحماة السيدة ماري جبجي، البالغة من العمر 93 عاما، محط اهتمام، واحتلت مكانة المرأة التي اكتسبت شهرة منذ وقت قريب، ولكن ما يشعر زوجة ابنها سعاد عميري بالسرور الى حد ما، أن حماتها غير واعية بهذه المكانة التي احتلتها حتى الآن، فقد أحاط بها في شقتها في رام الله أفراد فريق تلفازي، وجاء إليها صحافيون، (معرضون للقتل في أية لحظة لأن شرفة الشقة تطل على قبر ياسر عرفات الداكن اللون) ليستطلعوا عن قرب حياة هذه الإنسانة التي كانت محور كتاب زوجة ابنها·
انصب الحديث في معظمه على هواية السيدة جبجي المحببة: التطريز· قالت بفرنسية عتيقة، لا بد أنها تعلمتها خلال منفاها القسري في بيروت: "انظري·· أنها أزهار فلسطين"، وعرضت عليّ نقوشا ورسوما لأزهار الأوركيد والليلك والورد وأوراق النبات، وتعلق زوجة ابنها وهي تتناول حبات لوز حلوة ضاحكة أنها شديدة الاعتزاز بأزهارها"·
من يافا
عاشت ماري جبجي لاجئة طيلة أكثر من نصف سنوات عمرها· ففي العام 1948 غادرت بيتها في "يافا" على ساحل ما يعتبر الآن إسرائيل في رحلة فكرت آنذاك أنها ستكون مجرد إجازة قصيرة، ولكن، ولسوء الحظ، وبينما هي بعيدة عن بيتها، احتل الإسرائيليون "يافا" واستولوا على بيتها، وهكذا وجدت ماري نفسها بلا مأوى ولا دولة·
في البداية أقامت في بيروت ثم رحلت لاحقا وبعد بضع سنوات الى رام الله في فلسطين الشرقية أو ما يعرف الآن باسم الضفة الغربية، حيث تعيش حتى الآن، ولهذا ليس غريبا أنها لم تكن قادرة أبدا على نسيان ما خسرته، فكل شيء يذكرها بيافا·
وسمعتها تقول وهي تقدم لنا وجبة العشاء: "هذا هو طعامنا الذي كنا نطبخه في "يافا"·
لقد ظلت غريزتها المنذرة حاضرة تحت شتى الظروف القاسية وبخاصة في حياة معرضة للنيران، فمن يدري ماذا سيحدث إذا لم تظل يقظة؟ في العام 2002 حين اجتاح الجيش الإسرائيلي رام الله، وبدأ يهدم مجمع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وتحويله الى أنقاض، استلزم أمر إخراج السيدة جبجي وإقناعها بمغادرة البيت جهودا كبيرة من قبل عائلتها المصابة بالفزع، فغادرت رغم طابور الدبابات الذي كان يمتد أمام بيتها·
تقول "جبجي" مترددة "هل آتيك بثوبي البنفسجي؟" أو "هل ترغبين بشراب ليمون؟" أو "أليس علينا أن نسقي النباتات؟"· في هذا الوقت بالذات، الوقت المظلم (بالمعنى الحرفي أيضا حيث كانت الكهرباء تنقطع في غالب الأحيان) ألقيت بذور شهرة السيدة جبجي التي لم تكن ممكنة، وبدأت تنمو، ففي هذا الوقت جاءت لتقيم مع زوجة ابنها المعمارية "سعاد عميري"، وفي هذا البيت ظلتا عالقتين خلال ساعات منع التجوال الطويلة، وقضت ماري أيامها في صناعة مربى الفواكه·
كتاب فريد
خلال هذا بدأت زوجة ابنها بكتابة رسائل الكترونية كئيبة ومرحة وإرسالها الى أقربائها وأصدقائها، كانت تريد منهم أن يعرفوا كيف هي الحياة في مدينة أصبحت سجنا كبيرا بالغ القسوة، وأحب أصدقاؤها هذه الرسائل، وبدأوا يتلهفون على وصولها، وسألها أحدهم، وهو إسرائيلي الجنسية، عما إذا كانت ستقدم على نشرها، واستغربت "سعاد" كما تقول، ولم تفهم مغزى السؤال، فهي لا تجيد التعبير عن نفسها إلا بالكاد، ولم تنظر الى نفسها ككاتبة أبدا·
إلا أن يوميات رام الله التي كتبتها ظهرت بعد ذلك مباشرة، وكاملة في مجلد باللغة العبرية حاملة عنوان "شارون وحماتي"، ولقيت اليوميات نجاحا تجاريا وإشادة نقدية· ومنذ صدور اليوميات وحتى الآن تمت ترجمتها الى 11 لغة· والمفارقة هي أن العربية لم تكن بينها حتى هذه اللحظة، وهو ما يعني أن حماتها لم تقرأ الكتاب بعد·
نشر الكتاب في بريطانيا في هذا الشهر، وتنافس على نشره ناشرون في أمريكا، وصار في فرنسا كتابا رائجا، ونالت مؤلفته في إيطاليا جائزة "فيريجيو" المهمة وهي جائزة نالها كبار الكتاب من أمثال ايتالو كالفينو وبريمو ليفي وامبرتو ايكو·
إن وجود هذه الشهية لكتاب عن قضية هي الأكثر جدية، أي قضية الاحتلال، لهو نوع من المفاجأة بالنسبة للقارئ، ولكن الأمر لن يكون كذلك بعد أن يلتقطه ويبدأ بقراءته·
الكتب التي تتناول فلسطين تقع عادة تحت صنفين، فهي إما من النوع السياسي الممل، إن لم يكن القارئ معنيا بتواريخ واتفاقات وقرارات الأمم المتحدة، أو من الكتب المبالغة في المشاعر الغنائية، وهي كتب بالنسبة للآذان الغربية من الصعب مواصلة قراءة ما تقدمه من سير عن حياة الشتات، رغم جمالها وغناها، فهي تشبه خوض الإنسان في مادة هلامية حلوة·
كتاب "شارون وحماتي" مختلف، إن أحداثه تجري في مكان يهيمن فيه اللامعقول والعبث على الحياة اليومية، وهو ما يستلزم حساسية عاقلة متميزة قادرة على رسمه بدقة· ومقارنة بالمحيطين بالكاتبة، الذي يكادون يفقدون عقولهم، لم أصادف أحدا يتمتع بسلامة عقليتها·
امرأة غير تقليدية
ولدت "سعاد عميري" في دمشق في العام 1951، وكانت عائلتها قد هربت من "يافا" في الوقت نفسه تقريبا الذي وجدت فيه ماري جبجي نفسها بلا مأوى ولا دولة· وفي دمشق حيث استقرت عائلتها، أدارت والدتها مطبعة، وأصبح والدها فيما بعد سفيرا للأردن في مصر، وبعد دراستها فن المعمار في بيروت، قبل طلبها التعليم في جامعة بيرزيت في العام 1984، وهو منصب كان جزءا من مشروعها الكبير للحياة في رام الله· وهناك في رام الله التقت بزوجها سالم، عالم الاجتماع والابن الوحيد للسيدة جبجي·
في العام 1981 كانت سعاد عضوا في الوفد الفلسطيني الى مفاوضات "السلام" في واشنطن وفي العام 1996 تم تعيينها وكيلة وزارة الثقافة الفلسطينية في أول حكومة فلسطينية، والآن تقوم بإدارة مؤسسة (قد لا تظل قائمة في ضوء التدمير القائم) تدعى "رواق" تعمل في مضمار الترميم المعماري·
وقامت هذه المؤسسة في العام 2002 بترميم سوق مدينة الخليل القديم، وهو عمل نال جائزة مؤسسة آغاخان المعنية بالعمائر الإسلامية، إلا أن هذا الانتصار لم يستغرق تدميره سوى يومين على يد الجيش الإسرائيلي·
"سعاد" أيضا مؤلفة كتب مختصة بالمعمار عدة، وهي بنمط حياتها وتفكيرها تعد الأطروحة المناقضة للصورة المتخيلة في عقول معظم الغربيين عن "المرأة الفلسطينية التقليدية"، فهي بلا أطفال، وتدخن، ولا تغطي شعر رأسها، بل ولا تميل الى أن يكون لديها صغار، رغم أن كلبها الصغير ويسمى "نورة" يرافقها الى أي مكان تذهب إليه· بالطبع التنقل والسفر ليس شيئا يمكن أن يحتل حيزا كبيرا من حياة إنسان يعيش في رام الله، فبعد سنوات من الجهود المضنية (7 سنين) حصلت "سعاد عميري" على بطاقة الهوية الفلسطينية، إلا أن هذه الهوية لا تسمح لها بزيارة القدس على مبعدة 10 كيلومترات، أما زيارة مدن الضفة الأخرى مثل نابلس وبيت لحم فتكاد تكون أمرا محالا، بسبب الحواجز الإسرائيلية التي تزحم المنطقة الآن، والتي حولت كل مدينة من مدن الضفة الى وحدة منعزلة، وبسبب طول الرحلة، فما كان يستغرق 40 دقيقة أصبح يستغرق الآن ثلاث ساعات، إضافة الى خطر التعرض لرصاص الجنود الإسرائيليين وسكان المستعمرات·
تقول لي "سعاد": "مثلما تعرفين قد يحدث شجار في مكان ما، وأنا غير مستعدة دائما لهذا· في هذه الحالة التي نعيشها تكتسبين نفسية السجين، ويصل بك الشعور في أحيان كثيرة الى درجة الإحساس بالسعادة كونك في البيت ولا تفعلين شيئا، ويشعر حتى صغار السن بهذا"·
هستيريا
هذه الحالة النفسية الخاصة تجيد سعاد عميري توصيلها كتابة: إنها حالة اللامبالاة والتبلّد والقلق البارد الذي يتسرب أولا، ثم يتبعه دوريا الغضب والإحباط والكآبة، ولكن وفي مناسبات عدة يطفو شيء آخر على السطح إنه نوع من الشعور الهستيري·
تروي في أحد أقسام الكتاب حادثا، فقد علقت هي وزوجها بالسيارة خلال إعلان حالة منع التجوال، ووقفا تحت المطر ينتظران بينما يفتش جندي في سلال تسوقهما، فقررت سعاد أن تحدق في الجندي من دون أن يرف لها جفن، كما لو كان جملا معتوها، وإثر ذلك اقتاد الجندي زوجها بهدوء الى رئيسه ليشتكي من "أن زوجته كانت تحدق بي"! وهي شكوى سخيفة حتى بالنسبة لضابط ميداني إسرائيلي مرهق عصبيا·
وفي طريق العودة الى البيت حولت "سعاد" انعدام الحساسية هذا الى ضحك متواصل: لقد ضحكت، ولكن هذه أشياء لا تدعو الى الضحك، هذه مأساة نعيشها هنا، ما يحدث هو كارثة في هذا الجزء من العالم"·
على صعيد اعتيادي، تستخف "سعاد" بالأشياء التي قد يحتج عليها أي واحد منا يعيش مع جيش احتلال: تقييد الحركة، والشك، والمحال الماثل في كل شيء، وأحيانا في الحصول على سلع من البقالة·
ففي مدينة يبلغ تعداد سكانها 70 ألف إنسان، لا تكفي ساعة يرفع فيها حظر التجوال حتى للتسوق، ثم هناك مشكلة حماتها التي لا تأكل إلا في أوقات معينة، وبأدوات ذات حجم معين· تكتب "سعاد" في صفحة من الصفحات مخاطبة معذبيها "قد أغفر لكم ذات يوم وضعنا تحت منع التجول طيلة 42 يوما، ولكنني لن أغفر لكم إجبارنا على أن تبقى حماتي معي طيلة هذا الزمن الذي يبدو أكثر من 42 سنة"·
ولكن العادي محير بشكل غريب في فلسطين، تروي "سعاد" أن أحد أصدقائها من المتعاونين مع الاحتلال قدم لها هدية هي عبارة عن مصغر للكعبة المشرفة مضاء بأنوار كهربائية، وأحبت هذه الهدية وأضواءها الحمراء والخضراء، ولكنها في ما بعد، ورغم اقتناعها بأن الموساد يتنصت عليها خلال هذه الهدية (لا أحد يعرف لماذا؟) قامت بإخفاء الهدية في علية البيت بدل التخلص منها، مثل ما قد يفعل أي إنسان في هذه الحالة·
اكتشاف المقاومة
إنها واعية، أسلوبا ومحتوى، بأن كتاب "شارون وحماتي" كتاب نادر، وقد أسعدها هذا الوعي· تقول إن زوجها الذي يحب الكتاب الآن، "انزعج في البداية من نشر أمورنا الخاصة ومن إعلام الناس أن لدينا آلة قهوة كابوتشينو وكلب، والحديث عن أصدقائنا بهذه الطريقة" وتعلق: "سواء كتبت هذا الكتاب أم لا، أنا لست مؤرخة هنا تنوي إضافة كتاب عن فلسطين"·
هل تشعر هذه الكاتبة أنها قدمت عالمها الى جمهور جديد؟ نعم·· والأمر مثير كما تقول، فحين تعيش هنا من السهل أن تشعر باليأس، وتتساءل كيف يمكنك مقاومة الاحتلال (هي ضد العنف الموجه الى المدنيين كليا) ثم جاء الكتاب وفكرت: "ها·· إذن بهذه الكيفية أنا أقاوم الاحتلال، وتضيف "لم أشعر بسعادة مثل هذه في حياتي أبدا" وابتسمت·· ونحن نهم بالخروج الى شوارع رام الله·
مع الجنود
تعيش سعاد عميري في بيت من طابق واحد في منطقة الإرسال في رام الله، بجوار السوق القديم الذي خلفته الدبابات الإسرائيلية حطاما· وعن سلوكها تجاه هؤلاء الجنود الذين تعتقد أنهم ينتمون الى العصور الوسطى بأفعالهم هذه، تقول إنه بدأ يتغير تدريجيا· قبل ذلك وهم يدققون في هويتها لم تكن تنظر الى وجوههم مباشرة أبدا، وهذا موقف طبيعي كما تقول: "حين يخيب أملك شخص ما، حتى لو كان أمك أو أخاك، فأنت لا تطيق النظر إليه أو الحديث معه وهي طريقة، للتعبير عن كونك غير سعيد" أما الآن، فقد بدأت تتحدث مع الجنود إذا أتيحت لها الفرصة، وبدأت تنظر في وجوههم وتعلق وتسأل مثل أن تقول لجندي: "هل تستمتع بعملك؟" ذات يوم وهي تعبر الجسر (جسر اللنبي الواصل بين فلسطين والأردن) نزعوا أحذية كل المسافرين ووضعوها في حقيبة، وعلى كل شخص أن يفتش عن حذائه بنفسه: "بالطبع أنت تصاب بالغيظ، وتشعر بالإذلال، وهنا سألت المرأة المسؤولة عن التفتيش: "هل تجدين متعة في هذا؟" فردت بعصبية ومن قال لك أني أتمتع بعملي؟"·
وسألت سعاد عما إذا كانت تعتقد أنه سيأتي سلام دائم ذات يوم، واكتشفت ويا للغرابة أنها تؤمن بهذا، وأنها تعتقد أن الناس على كلا الجانبين تعبوا من القتال، وبخاصة أولئك المنخرطين فيه الذين يعون أي ثمن يدفعون من جوانب حياتهم الأخرى ويخسرون: "لا أعتقد أن الإنسان يمكن أن يكون عنيفا مع أناس لا يعرفهم ويكون لطيفا مع عائلته في الوقت ذاته، لا يمكن أن يحدث هذا، لا·· إذا لم يأت الحل غدا، فسيأتي اليوم، وإذا لم يأت اليوم، فيجب أن يأتي غدا·· شعوري هو أن الحل آت ولا ريب، أو لا بد أن يأتي"·
وتأمل سعاد أن تدعم الدول الغربية محمود عباس في الأشهر القادمة، وإذا لم تفعل، فسيظهر فراغ تملؤه حركة حماس بسهولة· وتختم حديثها: "لقد بذلنا جهدا كبيرا لإقناع الناس أن حل الدولتين هو الحل السليم، ولكن إذا كان بيتك يهدم، فمن الصعب أن يطلب منك أحد أن تفاوض، إن الإنسان لا يستطيع التمسك بأخلاقياته إذا كان معرضا لهجوم متواصل"·
* الأوبزرفر، 16 يناير 2005