كتب محرر الشؤون المحلية:
تحاول الجماعات الدينية التي تطلق على نفسها صفة الوسطية الهروب من مواجهة مشكلة الغلو والتطرف الذي أفرز الإرهاب عن طريق الهجوم على القوى السياسية الأخرى واتهامها بأنها تنتهز الفرصة لضرب خصومها، لكنها في الوقت نفسه تفقد نفسها فرصة كبيرة لمراجعة مواقفها وأفكارها وجذورها وأساليب عملها التي ساهمت في خلق بيئة التطرف والغلو، فالمتطرفون الدينيون خرجوا من عباءتها بل خرجوا عليها ليس لأي شيء سوى أنهم رأوا أن هذه الجماعات لا يمكنها تحقيق الأهداف التي جذبتهم لها، فلا أحد يشك بأن التنظيم السري لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر كان أعضاؤه يحلفون على القرآن والمسدس معا، ثم أتت بعد ذلك كتب سيد قطب التي كتبها في السجن لتؤكد النفس القتالي لهذه الجماعة، بل إنها "جماعة الإخوان المسلمين" أتت كبديل لمن أسمتهم "شيوخ السلاطين"، ولكنها عندما بدأت تذوب في معمعة السياسة وتفاصيلها انشق عنها المتحمسون لمبادئها الأساسية ولموقفها المتشدد ولأسلوبها الحاسم العنيف، وبدأت الجماعات الصغيرة واحدة تلو الأخرى بالتشكل في داخل جماعة الإخوان المسلمين أو المجموعات التي انشقت عنها لتفرخ جماعات أكثر تشددا وتطرفا سواء في مصر أو في الدول الخليجية والعربية الأخرى التي صدّرها لها حزب الإخوان بعد قمعه في مصر، وعندما التقت مصلحة بعض الأنظمة العربية مثل مصر والأردن ودول الخليج مع جماعة الإخوان من أجل ضرب خصوم الطرفين عقدا تحالفا مصلحيا شمل كذلك الجماعات الأصغر حجما وتلك التي اختلفت أو انشقت في الأساس من الإخوان المسلمين بل حتى تلك التي لم تكن تعترف بالعمل المنظم كالحركة الوهابية أو السلفية·
هذا التحالف آتى أكله وضربت القوى القومية واليسارية والليبرالية وخلت الساحة للقوى والجماعات الدينية متمتعة بتحالفها مع الدولة واستفادتها من تسهيلاتها المالية والسياسية والإدارية وانتشرت في جميع مرافقها الحكومية وأخضعت التعليم والإعلام والمساجد لرؤيتها وفكرها واستقطبت تحت جناحيها عددا من المتشددين المستفيدين من الانتماء الصوري لها للتغلغل في المجتمع، إلى أن فوجئت حكومات المنطقة بحركة جهيمان العتيبي في عام 1979م عندما اقتحم مع مجموعة من المتطرفين الحرم المكي واحتلوه إلى أن أخرجوا بالقوة المسلحة، وتبين أن الرجل وجماعته بدؤوا تنظيمهم في الكويت ونفذوا عمليتهم في الحرم·
عندها لم تتعظ أنظمة الحكم من أن احتضان الجماعات الدينية لابد أن يعزز مجموعات أكثر تشددا منها تخرج عن طوعها وتنشق عنها بعد أن تتقوى تحت عباءتها، ورغم صدمة جهيمان أقدمت أنظمة الخليج ومصر والأردن بمباركة ومساعدة أمريكية وغربية في الدفع بتلك الفئة من الشباب المتشدد إلى القتال في أفغانستان ليس فقط لإخراج السوفييت بل لإقامة الدولة الإسلامية بنموذجها الذي جسدته حركة طالبان لاحقا·
ماذا فعلت الجماعات الدينية آنذاك؟! فتحت الفروع لجمعياتها واستخدمت كل الوسائل لجمع المال من أجل تمويل تلك الحرب ونظّرت لها وباركتها وحشدت لها الشباب بل نشرت أكاذيب مضللة عما أسمته بـ "كرامات المجاهدين" التي منها أن يسقط الطائرة السوفييتية بنظرة من عينه أو يقتل وتصدر عنه رائحة المسك بعد أسبوع على قتله!!! وكانت إشاعة الكرامات تلك جزءا من مشروع واضح لتجنيد مزيد من الشباب المتحمس والمتشدد لهذه الحرب، وكأن هؤلاء سيتخلون عن تشددهم وغلوهم وتجاربهم القتالية وقدراتهم التدريبية بمجرد هزيمة السوفييت!!!
وهذا ما حصل بالفعل، عاد "الأفغان العرب" أو "العرب الأفغان" إلى بلدانهم وبدؤوا معركتهم الحقيقية من دون أن تقوم الجماعات الدينية التي أوجدتهم وساندتهم بأدنى جهد للوقوف ضد أطروحاتهم إلى أن أتى احتلال الكويت والاستعانة بأمريكا من أجل تحريرها ليجد هؤلاء المتطرفون ضالتهم ومبررهم لمقاتلة حكومات المنطقة وحكامها الذين اعتبروهم خارجين على الدين ولم يعودوا يمثلون "ولي الأمر" الذي تجب طاعته وأصبح ولي الأمر لديهم شيخهم الذي علمهم التشدد والتطرف والذي يفسر لهم نصوص الدين كما يراها وتحول "المجاهدون ضد السوفييت" إلى مجاهدين ضد أنظمة الحكم التي رعتهم وأوجدتهم فبدؤوا في مصر إلى أن قمعتهم وحاولوا في الأردن الذي كاد أن ينتهى منهم، ثم السعودية والآن الكويت بعد أن أصبحوا يستظلون بمظلة "القاعدة" وبأموالها التي هي أموال جمعتها التنظيمات الدينية تحت هذا المبرر أو ذاك، ووصلت سواء عن قصد وتعمد أو بحسن النوايا إلى القاعدة وفروعها، ولم تقم تلك الجماعات الدينية بأي جهد يذكر لمواجهة فكر التطرف والغلو والتكفير، بل دافعت عنه بالتخفيف من حجمه، والتقليل من مخاطره والتوسط للمتورطين ممن يتبعونه بأعمال خارجة على القانون، والآن تحاول هذه الجماعات إلصاق التهمة بغيرها كقول بعض المنتمين إليها إن التطرف ناتج عن سلوك العلمانيين والليبراليين الذين يستفزون الشباب المتدين!!! هكذا وكأن هذه الجماعات لم تفعل شيئا البتة!!!
إن الجماعات الدينية مطالبة بمراجعة تاريخها وحاضرها من دون تهرب، وأن تقف ليس فقط في بياناتها وخطبها المتأخرة جدا ضد وليدها الذي ابتليت فيه منطقتنا، بل تقف، إن استطاعت، موقفا مبدئيا جذريا واضحا يبدأ بنقد نفسها أولا، وينتقل إلى أسلوب جديد في تعاملها مع الدين والدنيا فهل تراها فاعلة؟