لم تمض إلا ساعات قليلة على مطالبة وزير المفاوضات الفلسطيني صائب عريقات الأمم المتحدة بتطبيق حكم محكمة لاهاي القاضي بإزالة الجدار الإسرائيلي في أراضي فلسطين الشرقية (الضفة الغربية)· حتى بدأت تتردد أخبار عن تقديم مندوب فلسطين في الأمم المتحدة طلبا الى الأمين العام كوفي أنان بحصر أسماء المتضررين من إقامة هذا الجدار·
ونقلت وكالات أنباء عدة خبرا عن اعتزام كوفي أنان إعداد قائمة بأسماء المتضررين لتعويضهم عما خسروه من أراض وبيوت ومزارع، وما أصابتهم من أضرار حصرهم بين الجدران، وعدم السماح لهم بالتحرك إلا عبر بوابات يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي·
إذا صحت هذه الأنباء الأخيرة فمعنى ذلك أن ثمة انحرافاً خطيرا بدأ يمارس في أروقة الأمم المتحدة لتزوير مواد محكمة لاهاي التي عرض عليها موضوع هذا الجدار العدواني من قبل هيئة الأمم المتحدة، فأصدرت قرارها بعدم شرعيته لأنه يقام على أراض محتلة، بما في ذلك أرض القدس الشرقية، وطالب القرار بإزالته·
هذا التزوير يعني تحويل قضية الاحتلال الى قضية مطالبة بالتعويض لا إزالة الاحتلال، وهو ما ينسجم مع اتفاق أوسلو الذي تعتبر بنوده بشكل عام وآلية تنفيذه، أراضي فلسطين الشرقية وقطاع غزة أراض متنـازع عليها، لا أراضي محتلة·
د· مصطفى البرغوثي عضو لجنة المبادرة الوطنية الديمقراطية تحدث مرارا عن أهمية قرار محكمة لاهاي الدولي الذي صدر عن أعلى هيئة قضائية دولية وبخاصة في جانب نسفه نسفا عاما لما وضعه اتفاق أوسلو، وإعادته الأمر إلى نصابه، فهل إثارة مسألة التعويض للمتضررين من الجدار هي رد على قرار محكمة لاهاي؟ وهل ينسجم تكييف قضية الجدار كقضية تعويض عن أضرار مع مطالبة وزير المفاوضات الفلسطيني الأمم المتحدة بإزالته باعتباره احتلالا واغتصابا لأكثر من 70 % من أراضي فلسطين الشرقية؟
المعلومات التي توافرت عن هذا الجدار الذي يحصر التجمعات الفلسطينية في شبه "غيتوات" مغلقة منعزلة عن بعضها البعض من جهة، ويعزل سكان هذه "الغيتوات" عن أراضيهم الزراعية ومقومات حياتهم المدنية، أنه كان قائما في مخيلة أول واضع لآلية تسوية القضية الفلسطينية، أي الوزير الإسرائيلي ايغال آلون أحد قادة عصابة الهاغاناة الإرهابية في العام 1948 وأن هذه الآلية التي دعيت بمشروع آلون، قد تم تبنيها من قبل حزب العمل الذي ينتمي إليه، وحزب الليكود بعد ذلك، وحسب ما نقل عن لسان عمدة مستعمرة في فلسطين الشرقية، في صحيفة معاريف الإسرائيلية، فقد كان هذا الجدار الذي خطط له آلون منذ العام 1967، ماثلا على الجدار في مكتب شارون منذ العام 1983·
والمدقق في تفاصيل اتفاق أوسلو يلاحظ أن تأجيل موضوع المستعمرات الإسرائيلية، ووضعية القدس، ثم النص على أن أراضي فلسطين الشرقية التي تدعى الضفة الغربية (نسبة الى شرق الأردن حين كانت تحت الهيمنة الأردنية) هي أراض متنازع عليها، يجد أن بذرة الجدار الإسرائيلي قائمة في ذلك الاتفاق·
ويخطئ الكثير من المحللين في القول أحيانا بأن اتفاق أوسلو قد مات ودفن، فالحقيقة، أن ما نشاهده الآن على الأرض هو الثمار العملية لمثل ذلك الاتفاق، وهذا ما اتضح في لاءات شارون الأخيرة التي زعم أنها لاءات أمريكية أيضا، تجيء كشرط "لقيام دولة فلسطينية" أو السماح بقيام مثل هذه الدولة، وأول هذه اللاءات، هي عدم تفكيك المستعمرات الإسرائيلية في فلسطين الــشــرقية، وضمها ككتلة واحدة الـى "دولة إسرائيل" (أي ضم ما مساحته %70 من أراضي فلسطين الشرقية)، وثانيها بعدم التخلي عن القدس، وثالثها بالطبع عدم السماح بعودة أي لاجئ فلسطيني الى أرضه المغتصبة في العام 1948·
والناظر الى خريطة فلسطين الشرقية الآن يكتشف أن ما يدعى بالطرق الالتفافية الإسرائيلية التي تعزل الفلسطينيين عن أراضيهم، وتتيح لسكان المستعمرات الوصول الى الداخل الفلسطيني بسهولة وسرعة، والجدار المتغلغل الآن وصولا الى نهر الأردن، يستولي تماما على هذه المساحة الكبيرة من الأرض، ويترك ما نسبته 2% من 30 % من 70 % هي أراضي فلسطين الشرقية، لتجمعات سكانية فلسطينية بلا أرض ولا موارد ولا طرقات، يفترض أن يطلق عليها اسم "الدولة الفلسطينية"·
إذن قضية الجدار هي قضية أنه وسيلة احتلال وتكريس الاحتلال، فأي عبث تحمله مسألة التعويض أكثر من هذا؟
