· تقرير أمريكي يتحدث عن تحالف بين أطراف شيعية وسنية
· جيش المهدي مكونٌ من أعضاء تشكيلات عسكرية أيام الحكم السابق
· الأحداث الدامية تهدد إدارة بوش في الانتخابات المقبلة
في الأسبوع الماضي اندلعت مواجهات واشتباكات عنيفة في أنحاء متفرقة من العراق بين أنصار الزعيم الديني مقتدى الصدر والقوات الأمريكية، وقد جاءت هذه المواجهات إثر قيام قوات التحالف باعتقال مصطفى اليعقوبي مدير مكتب مقتدى الصدر في النجف والمتهم بالتورط بقتل آية الله عبدالمجيد الخوئي أحد رجال الدين الشيعة البارزين، مما دعا أنصار الصدر بالتظاهر ضد قوات التحالف·
ومع اندلاع هذه المواجهات فقد رأى بعض المراقبين أن القوات الأمريكية تفقد سيطرتها على الوضع في العراق فالهجمات السريعة الخاطفة التي كانت توجه ضد التحالف ازدادت في الآونة الأخيرة، وبانضمام ميليشيات مقتدى الصدر "جيش المهدي" الى ساحة المقاومة السنية ضد الاحتلال الأمريكي للعراق تحول الوضع الى أن يكون أشبه بالتمرد المسلح·
وخلال هذه المصادمات تصاعدت الخسائر الأمريكية في الأرواح بشكل ملحوظ وارتفع معها عدد القتلى والجرحى في صفوف المدنيين العراقيين وكذلك نسبة الدمار الكبير، فلم يعد هناك أي مكان آمن في الفالوجة والرمادي والنجف والكوفة وكربلاء والعمارة والناصرية وبغداد، فالحرب عمت البلاد من جديد، فهذه التطورات المشؤومة ربما تقضي نهائيا على طموح واشنطن بتحويل العراق الى دولة تابعة لأمريكا·
ويتساءل المراقبون هل القبض على رجل بتهمة التورط في اغتيال الخوئي أو إقفال صحيفة "قوات التحالف أغلقت صحيفة الحوزة الصادرة عن جماعة الصدر" يسيل كل هذا الدماء؟ أم أن هناك أسبابا أخرى؟ وما هي مليشيات جيش المهدي؟
يرى المراقبون أن القبض على اليعقوبي وإغلاق صحيفة "الحوزة الناطقة" كان من أجل تأجيج المشاعر لدى أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وذلك لخلق مواجهة عسكرية بين جيش المهدي وقوات التحالف توجه بمقتضاها القوات الأمريكية ضربة قاصمة للتيار المتشدد الشيعي الرافض للوجود الأمريكي في العراق، وذلك قبل نقل السلطة الى العراقيين في نهاية يونيو المقبل·
ويشير المراقبون الى أن حادث اغتيال عبدالمجيد الخوئي قد وقع منذ عام، وكانت هناك أحاديث في حينها عن تورط مقتدى الصدر ورجاله في هذه الجريمة، فلماذا لم تقدم القوات الأمريكية في ذلك الوقت باعتقال المتهمين وتقوم الآن بفعل ذلك؟! ويرى المراقبون أن للمواجهة أسبابها فالبعض يرى أن ما تفعله القوات الأمريكية كان متوقعا خصوصا بعدما أعلن مقتدى الصدر موقفه الداعم والمؤيد لحزب الله في لبنان وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في فلسطين، وأنه يعتبر أن الجهاد ومقاومة الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي تبدأ من العراق وصولا الى فلسطين·
ويرى بعض آخر أن هناك مخاوف أمريكية من الوضع في العراق بعد تسليم السلطة في يونيو المقبل وانحسار نفوذ حلفائها الحاليين في مجلس الحكم، ويشير هؤلاء الى تقرير أصدره مكتب الحاكم الأمريكي المدني يتحدث بإسهاب عن تحالف انتخابي بين أطراف شيعية وأخرى سنية قد يفضي الى فوز ساحق للمتشددين في أي عملية انتخابية حرة·
هذا في الوقت الذي أصبح فيه مقتدى الصدر يعد شوكة في خاصرة الأمريكيين منذ إطاحتهم بحكم الرئيس المخلوع صدام حسين قبل عام، فهو شاب في الثلاثين من عمره، ومن أسرة شيعية دينية بارزة فهو الابن الأصغر للزعيم الشيعي محمد صادق الصدر "مرجع شيعة قتلته حكومة صدام حسين"، وهو لم يكن ذائع الصيت خارج العراق قبل الاحتلال الأمريكي، غير أن انهيار حكم البعث، كشف عن جذور قوته التي تتمثل في شبكة من المؤسسات الخيرية الشيعية التي أسسها والده، وفي الأسابيع الأولى التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق انتشر أنصار الصدر في شوارع الأحياء الشيعية الفقيرة من العاصمة بغداد وقاموا بتوزيع الغذاء مما خلق له قاعدة شعبية وسط الأحياء والمناطق الشيعية الفقيرة·
ولتجسيد طموحه السياسي سعى الصدر الى إيجاد الأدوات المناسبة لذلك بإعلانه عن تشكيلات سياسية وعسكرية قد يكون أهمها "جيش المهدي" الذي شكل في يوليو 2003، وانخرط فيه آلاف عدة من الشبان، وبالرغم من محاولات الحد من نفوذ الميليشيات ونشاطها ومنع تشكيلها، إلا أن "جيش المهدي" لقي اهتماما متزايدا بعد أن وجد رجل الدين مقتدى الصدر لنفسه مكانا مؤثرا في أوساط الشبان الشيعة وبعض رجال الدين، مستندا في ذلك الى مخاطبة المشاعر الجياشة، والى إرث والده الذي كان يقلده كثيرون من المسلمين الشيعة داخل وخارج العراق·
ويتردد أن الكثيرين ممن انضموا الى جيش المهدي كانوا أعضاء في التشكيلات شبه العسكرية أيام الحكم السابق· وجيش المهدي أول ميليشيات شيعية تتشكل بعد دخول قوات التحالف الى بغداد وإطاحة نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين ولا توجد مليشيا أخرى سوى فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأسس في إيران في الثمانينات·
ويرى المراقبون أن هذه الأحداث قد تهدد بإعادة الحسابات الخاصة بتأثير الحرب التي تقودها إدارة بوش على الإرهاب على مجريات الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، ففي ظل هذه الأحداث الدامية أصبحت سياسات الإدارة الأمريكية حيال العراق والحرب على الإرهاب والتي كانت تشكل حجر الزاوية في شعبيته بين مواطنيه موضع شكوك جدية خاصة إذا ما اكتشف الأمريكيون أن ما يجري على أرض الواقع مخالف لحالة التفاؤل التي ترسمها الإدارة في حملتها الإعلامية، فبعد أسبوع من المواجهات الدامية والعنيفة تفاقمت أزمة الثقة والمصداقية التي يواجهها الرئيس جورج بوش بعد تصاعد في عدد القتلى الأمريكيين في بغداد·
ويشير المحللون الى أن اندلاع العنف بهذا الشكل لم يكن متوقعا فالمفترض أن القوات الأمريكية والبريطانية جاءت الى العراق لتحرير الشعب العراقي، والشيعة هم أكثر من عانى في ظل حكم صدام حسين، إذ قتل منهم الآلاف خلال الانتفاضة الفاشلة التي قاموا بها عام 1991، كما منعوا من ممارسة شعائرهم المقدسة، ولكن التحالف الذي لديه ما يكفيه من الأعداء في العراق، صار يواجه جبهة جديدة بالمروحيات التي أطلقت نيرانها فوق مناطق شيعية في بغداد وبنيران الأسلحة الآلية في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة فالطريقة التي تعاملت بها قوات التحالف جعلت هناك سخطا عاما وسط تيار الشيعة، وبرغم أن المحللين يأكدون على أن الأمر لم يكن قد وصل الى انتفاضة شيعية، فمثيرو الاضطرابات هم أنصار رجل الدين الشيعي الشاب المتشدد والذين لا يتجاوزون %10 أو ربما %15 من الشيعة في العراق، فهناك الكثير من الشيعة العلمانيين، بينما أغلب الشيعة المتدينين يدينون بالولاء لآية الله على السيستاني، ورغم أن السيستاني لا يقبل هو الآخر بالاحتلال إلا أنه يعمد الى التهدئة ويؤمن بقيمة المعارضة السلمية للولايات المتحدة·
وبرغم الخلاف الواضح في العلاقة بين السيستاني والصدر، حيث يعتبر رجل الدين الأكبر سنا أن الصدر شاب متهور وخطر، بينما يتهم الصدر وأنصاره القيادات الدينية الكبيرة بأنها "تتحسس خطاها" ويطلقون عليهم "الحوزة الصامتة"·
فإنه ونظرا للمزاج العام الغاضب بين الشيعة في أعقاب سقوط قتلى بالمئات في الأسبوع الأول، فربما يحجم رجال الدين الكبار عن شجب نشاط مقتدى الصدر، وذلك خشية أن يبدو ذلك وكأنه انحياز للجانب الأمريكي·
وقد أدت هذه الأحداث أيضا الى تصدع وانقسام داخل مجلس الحكم فبرغم عدم رضا الجميع لما يقوم به رجل الدين مقتدى الصدر من أفعال وعدائه المعلن والعلني لمجلسهم المعين من قبل سلطة الاحتلال إلا أن البعض منهم يرى أن العنف الذي قامت به قوات التحالف في مواجهة الأحداث قد وضعهم في موقف يحسدون عليه، فقد وضعهم موضع الموافقين على عمليات القتل العشوائية التي تقوم بها قوات التحالف·
وبعد ذلك يرى المراقبون أن المهمة الرئيسية الآن التي تقع على عاتق قوات التحالف تتمثل في الحيلولة دون تحول الغضب بين فئة صغيرة من المتشددين الى حالة من السخط العام، وهو الأمر المحتمل حدوثه إذا جاء الأول من يوليو وتم تسليم السلطة الى حكومة عراقية جديدة وشعر الشيعة أنهم قد خدعوا، كما أن من الممكن أن يحدث ذلك إذا اعتقد الشيعة أن البريطانيين والأمريكيين سيبقون في العراق للأبد، وأن ما يتردد عن حكم العراق لنفسه ليس حقيقة·
علماء مسلمون يطالبون أعضاء
مجلس الحكم بالانسحاب من المجلس
دعا علماء مسلمون ورجال سياسة إسلاميون من دول عربية وإسلامية أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق الى الاستقالة من هذا المجلس إذا لم تنه قوات التحالف "المجازر" التي ترتكب في العراق، وطالب البيان أعضاء مجلس الحكم بالقيام بالتهديد بالانسحاب من المجلس أو تعليق عضويتهم فيه على أقل تقدير لحين توقف العمليات العدوانية ضد العراقيين، لئلا يكونوا شركاء في الجريمة بسكوتهم عنها وبما يفهم منه أنه تشجيع لقتل إخوانهم في الدين والوطن، وأعلن الموقعون على البيان تضامنهم الأكيد مع المقاومة الإسلامية والوطنية العراقية ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، ودعوا المجموعات الدولية الى التدخل "لثني" القوات الأمريكية عما تقوم به من أعمال وحشية في العراق، ومن موقعي البيان، محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، والسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، والداعية الإسلامي المقيم في قطر يوسف القرضاوي، والمعارض السوداني حسن الترابي، والشيخ عبدالله الأحمر رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل·
مبادرة من القوى السياسية لحل مشكلة مقتدى الصدر
عقد اجتماع في بغداد ضم ممثلين عن القوى السياسية الست الرئيسية في مجلس الحكم وهي: حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وحركة الوفاق الوطني، والمؤتمر الوطني العراقي، وعرضت خلال اللقاء خطة سياسية تهدف الى حل المشكلة بين قوات التحالف وتيار مقتدى الصدر، وتتضمن:
1 - أن يصدر السيد مقتدى الصدر أو مكتبه بيانا أو تصريحا يعلن فيه أن ما حصل من جانب أنصاره من تجاوز للقانون كان خطأ لن يتكرر·
2 - أن يعلن الصدر عدم رفضه الإجراءات القانونية التي يتطلبها ملف التحقيق باغتيال السيد عبدالمجيد الخوئي شرط ألا يعتقل وأن ينوب عنه في جلسات التحقيق محامون يقوم هو بتوكيلهم·
3 - أن يتعهد مقتدى بعدم القيام بأي تحرك سياسي خارج القانون ويرى ممثلو الأحزاب الشيعية في اللقاء أن من الممكن جدا أن يقبل الصدر بهذه الخطة، وتعهدوا تسويقها في الأوساط السياسية والمرجعية الشيعية، في حين أبدت القوى الأخرى عدم اقتناعها بأن الصدر سيبدي تفهما وقبولا فيها وعزت سبب عدم اقتناعها الى أن ما يجري على الأرض يوحي بأن مقتدى يسعى الى توسيع المشكلة وأن ثمة من يدفع باتجاه تصعيد الأزمة في إشارة الى دور إيراني في الأحداث·