Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10-16 شوال 1419هـ - 27 يناير 2 فبراير 1999
العدد 1362

في ورقة قدمها عن "تجربة الكويت في نشأة الدولة والمجتمع المدني" في الملتقى الاجتماعي الثقافي الخامس
د. عبدالرسول الموسى: التجربة الكويتية رائدة في منطقة الخليج والجزيرة العربية

·         العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني مبنية على الرابطة وليس الانفصال

·         الغزاة اكتشفوا أن إصرار الكويتيين على مجتمعهم المدني كان على الحرية والديمقراطية وكويت مستقلة

 

قدم الدكتور عبدالرسول الموسى ورقة عمل عن تجربة الكويت في نشأة الدولة والمجتمع المدني في الملتقى الاجتماعي الثقافي الخامس لجمعيات وروابط الاجتماعيين في دول مجلس التعاون الخامس الذي أقيم في الحادي والعشرين حتى الثالث والعشرين من نوفمبر في الكويت·· وقد بين الموسى أن وجود المؤسسات الأهلية في المجتمع ليست برهانا على أنه مجتمع مدني·· ولكن هذه المؤسسات تكتسب عمقها بشرعية الديمقراطية·· وذاتية قراراتها البعيدة عن هيمنة الأجهزة الحكومية ومصالحها·· وعن التجربة الكويتية أشار الموسى الى أن مؤسسات المجتمع المدني ظهرت في ظل غياب مؤسسات الدولة وحماية دولة أجنبية قبل الاستقلال·· وبين أن الكيان السياسي تكون انطلاقا من "وشاورهم في الأمر" وأبرز دور النخبة الاقتصادية المثقفة والمبدعة والأندية والصحافة·· كذلك أشار الموسى في ورقته الى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني مبنية على الرابطة وليس الانفصال· وأبرز دور الديوانية التي تلعب دورا فريدا في تركيز واستمرارية المجتمع الديمقراطي·· وأوضح أن القوات العراقية الغازية في أغسطس 1990 وفي السادس والعشرين من فبراير 1991 اكتشفوا أن إصرار الكويتيين على المجتمع المدني كان إصرارا على الحرية والديمقراطية والاعتداد بكويت مستقلة··

 

مفهوم وتعريف المجتمع المدني

 

قضية مفهوم وتعريف المجتمع المدني وعلاقاته بقضايا أخرى مثل الحرية والديمقراطية، من القضايا التي اختلف حولها الباحثون والمهتمون، وهي مجال جدل ونقاش لم يزل حتى الآن· لكن مناقشة هذه القضايا ليست من أهداف هذه الورقة· ولما كان موضوع هذه الورقة هو دراسة موضوعية لتجربة الكويت في بناء المجتمع المدني وعلاقته بنشأة الدولة، فإن تبيان هذه القضايا بهذه التجربة أمر مفيد· إن هذه المفاهيم والتعاريف ما زالت واسعة ومطاطة وتثير جدلا واختلافا بين المهتمين في هذا الموضوع، ولكن يمكن القول إنه ليس بالضرورة أن وجود المؤسسات الأهلية في المجتمع برهان على أنه مجتمع مدني· فهذه المؤسسات تكتسب عمقها عندما تكون فاعلة وتضفي على كينونتها شرعية الديموقراطية، وليس مهما فقط أن تتحرر من هيمنة الدولة وتنفصل عنها، بل المهم أيضا ألا تخضع لسيطرة فئة من المجتمع وألا تضعفها صراعات المصالح الفردية وأن تستمد استمراريتها من ذاتية قراراتها بعيدا عن هيمنة الأجهزة الحكومية ومصالحها· ويقول "هيجل" إن المجتمع المدني هو منظومة قلقة ومضطربة ومهددة باستمرار بالانفجار، تقع ضحية صراع المصالح والطبقات الاجتماعية· ويناقضه "آدم سميث" قائلا إن المجتمع المدني مجال متناغم· كما يحتم أن تستوفي هذه المؤسسات مكوناتها الثلاثة وهي الفكري والتنظيمي والديناميكي· على كل حال المجتمع المدني هو نتاج لبنيته الاجتماعية والاقتصادية وجغرافيته وليس من السهل اطلاق الأحكام على عناتها· ويمكن أن نستعير في هذا السياق قول ألان بيرفيت "إن المجتمعات المتطورة لا تدرك بالفعل، سرها الخاص، أو إذا شئنا، هناك على هذا الصعيد من النظريات ما يوازي عدد المنظرين، ولم تتمكن أية نظرية من فرض ملاءمتها·

إن وجود هذه المؤسسات بعيدة عن هذه الخصائص يعتبر خطرا داهما على مجتمعاتها لما يعني هذا تضليلا وخداعا للمجتمع وتفريغا لهذه المؤسسات من مضمونها بتعميق الفساد واستمراره تحت أعلام شعارات هذه المؤسسات كما تعاني بالفعل كثير من الشعوب تحت الأنظمة الديمقراطية الصورية· العلاقة بين نشأة المؤسسات المدنية ومؤسسات الدولة قضية تدعو الى التأمل والدراسة حيث إذا فصلنا الدولة عن المجتمع المدني مع كل الجدل المستمر حول هذا الموضوع فإن المؤسسات المدنية في الكويت سبقت الدولة بل يمكن القول إن المجتمع الكويتي أرسى مفهوم العلاقة بين الدولة والمجتمع في بداياته المبكرة· فمن اللحظة التي تكونت فيها السلطة في الكويت كان هناك الفصل بين دور كل منهما، ولكن (الدولة)، ونظرا لفقر الموارد الطبيعية والاقتصادية، فإن السلطة لم تكن قادرة على تكوين مؤسسات رسمية لتساعدها على إنشاء الدولة في تلك الفترة التي تشكل البداية في تكوين الكيان الكويتي· في الوقت الذي قام المجتمع بإنشاء بعض مؤسساته· هذه تجربة يجب فهمها في إطار الجغرافيا، حيث فرض موقع الكويت على نقطة استراتيجية على الخليج العربي حيث الاتجاه القريب نحو الشرق في التجارة مع إيران والهند وسيلان وسنغافورة· هذا النشاط التجاري الذي برع فيه الكويتيون القادمون من مناطق ذات عراقة في التجارة في شبه الجزيرة العربية وإيران والتي جعلتهم روادا في هذه المنطقة التي استقروا فيها· وبعيدا عن السرد التاريخي، فإن دور الكويت في التجارة والبريد بين الشرق والغرب كان له شأن مهم في بداية القرن التاسع عشر وبدأ لها ظهور على ساحة السياسة والتجارة الدولية في منطقة الخليج العربي· إن موقع الكويت أعطى لسكانها الفرصة للاطلاع والاستفادة من حضارة وثقافة شعوب عريقة كذلك أتاح لهم الموقع الخبرة في التجارة وصناعة السفن· إن العلاقة الدينية والقومية ربطت الشعب الكويتي بشركائه في العراق ومصر وسورية وفلسطين· فكان التفاعل الثقافي والاستعانة بمناهج التعليم وبعثاته مساهمة في بناء المؤسسات المدنية في الكويت·

لقد كانت هناك مساحة زمنية فصلت بين قيام هذا الكيان بحياته الترتيبة المسيطرة عليه حالة الفقر والحياة الاقتصادية المعيشية خارج أرضه عبر مياه الخليج كانت كافية لأبعاده عن التطورات الدولية المختلفة الى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وبداية تسويق نفطه الذي اكتشف قبل بداية الحرب بقليل· لقد كان النفط تحولا جذريا وتاريخيا جعلت البذور التي بذرها رواد المجتمع المدني في فترة ما قبل النفط، تبزغ غصونها وأوراقها في نهضة بارزة· ولكن المراقب يشهد بأن تلك البذور كانت قادرة على الإنتاج في مناخ قاس وهذا يدل على بعد نظر لجيلها·

المجتمعات الخليجية فرضت عليها العوامل الزمنية ومواجهة مرحلة العولمة في نهاية القرن العشرين مثلا من دون أن تنضج مراحلها السابقة، وكان على شعوبها أن تتعامل مع شعوب خبرت تجارب وعناصر مراحل متعددة·

في هذا السباق الماراثوني على هذه الشعوب أن تحمل رقما متسلسلا في الفريق العالمي قد لا يكون من المستحيلات، فقد وصل الفريق السعودي الى ملعب المونديال لكأس نهاية القرن العشرين في كرة القدم ومن يدري فقد يعود فريق إحدى دول مجلس التعاون الخليجي بكأس القرن الحادي والعشرين·

يمكن في هذا السياق أن نقول إن الدولة تكونت بالفعل بعد نيل الاستقلال في العام 1961 حيث تكونت مؤسساتها وسلطاتها المؤسسة حسب قوانين دولة ذات سيادة يحكمها دستور ينظم العلاقة بين سلطات الدولة الثلاث وهي السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية· هذه الدولة تخضع لسلطتها مؤسسات المجتمع وتفصل في مشاكلها· ولكن هناك مراحل مرت فيها السلطة السياسية تقبض على زمام الأمور بموافقة الشعب، تفرض الأمن وتقدم الخدمات الصحية والتعليمية ولكن في ظل اتفاقية حماية مع دولة أجنبية· وتمثل تجربة الكويت في قضية الدولة والمجتمع المدني أهمية تستحق الملاحظة، ففي ظل غياب مؤسسات الدولة وفي ظل حماية دولة أجنبية قامت مؤسسات المجتمع وفي مرحلة ثالثة برزت مؤسسات المجتمع وزادت فعاليتها في وقت بدأت (الدولة) تنشأ بعض مؤسساتها مثل مجلس المعارف ومجلس البلدية والمحاكم وكانت هذه المرحلة قبل الاستقلال· لقد كان أعضاء هذه المجالس، التي يترأسها أفراد من العائلة الحاكمة، أفرادا من النخبة من المجتمع· في هذه الفترة وهي فترة الخمسينات تعاظم دور مؤسسات المجتمع واتخذت أبعادا سياسية بعد عودة بعض الطلبة الكويتيين من الدراسة في الخارج وتزامن ذلك مع المد الناصري القومي، وصدور قانون المطبوعات عام 1954 وصدور صحيفتي الفجر والشعب عام 1957·

إن الجغرافيا والتاريخ جناحا الخلق والإبداع والثابت والمتحرك لأي مجتمع، يفسر أن للمطلع كل الأشكال والتراكيب التي تكون الصورة النهائية للمجتمع والدولة مع اعتبار البعد الثالث حيزا وفضاء في عصر المعلومات وتكنولوجيتها قادت الى امتداد فضاء لهذا البعد بما يتكون في وقتنا الراهن الى عصر العولمة·

 

المجتمع الكويتي على خريطة المجتمع المدني

 

تكاد الكويت تنفرد بين دول مجلس التعاون الخليجي في إرساء مبادئ المجتمع المدني منذ فجر تكوين كيانها السياسي انطلاقا من "وشاورهم في الأمر" وذلك عندما اتفق الكويتيون على مبايعة صباح الأول حاكما لهم عام 1752· فكان الخط الفاصل بين الاقتصاد والحكم أو بين (الدولة) والمجتمع وفي مرحلة تالية إسنادا وتأكيدا على ذلك بوثيقة وطنية تترجم في أدبيات علوم السياسة بالعقد الاجتماعي المكتوب بالدستور الذي ارتضاه الحاكم والمحكوم وصدر عام 1921 وتلاه دستور أكثر توسعا عام 1962 الذي تزامن مع تأسيس أو مجلس نيابي باستخدام صندوق الاقتراع·

كانت مسيرة المجتمع الكويتي في حركة دائمة وبإصرار على أن يكون هناك دور إيجابي للمجتمع بجانب الدور الحكومي· هكذا تقول وقائع التاريخ· لقد كان تأسيس المجلس البلدي بالانتخاب عام 1934 عنوانا مهما ومؤشرا بارزا على التوجه المؤسسي الديمقراطي للمجتمع الكويتي·

كان الكويتي وهو يصنع سفينة بحرية يعبر بها البحار بجانب سفينة الصحراء ليتحول الى نشاط اقتصادي وهو التجارة الوسيطة ليس مع مراكز شبه الجزيرة فقط ولكن مع بلاد عبر البحار والمحيطات، ومن هنا انطلق الى ثقافات أخرى وأنماط أخرى من العقلية التجارية والذهنية السلوكية·

لم يكن نظام وقانون الإبحار للغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية منفصلا عن الاطلاع والاحتكاك عن معترك الخبرة والتجربة وما استلهمه الكويتيون لحياكة نسيج مجتمعهم وتشكيل بنية كيانهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي من خلال تلك الرحلات·

إن مبدأ وشاورهم في الأمر على طريقة مشاورة أهل الحل والعقد في المراحل المبكرة لتكوين المجتمع تطورت بعد قرنين الى الاحتكام الى صندوق الاقتراع في الثلث الأخير من القرن العشرين والاعتداد برأي كل فرد من أفراد المجتمع الذي يشكل المجموع ممن ينطبق عليهم قانون الانتخاب الذي تطور من الشورى·

ولكن ليست كل فصول السنة ربيعا كما لم يكن الأمر على كل المدى شورى ولذلك كان للمجتمع حراكه الاجتماعي كما هو سياسي لتثبيت واستمرارية الشورى ودور الشعب· وكما شهد جيل مجتمع التسعينات حركة ديوانية الاثنين التي أعادت الحياة البرلمانية والديمقراطية، شهد جيل مجتمع الثلاثينات حركة تأكيد سلطة الأمة كمصدر للسلطات· لقد عايشت أجيال من المجتمع الكويتي تجارب متماثلة تفصلها مساحة من الزمن مقرونة باختلاف في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، فكما تقدمت النخبة الاقتصادية والاجتماعية الى الحام بعريضة في العام 1921 تطالب بمجلس للشورى تقدمت لجنة الـ45 في العام 1990 بعريضة لعودة الحياة الديمقراطية· وكما انهيت الحياة البرلمانية في مجلس 1938 تعرض مجلسا 1967 و1986 للمصير نفسه· هذا يعني مؤشرا مهما وهو أن المجتمع الكويتي يعي جيدا ومبكرا ضرورة دوره في حياته بجانب دور (الدولة) ففكرة المجتمع المدني في إطار ديمقراطي كانت متولدة مع مولد المجتمع·

 

تكوين مؤسسات المجتمع

 

في مجتمع يعد بأقل من المئة ألف إنسان تجمعوا في منطقة ساحلية بعد أن وجدوا أن عليهم أن يربطوا علاقة معيشتهم عبر مياه الخليج بالدرجة الأولى تحتاج الى براعة في التعامل مع البحر ومع أناس لا لغة مشتركة معهم· يغترب معظم الرجال من أجل الرزق عن بر وطنهم معظم أيام السنة، فالنخبة الاقتصادية إذاً تتحمل مسؤولية الدور الشعبي بإقامة المؤسسات· فهي التي أدت الدور المطلوب في هذا المجال· فتولت تأسيسها وتسييرها بالتعاون مع الحكومة· فدخل التعليم بوقت مبكر بإدارة وتمويل نخبة من المجتمع، فظهرت مدرسة المباركية عام 1912 والتي تعتبر عنوانا للمجتمع المدني في الكويت وتلتها بلدية الكويت أساس المؤسسات المدنية وبداية الدور الشعب في إدارة أموره الحياتية وعتبة للحياة الديمقراطية·

إذا كان للنخبة الاقتصادية الدور الريادي في إرساء قواعد المجتمع المدني· فإن للنخبة المثقفة والمبدعين دور في الاستفادة من هذه الفرصة ليوجدوا ثمار الثقافة والأدب فأسست الصحافة والأندية الثقافية والمجلات الأدبية فتأسست الجمعية الخيرية عام 1907 والمكتبة الأهلية عام 1924 وهي مرحلة مبكرة من عمر الكويت·

وإذا كان الكويتيون قد قرأوا في عام 1901 صحيفة المنار المصرية فإنهم أصدروا أول صحيفتين سياسيتين وفق قانون المطبوعات الصادر عام 1954 في تاريخهم الحديث عام 1957 وهما جريدة الشعب وجريدة الفجر اللتان أغلقتا بعد وقت قصير عام 1959 بقرار حكومي·

 

البعد الديمقراطي للمؤسسات

 

كان العمل في المؤسسات المجتمعية في الكويت يسوده الطابع التطوعي وينطلق من قوى مختلفة مثل قوى المال أو المعرفة أو الاجتماعية ومن هنا انتظم المجتمع الكويتي في الوفاق والتراضي· وأضاف موقع وموقف الحكومة التي كانت مساهمة أو راعية لهذه الأنشطة ولكنها لم تكن بالتأكيد مسيطرة بل كانت هذه المؤسسات تمثل في النهاية رأيا عاما يعكس توجهات الشعب· وقد لا يكون لهذا الأمر سيادة كاملة على كل المراحل الزمنية فقد تعرضت بعض المؤسسات لتدخل سلبي من الحكومة وصلت ذروته في حل مجلس الأمة مرتين· وحظر تجمعات الديوانيات التي أطلق عليها تجمعات الاثنين وكانت سابقة خطيرة في تاريخ الكويت·

ويحسب للمجتمع الكويتي مؤسسة ديمقراطية فريدة تتمثل بالديوانية التي تطرح فيها كل هموم المجتمع، اجتماعية واقتصادية وسياسية ويسود هذا الطرح حرية لا حدود لها إلا اللياقة والاحترام المحكوم بعادات وتقاليد المجتمع· لقد لعبت الديوانية دورا حيويا في تاريخ الكويت السياسي كان أبرزها المطالبة الشعبية العارمة بإعادة الحياة البرلمانية التي حل بها مجلس الأمة عام 1986 وقد سميت هذه الحركة بديوانية الاثنين في عام 1990·

لقد تكونت هذه الجمعيات بإرادة شعبية وكانت تعبر عن إرادتها بحرية وبدون قيود تفرض عليها رقابة الحكومة ولا تضع هي قيودا على حرية أعضائها ولا تميزهم وكانت محل تأييد ورعاية شعبية· ومع محدودية جغرافية البلاد ألا أن هذه المؤسسات لم يكن لها بعد جغرافي اجتماعي· لقد كانت لهذه المؤسسات بعد مستقبلي على الوعي الاجتماعي والسياسي على الأجيال المتعاقبة، فقد تكونت الأندية الرياضية في فترة مبكرة (في نهايات النصف الأول من القرن العشرين) فكان نادي الجزيرة والنادي الأهلي ونادي العروبة وكانت هذه الأندية بيئة رحبة لتكوين الرأي العام في أوساط المجتمع لقد أوجد امتدادها قيادات لعبت دورا في مجالات متعددة ومنها المجال السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين·

عندما ذهب الطلبة الكويتيون الى الخارج للدراسة في الخمسينات كانوا قادرين على مجارات نظرائهم الطلبة في تكوين اتحادات لهم تبنى على اللعبة الديمقراطية التي لم تكن إلا انعكاسا للتعقيد الذي أصاب هذه اللعبة نتيجة التركيبة السياسية العالمية· فكانت رحلة طلبة الكويت ممتدة من النادي الثقافي في الكويت الى بيت الكويت في القاهرة الى رابطة طلبة الكويت في القاهرة التي كانت تحتضن طلبة البحرين معها·

وتستمر هذه الرحلة الى فرع اتحاد الطلبة الذي تكون أثر إنشاء جامعة الكويت وتكوين اتحاد طلبة الكويت الذي يعتمد الانتخاب سبيلا لفعالياته·

 

الدولة والمجتمع وبناء المؤسسات المدنية

 

إذا، في بداية التكوين كان المجتمع هو الرائد في تكوين مؤسساته في وقت كانت الدولة غير قادرة على تكوين مؤسساتها، فالدولة في مرحلة ما بعد النفط كانت لها اليد الطولى في هذا الأمر· فقد اتجهت الدولة بقدرتها المادية وانطلاقا من مفهوم دولة الرفاه ذات الاقتصاد الريعي نحو نظام المؤسسات المدنية على أنها استمرار لوجود هذه المؤسسات في مراحل زمنية ماضية·

فقد أرسى المخطط الهيكلي للدولة 1968 أسس الجمعيات التعاونية، التي تلقى من الحكومة دعما ماديا إلا أن الجمعيات تقدم فعالياتها على أسس شعبية ديمقراطية باعتماد النظام التعاوني· تعتمد هذه الجمعيات، المنتشرة في الضواحي السكنية، على رأس مال من مساهمة سكانها على أساس أسهم وتديرها هذه مجالس إدارة منتخبة من السكان المساهمين في المنطقة· علما بأن الحكومة تمنحها تسهيلات مادية مثل الأرض المبني عليها وإعفائها من الرسوم على مختلف أنواعها·

كما تشرف الحكومة على انتخابات مجالس إدارة الجمعيات، لكن كثيرا ما تتدخل على أساس القانون وتحل تلك المجالس وتعين بدلا عنها في حالات عدة لا سيما إذا تعرض مجلس الإدارة لتهم الإخلال بالأمانة أو تعرضت الجمعية لخسارة مستمرة·

تقدم الحكومة معونات مالية سنوية لجمعيات النفع العام وهي تزيد على العشرين وهي جمعيات متعددة الأغراض· لقد عمل أعضاء هذه الجمعيات بحماس شديد في بداية الأمر الى أن معظمها انتابته الرتابة والبيروقراطية لأسباب مختلفة· ومن الملفت للنظر أن المرأة الكويتية وبعد طول عناء ونضال في سبيل أخذ دورها الطبيعي واصطدام مطلبها مع رفض مجلس الأمة لمشاركتها في الانتخابات، فقد استطاعت أن تكسر جدار حرمانها في العملية الانتخابية وفازت في انتخابات جمعية الروضة التعاونية واحتلت مقعدين في أوائل السبعينات ومثلت المرأة هنا بدور العيسى ونورية السداني وغابت المرأة عقدين من الزمن ثم عادت ولكن بالتعيين هذه المرة في 1998 في جمعية العارضية، وتلت هذه الخطوة أن تقدمت امرأة في عام 1998 للترشيح لانتخابات عضوية مجلس إدارة جمعية السرة التعاونية ولكنها لم تستطع اختراق التغيرات الاجتماعية التي تحيط بالمرأة في وقتنا الراهن· وهذا يمثل مؤشرا لما يحيط المجتمع المدني وينفي عنه الاطلاق·

وتنشط قليل من هذه الجمعيات في قيامها بالدور المطلوب كإحدى مؤسسات المجتمع المدني· إن هذا الدور يتطلب أن تقوم بمهامها للحصول على حقوق أعضائها وتشارك المؤسسات الأخرى فيما يهم قضايا المجتمع·

في عصر النفط وامتلاك الدولة القدرة المالية وأخذ الدولة زمام الأمور كدولة رفاه، أصدرت الدولة قوانين تسمح وتنظم قيام مؤسسات المجتمع امتدادا لما هو قائم كنواة كما أوضحت الدراسة أن فكرة الجمعيات التعاونية القائمة على مساهمة سكان المنطقة السكنية تطورت لتصبح مركزا لتقديم خدمات لمناطقها· كما أنها أصبحت منطلقا للطامحين للانخراط في العمل السياسي وتمثل العضوية في مجالس هذه الجمعيات بالانتخاب فرصة للوصول الى مؤسسات أعلى كمجلس الأمة والمجلس البلدي· وقد لا تكون على المستوى الفردي فقط وإنما على مستوى تنظيمات تأخذ الطابع الاجتماعي والخيري حيث إن التنظيمات السياسية غير مسموحا بها·

في الكويت ما يقارب الخمسون جمعية يجمعها اتحاد ينظم علاقة الجمعيات ببعضها بعضا وعلاقاتها بأجهزة الدولة المعنية·

وهناك الأندية الرياضية التي تلعب أيضا دورا مهما في الصعود الى العمل السياسي على مستوى المؤسسات المجتمعية أو الحكومية· تعتبر الأندية الرياضية من المؤسسات الاجتماعية العريقة في التاريخ الكويتي، وهي من المؤسسات التي لعب فيها أفراد المجتمع دورا في تعزيز دور المجتمع المدني· لقد انبثقت منها الحركات الوطنية وهي تنشط في المناسبات الوطنية والقومية، وقد تعرضت لقرارات الإغلاق الحكومية· كما أنها تعتبر مجالا لأعضائها النشطين سياسيا وأرضية للانطلاق منها الى المؤسسات العليا مثل مجلس الأمة· وقد كانت الأندية الحالية تمثل والى فترة قصيرة امتدادات تلك الأندية مثل نادي الأهلي والعروبة والجزيرة·

وبما أن الأحزاب السياسية غير معمول بها في الكويت لذلك فإن عضوية مجلس الأمة والمجلس البلدي والجمعيات تمثل الفرد نفسه وإن أصبح بعض الأعضاء يمثلون بعض الجمعيات أو التيارات ولكن بصفة غير معترف بها من الدولة على الأقل·

إن هذه المؤسسات المدنية تلعب دور المؤسسات المبنية على المبادئ الديمقراطية القادرة على بناء نظام ديمقراطي مؤسسي· وفي ظل تجربة الكويت في بناء المجتمع المدني في إطارها الجغرافي والتاريخي فإن الكويت تعتبر رائدة في منطقة الخليج والجزيرة العربية·

 

مجتمع مدني في دولة ريعية

 

تشير احصاءات القوى العاملة في الكويت الى أن أكثر من 90% من القوى العاملة الكويتية تعمل في الجهاز الحكومي·

هذا يعني أن الغالبية العظمى من أعضاء مؤسسات المجتمع في الكويت موظفون لدى الدولة· أما القطاع الخاص فتعتمد القوى الاقتصادية (البرجوازية الوطنية) على الدولة في نشاطها الاقتصادي عن طريق المقاولات لمشاريع الدولة والوكالات على أساس أن الكويت كدولة ريعية تضخ عوائد النفط في السوق كجزء من سياسة توزيع الثروة وبالتالي فقد تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني مبنية على الرابطة وليس على الانفصال·  تشير وقائع التاريخ الكويتي الى أن مؤسسات المجتمع الكويتي من جمعيات تعاونية واتحادات عمالية وأندية رياضية وجمعيات مهنية كان دورها على الدوام مؤثرا· وساهم أعضاءها بدور فعال، مع كل المصاعب التي واجهتهم بصفتهم موظفين في الحكومة كما للبرجوازية الوطنية دور طليعي في عمل وفعالية المؤسسات المدنية ويوعز ذلك لمساحة الحرية التي تتمتع بها الكويت ولوجود مجلس الأمة والتاريخ الطويل لفعالية المؤسسات الشعبية· هذا التاريخ الذي تتوارثه الأجيال المتعاقبة الذي عندما تتعرض هذه المؤسسات لأية عقبات فإن المجتمع الكويتي يشعر بفراغ لا يحتمل استمراره·

لقد لعبت الديوانية دورا فريدا في تركيز واستمرارية المجتمع الديمقراطي بل وتعتبر معهدا لتربية المواطن على الديمقراطية· ففي الديوانية تتوالى وتتوارث الأجيال الوعي في حرية إبداء واحترام الرأي والرأي الآخر في مختلف شؤون المجتمع وتتعرض فيها المؤسسات والأفراد للنقد· لقد انعكس ذلك على طبيعة تعامل الفرد مع أمور وطنه في المحافل الأخرى، وما يلاحظه المراقب من تغيير قد طرأ على التعامل في المؤسسات الأخرى فهو ناتج عن تأثير التقاليد البروقراطية لبعض الوافدين الذين يعطون، وحسب تقاليد مجتمعهم اعتبارا مهما لمن يجلس على رأس طاولة الاجتماعات والتي أعطتها هيمنة الوظيفة أبعادا خطيرة على نظام المجتمع المدني· إن طبيعة النظام الاقتصادي في الكويت كان يمكن أن تفرزا أمورا أكثر سلبية في المجتمع المدني الكويتي· ولكن وجود المؤسسات المدنية المختلفة وفي مقدمتها مجلس الأمة المنتخب لعب دورا في تحصين المجتمع الكويتي ضد أخطار متعددة على مر السنين وفي مقدمتها كارثة 1990 التاريخية والمآسي الاقتصادية مثل سوق المناخ وقضايا المال العام· إن هذه التجربة تبرهن على أن أصالة المجتمع المدني وتأصيلها في الأجيال المتعاقبة جعلت فعالية أفراد المجتمع المنضوين في جهاز الحكومية تبقى فعالة في مؤسسات المجتمع المدني أيضا·

الأمر الآخر الذي يجب ملاحظته في التجربة الكويتية هو بذر وتجذير أسس المجتمع المدني في فترة كانت الكويت خاضعة للحماية البريطانية وكذلك كانت مناطق مصادر التنوير والثقافة والتأثير مثل مصر خاضعة للاستعمار وفي لاحقة كانت الكويت ولفترات طويلة تستعين بالأنظمة التعليمية من مصر وفلسطين وكانت مجتمعات هذه البلدان تناضل في سبيل العيش في ظل تراثها وحضارتها الوطنية العربية في سبيل الحرية والديمقراطية والاستقلال الوطني· فللمراقب أن يتصور الجهود العظيمة التي بذلتها الأجيال الكويتية في تلك الفترات استطاعت أن ترسى دعائم المجتمع المدني·

إن تجربة المجتمع الكويتي المريرة لما حدث في أغسطس 1990 جعلته لا يتمسك فقط بمؤسساته المدنية، بل دفعته الى إنشاء المزيد من هذه المؤسسات وديمقراطيتها وممارسة مهامها بحرية، فما زالت هناك طلبات لإنشاء جمعيات تعنى بالحريات وحقوق الإنسان مثل جمعية حقوق الإنسان وجمعية حماية المال العام ولم تحصل حتى الآن على الترخيص المطلوب لإشهارها وممارسة نشاطها ومن أعضائها من هم من كبار الموظفين في الدولة·

 

الخاتمة

 

تجربة المجتمع المدني في الكويت تعطي للباحث فرصة التمحيص في إشكالية التنظير واستيراد أو استعارة التجاربة الغريبة لمجتمع ما· إن تجربة الكويت تسمح للمجتمعات أن تستفيد لا أن تنقل تجارب الآخرين وعلى الباحث أن يتأمل في هذه العملية قبل أن يصدر أحكاما ويصوغ النظريات· فالمجتمع الكويتي قام وفي وقت مبكر في تاريخه بالمهام التي تتطلبها حياته في إطار أحكامه المحلية واهتم في المقام الأول في تأكيد دوره لحماية مكتسباته وإنجازاته بخاصة وهو في بداية تكوين نفسه منتبها الى واقعه الجغرافي موقعا ومساحة واقتصادا· وتبقى قضية المجتمع المدني استراتيجية له، وقد يغير في أسلوبه في سبيل المحافظة عليها حسب المتغيرات·

نقطة البداية لم تكن متعلقة به فقط ولكن في سلطة تحكم وتحمي وتؤمن حياة أناس ارتضوا العيش معا فكان لزاما والأمر في بدايته، تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم أي بين المجتمع والحكومة· لقد حكمت الظروف أن يكون المجتمع مؤسساته قبل أن تكون للحكومة مؤسسات دولة· ولا يعني في هذا انتفاء المؤسسات المجتمعية لأنه لم تكن هناك مؤسسات للدولة· لقد تكون الوعي بالنسبة لدور المجتمع من منطلق التكافل والتعاون فأرسى مبدأ التطوع والمشاركة ومنها انطلق الى التحول الى المؤسسة· وما ساعد على ذلك أن المجتمع الكويتي قد اختار طريق الانفتاح، ليس الى خارج حدوده فقط بل الى فتح أبواب حدوده فأصبحت بلده أرضا خصبة لترعرع الحرية والثقافة والديمقراطية فزرعت على أرضه خصائص التسامح والاعتدال التي اكتسبتها نفوسهم وتوارثتها أجيالهم في الوقت نفسه صهرتهم ملمات الدفاع عن بلدهم ومجتمعهم فاجتماع الاعتدال والتسامح مع الاعتداد والاعتزاز بتاريخهم بالدفاع عن بلدهم، وهذا ما أثار دهشة العالم في الأيام التي تلت الثاني من أغسطس 1990 الى يوم السادس والعشرين من فبراير 1991 عندما اكتشف المحتل بجيشه الذي يفوق المليون أن إصرار الكويتيين على مجتمعهم المدني لم يكن إلا إصرارا على الحرية والديمقراطية والاعتداد بكويت مستقلة·

طباعة  

هل هي "خائفة من شيء ما" والانتخابات على الأبواب؟
"جمعية المعلمين" تتصدى لـ "هلا فبراير" وتتحاشى أسئلة "الطليعة"!!

 
مدير عام منظمة العمل الدولية
هانسن: نعد لاتفاقية دولية لمنع استغلال الأطفال في الأفلام الجنسية والفن الإباحي

 
المواطنون يطرحون تساؤلات عدة حوله
المنيس يسأل عن معايير تسعير قسائم صباح السالم بـ 20 ألف دينار

 
دعا فيه جميع المهتمين بقضايا المرتهنين
باقر: المهرجان تذكير لضمير العالم أجمع بقضية الأسرى

 
في بيان له حول تهديدات النظام العراقي
الاتحاد العام لنقابات عمال الكويت: شعبنا متلاحم مع قيادته

 
في سؤالين وجههما إلى وزير النفط
النيباري يسأل عن استخراج النفط في المنطقة المحايدة وميزانيات "النفط العربية"

 
رداً على سؤال أحمد المليفي
وزير المالية: مليون و500 ألف جنيه استرليني كلفة سفارة الكويت في لندن

 
ردا على سؤال لأحمد باقر
علي الموسى: تعيين حملة الثانوية وما دونها محصور في جهاز الخدمة المدنية

 
"الداخلية والدفاع" توافق على نقل دفعات من المجندين إلى الداخلية
 
الكليب: 977 عميلاً من المدينين أحيلوا إلى النيابة العامة
 
د. الصبيح: تقارير الكفاءة تحدد بقاء الموظفين في الخارج
 
العدساني يسأل عن قبول المقيمين بصورة غير قانونية في الجيش
 
حتى لا تتحول إلى الاحتكار
"التشريعية" ترفض فتح باب الاستيراد مباشرة أمام الجمعيات التعاونية

 
....وترفض اقتراحاً بنقل تبعية صندوق التنمية إلى وزارة الخارجية
 
المطوع يسأل وزيري الداخلية والتجارة عن أذونات الزيارة الفورية