Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 1-7 ذي القعدة 1419هـ - 17-23 فبراير 1999
العدد 1365

في ورقة عن عمل المرأة وانعكاساته سلباً وإيجاباً على الأسرة في البحرين* لمنيرة أحمد فخرو**
الزواج أصبح لا يشكل عقبة رئيسة أمام عمل المرأة

·         خريجات الجامعات لا يجدن فرصة عمل لنقص التدريب أو تفضيل الذكور عليهن

·         دخل "المرأة العاملة" يخفف من الأعباء التي يتحملها الزوج تجاه الأسرة

 

مع تفاقم مشكلة البطالة وانتشار أعداد الباحثين عن عمل يدور جدل واسع في مجتمعات الخليج حول جدية عمل المرأة أو مدى تأثيره على توظيف الذكور· وتطالب بعض الأصوات بعودة المرأة العاملة الى بيتها كي ترعى أولادها وتفسح المجال أمام الرجل للالتحاق بسوق العمل· بينما أصوات أخرى تدافع عن أهمية عمل المرأة وحقها في العمل· إن أعداد الباحثات عن عمل يزداد مع مرور الوقت وليس هناك سياسة واضحة لرفع نسبة المرأة العاملة، وبخاصة أن أعداد العمالة الأجنبية تتضاعف حيث بلغت عام 1991 حوالي 134,802 أو ما نسبته 63,6% من مجموع قوة العمل، بينما بلغت أعداد البحرينيين العاملين (ذكورا وإناثا) 77,268 أو ما نسبته 36,4% من مجموع قوة العمل بالرغم من ارتفاع أعدادهم عما كانت عليه عام 1981 حيث وصلت آنذاك الى 61,199· هذا الارتفاع في أعداد العمالة البحرينية بحوالي 16 ألفا خلال عشر سنوات صاحبه ارتفاع في أعداد العمالة الأجنبية مما أدى الى انخفاض نسبة العمالة المواطنة· كما ارتفعت أعداد الإناث البحرينيات الى 13,185 عام 1991· تلك الزيادة التي بلغت حوالي 4 آلاف عاملة خلال عشر سنوات لا تعد كبيرة إذا ما قورنت بأعداد المتخرجات من المدارس الثانوية والجامعات واللاتي لا يستطعن الحصول على عمل إما بسبب نقص في التدريب أو بسبب تفضيل الذكور لملء الوظائف الشاغرة· ويشير الجدول رقم (1) الى أن الغالبية من العاطلين لعام 1991 (ذكورا أو إناثا) هم من فئة الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاما· جميع تلك الإحصاءات تعكس خللا في التوظيف ونقصا في تدريب العاملين من الجنسين كي يستطيعوا شغل الوظائف المختلفة التي تحتلها العمالة الأجنبية، كما تشير أيضا الى عدم وجود سياسة واضحة للحد من تلك المشاكل التي تكاد تسبب اختلالا في التوازن الاجتماعي· وسنطرح في تلك الورقة بعض جوانب المشكلة مع محاولة إيجاد بعض الحلول التي من شأنها الحد من تلك المشاكل مجتمعة ونقصد هنا مشاكل البطالة ونقص التدريب والتعليم الذي يتطلبه سوق العمل كما سنناقش انعكاسات عمل المرأة على الأسرة سلبا أو إيجابا· 

المعوقات التي تحد من توظيف المرأة 

بالرغم من النصوص القانونية التي تثبت المساواة بين الجنسين في العمل إلا أن تطبيقها يحدث بصورة انتقائية بين نصوص أخرى معطلة ويتم تجاوزها لتكريس الأمر الواقع· وهناك معوقات متعددة تحد من التحاق أعداد كبيرة من النساء بسوق العمل سنلخصها في الآتي:

1) المعوقات الأسرية: تظهر معظم الدراسات التي أجريت في المنطقة على المرأة العاملة أن للزواج تأثيرا كبيرا على مساهمة المرأة في سوق العمل· إلا أن ذلك الوضع يبدو مختلفا في إحصاء السكان لعام 1991 فيظهر الجدول (2) ارتفاع نسبة النساء العاملات المتزوجات حيث بلغت نسبتهن ما يزيد على 60% من مجموع النساء البحرينيات العاملات بينما وصلت نسبة العاملات غير المتزوجات حوالي 33%، وشكلت المطلقات والأرامل ما نسبته 4,2% و2% على التوالي· تلك النسب تختلف عما كانت عليه قبل عشر سنوات حيث شكلت العاملات اللاتي لم يسبق لهن الزواج غالبية مطلقة، وهو يعني قبل كل شيء أن الزواج لم يعد يشكل لدى المرأة العاملة عقبة رئيسة للالتحاق بسوق العمل· معنى ذلك أيضا أن المرأة العاملة المتزوجة لاتزال تؤدي دورين مزدوجين: الدور التقليدي والدور الحديث من تحمل مسؤوليات العمل وقضاء ساعات طويلة خارج البيت مع القيام بأعباء الحياة الزوجية ورعاية الأبناء وإدارة شؤون البيت·

2) المعوقات التشريعية: بالرغم من المساواة الظاهرة في قوانين العمل بين الجنسين واشتمال القانون على مواد خاصة بتشغيل النساء إلا أن المادة (61) من قانون العمل البحريني على سبيل المثال تحدد إجازة الوضع بمدة أقصاها 45 يوما بأجر و15 يوما بدون أجر إضافة الى الإجازة السابقة· ومعظم قوانين المنطقة تجري على النسق ذاته بل يصل الأمر أحيانا عندما تضطر المؤسسة الى الاستغناء عن بعض موظفيها ويكون الزوجان يعملان في المؤسسة نفسها، أن تفصل الزوجة ويبقى الزوج في عمله· أما فيما يتعلق بقوانين الطلاق وحضانة الأبناء في حالة الطلاق فلا يزال التطبيق الحرفي للشريعة الإسلامية هو المتبع لجميع دول المنطقة· والمرأة في البحرين مهما بلغت درجة تعليمها ومركزها في العمل تتعرض لخوف دائم من شبح الطلاق وأحيانا من عدم استطاعتها الحصول عليه، وكذلك الخوف من وجود ضرة تشاركها زوجها· وأخيرا تتعرض للتهديد الأكبر من فقدان حضانة أطفالها في حالة الطلاق· جميع تلك القضايا تشكل معوقات تحد من مشاركة أوسع في سوق العمل·

3) المعوقات الاجتماعية: ونعني هنا الاتجاهات التي تفرضها الظروف الاجتماعية والتقاليد وأهمها نظرة المجتمع الى عمل المرأة والتي يغلفها الحذر والتشكيك في قدرتها· وترى بعض جهات العمل - بخاصة قطاع العمل الخاص - أن الإناث العاملات هن أقل كفاءة وإنتاجية من الذكور العاملين، بالنسبة للمرأة مثل إجازة الوضع وإجازة العدة ومرافقة الزوج على أنها مظاهر لإنتاجية منخفضة، لذلك يفضل صاحب العمل توظيف الذكور والحد من شغل الإناث للعديد من الوظائف المناسبة·

تلك المعوقات الأسرية والتشريعية والاجتماعية لاتزال تسبب ضغوطا وعوائق تحول دون التحاق أعداد كبيرة من النساء بسوق العمل· 

البطالة: أسبابها وتأثيرها على عمل المرأة 

تقدر نسبة عمالة المرأة البحرينية بحوالي 6,2% من مجموع قوة العمل، بينما شكل الذكور البحرينيون ما نسبته 30,2% من مجموع قوة العمل التي بلغت أعدادها 212070 لعام 1991· إن انحسار معدلات العمالة الوطنية بما فيها عمالة النساء وارتفاع أعداد العمالة الأجنبية من أحد أسبابه خلل في برامج التعليم والتدريب وكذلك سياسات التوظيف وإطلاق الألوف من العمالة الأجنبية تسرح في الشوارع وتقبل بأدنى الأجور مما جعل أزمة البطالة تستفحل وتكاد تنذر بمشاكل اجتماعية وسياسية·

لقد تفاقمت مشكلة العاطلين عن العمل خلال السنوات الأخيرة حتى بلغ عدد العاطلين حاليا أكثر من 15,000 عاطل ويتوقع أن تزداد أعدادهم مستقبلا بسبب التحاق ما يقارب الـ 5000 الى 7000 شخص سنويا بسوق العمل· ومن الصعوبة استيعاب كل تلك الأعداد بسبب انتشار العمالة الأجنبية التي وصلت أعدادها الى حوالي 140,000 عامل يشكل العمال المسرحون الذين لا تحتاج إليهم السوق نسبة كبيرة بينهم· تلك العمالة هي ما يطلق عليها محليا ظاهرة التأشيرة الحرة أو Free visa· كما أن عملية توظيف الباحثين عن عمل وإعطاء الأولوية للبحرينيين لم تتم بالصورة المطلوبة· وعند البحث عن إيجاد حل لبطالة المرأة والرجل لا بد من إرجاع الأزمة الى جذورها الحقيقية والإجابة عن تساؤلات مهمة تتعلق بالمسؤولية العامة والخاصة ودور القطاع الخاص في استفحال تلك الأزمة· كما يتطلب الأمر مراجعة جادة لجميع برامج التدريب المهني ومعرف مدى نجاحها أو فشلها وكذلك مراجعة لمناهج التعليم ومعرفة الخلل في عدم نجاحها في ربط التعليم بما يتطلبه سوق العمل· ويشير الجدول (3) الى أن نسبة المتعطلين البحرينيين في عام 1991 قد وصلت الى 14,8% لكلا الجنسين وأنها 12,4% و24,8% للذكور والإناث على التوالي· كما يبين الجدول (4) نسب المتعطلين لكلا الجنسين حسب الفئة العمرية فنجد أن الذكور دون سن العشرين قد بلغوا 57,2%، وأن أكثر من ربع قوة العمل ما بين 20-24 سنة عاطل عن العمل (28,4%)، كما تبدو تلك الظاهرة أكثر حدة لدى الإناث بالرغم من أن عددهن يبلغ نصف عدد الذكور إلا أن نسب التعطل لديهن أعلى من الذكور فهي تصل الى 87,3%و51,9% لفئتي العمر (19-15) و(24-29) سنة علي التوالي· ويصنف البعض هذا النوع من البطالة تحت مسمى البطالة الهيكلية وهي تشمل العمال والباحثين عن عمل لأول مرة من الذين تقل مستوياتهم العلمية والتدريبية عن المستوى المطلوب في سوق العمل· ويحذر أحد المسؤولين بأن علاج هذا النوع من البطالة سيكون بطيئا وعالي التكلفة لأنه يتطلب إعداد برامج تدريب عالية التقنية كما يتطلب متدربين على مستوى جيد في المعرفة الأساسية لاستيعاب مناهج تلك البرامج سواء النظرية أو العملية· إن تأثير البطالة على عمل المرأة قد بدأ في البروز في الفترة الأخيرة فقد بدأت بعض الأقلام تشن حملات منظمة على عمل المرأة وأنه السبب في بطالة الرجال، وبرزت دعوات تحاول إرجاع المرأة الى البيت "لتأدية دورها الطبيعي في تربية النشء" متناسين بأن دور الرجل لا يقل عن دور المرأة في هذا المجال· وأنه يجب إعادة النظر في أدوار الزوجين بحيث يتناسب ذلك مع ظروف المرحلة الراهنة· 

التعليم والتدريب وأهميته بالنسبة لعمل المرأة 

إن إحصائيات التعليم تشير الى ارتفاع نسبة النساء المتعلمات حتى أنها قاربت أو فاقت في بعض التخصصات نسبة الذكور المتعلمين· فقد أصبح عدد الطلاب الذكور في البحرين مساويا تقريبا لعدد الإناث في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية مجتمعة فوصل الى ما فوق الخمسين ألفا للذكور ومثله للإناث· أما بالنسبة للتعليم العالي فتشير إحصائيات جامعة البحرين الى ارتفاع نسبة الإناث حتى تصل الى ما فوق %59 وذلك بالرغم من أن سياسة القبول في الجامعة تسمح للطلاب الذكور بالالتحاق بنسب متدنية بينما تضع شروطا للطالبات بالحصول على معدلات عالية كي يستطعن الالتحاق بالجامعة· إن التعليم النظامي وحده لا يكفي لتغيير واقع المرأة في البحرين فهناك حاجة الى التركيز على التدريب والتعليم خارج إطاره الرسمي كي نستطيع الوصول الى الغالبية العظمى من النساء· ولكن الواقع يظهر أن التعليم والتدريب في منطقة الخليج لايزال يطبق بصورة تقليدية محدودة من دون الأخذ بعين الاعتبار حاجة تلك المجتمعات التي تشهد حاليا تحولات كبيرة في جميع مرافق الحياة· ويمكننا تعريف التدريب المهني على أنه عملية حصول الفرد على المهارات والمعلومات أو تزويده بها أو تطويرها لديه، بشكل يؤدي الى تغيير في سلوكه أو أدائه ليصبح قادرا على القيام بعمل بشكل مناسب· وبذلك يشمل التعليم والتدريب المهني تلك البرامج التي تعد الدارس والمتدرب لمزاولة مهنة معينة، كما يشمل البرامج لرفع كفاءة الدارس المتدرب في المهنة التي يمارسها·

وهناك ثلاث قضايا مهمة تساعد على تعزيز وتقوية برامج التدريب المهني للإناث:

أ) التنسيق بين مؤسسات التدريب والتعليم النظامي ومؤسسات سوق العمل مما يؤثر على نوعية التدريب وكذلك على استخدام الموارد المالية والفنية أفضل استخدام·

ب) أهمية التوعية والإرشاد والتوجيه لبرامج التدريب المهني وذلك من خلال الدراسة النظامية· وتعتبر تلك التوعية على جانب عظيم من الأهمية فهي تساعد المرأة على اختيار المهنة المناسبة· وأيضا توعية المجتمع حول مدى الحاجة الى تدريب النساء والرجال بصورة متساوية· وتساهم التوعية أيضا في تغيير الاتجاهات التقليدية لدور الرجل والمرأة داخل المنزل وخارجه، كما تساعد التوعية المهنية المرأة العاملة التي انقطعت فترة عن عملها بسبب الحمل والإنجاب ثم رغبت في العودة الى العمل· إن غياب التوعية عن تلك الفئة من النساء تعرضهن للتوتر والإحباط وبالتالي الى تقليل فرص الترقية في العمل نظرا لتغيير ظروف ومتطلبات ذلك العمل بخاصة إذا كان يتطلب مهارة وتدريبا خاصا·

ج) طبيعة ومحتوى التدريب إذ لاتزال نسبة مساهمة المرأة في برامج التدريب المهني والتقني منخفضة· إن نوعية التدريب الذي توفره الجهات الرسمية للمرأة لا يتناسب في أغلب الأحيان مع متطلبات سوق العمل وبالتالي فهو يؤثر على إمكانية حصولها على العمل المناسب· 

أسباب نقص العمالة المدربة 

ومن الممكن إرجاع النقص في العمالة المدربة محليا الى عاملين متداخلين: التركيز الشديد في نظام التعليم في المنطقة عموما على التخصصات الأدبية وقلة البرامج التدريبية والتقنية التي تهيئ المواطنين لتولي الوظائف المطلوبة خصوصا للإناث· وقد تم فتح مجال التدريب أمامهن مؤخرا في عام 1993/92 حيث تقدمت 500 فتاة للالتحاق بمعهد البحرين للتدريب المهني ولم يتم إلا قبول نسبة ضئيلة من المتقدمات (14%) فقط· والسبب في ضعف التدريب المهني للإناث هو تفشي البطالة في صفوف الرجال مما جعل التركيز على تدريب الذكور وإهمال تدريب الإناث· ويصنف الجدول رقم (5) العاملين في دولة البحرين حسب المهنة والجنسية والجنس لعام 1981· من الملاحظ أن الموظفين التقنيين والكتبة ومن يرتبط بهم يشكلون ما مجموعه 17,700 تبلغ نسبة الإناث البحرينيات 18,4% من المجموع بينما تصل نسبة العمالة الأجنبية الى 30,4% من المجموع· ويصل عدد العاملين في البيع ما مجموعه 9,684 موظفا تشكل النساء نسبة ضئيلة تبلغ 1% فقط بينما تبلغ نسبة العمالة الأجنبية 49% من المجموع· ويصل عدد العاملين في الخدمات 26,686 تشكل النساء 3% بينما تبلغ نسبة العمالة الأجنبية 70% من المجموع· ويصنف الجدول رقم (6) العاملين حسب المهنة والجنسية والجنس لعام 1991· وبمقارنة الجدولين 5 و6 نلاحظ أن نسبة الإناث قد ارتفعت في قطاع الموظفين والكتبة الى 20% بينما هبطت نسبة العمالة الأجنبية للعام نفسه الى 26,7% على الرغم من ازدياد أعدادها· كما ارتفعت نسبة الإناث البحرينيات في قطاع البيع الى الضعف أو ما نسبته 2% من المجموع بينما ارتفعت نسبة العمالة الأجنبية الى 74,6 %·

تلك الإحصائيات تعكس الحاجة الملحة لتركيز الاهتمام على التدريب المهني، كما أن أعداد العاطلين المتزايدة من العمالة المحلية غير الماهرة يجعل قضية التوسع في مؤسسات التدريب المهني القائمة حاليا أمرا في غاية الأهمية· إن تشجيع الإناث للانضمام الى برامج التدريب المهني سوف يضاعف من حجم العمالة المدربة المؤهلة للالتحاق بسوق العمل وبالتالي سوف يقلل من الاعتماد المطلق على العمالة الأجنبية· إن أهم المعوقات التي تحد من مساهمة المرأة في برامج التدريب هو عدم إتاحة الفرصة لها في الالتحاق بتلك البرامج وحصر التدريب في المجالات التي تؤكد دورها كربة بيت مثل برامج الطهي وتربية الأطفال وحفظ الأطعمة وغيرها من البرامج التي لها علاقة بأمور المنزل، كما تشتمل برامج التدريب على الخياطة والتطريز· وتتولى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تمويل برنامج لتدريب النساء على الخياطة والتطريز· هذا البرنامج قد نجح في تخريج أعداد كبيرة من النساء إلا أنه فشل في إلحاقهن بوظائف مناسبة بعد التخرج·

وترجع بدايات التدريب المهني في البحرين الى عام 1975 نتيجة لنقص واضح في العمالة بعد التوسع الكبير الذي طرأ على الاقتصاد في حقبة السبعينيات عندما أعفت الدولة مجموعة من الشركات الخاصة الكبرى من الضريبة المفروضة عليها وتشمل تلك الشركات شركة نفط البحرين (بابكو)، والبرق واللاسلكي (بتلكو)، وصناعة الألمنيوم (ألبا) وغيرها، على أن تستحدث تلك الشركات مراكز تدريب خاصة بها حسب حاجة كل شركة من التدريب· بينما ألزمت الدولة الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم التي لا تستطيع تحمل أعباء التدريب على دفع تلك الضريبة الى المجلس الأعلى للتدريب الذي تأسس عام 1975 ومن مهامه الإشراف على تدريب موظفي تلك الشركات· ويمثل أعضاء المجلس الجهات ذات العلاقة وهي الدولة وأصحاب العمل والموظفين·وتشمل مهام هذا المجلس وضع الخطط والسياسات العامة للتدريب والتنسيق، كما يتولى تمويل مشاريع التدريب من الضرائب المتحصلة من الشركات التي لا توجد لديها برامج تدريب· كما تم عام 1976 إنشاء إدارة القوى العاملة وهي تتبع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تبعه عام 1980 إنشاء مركز تدريب على أعمال البنوك والمصارف· وكذلك أنشئت وحدة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أطلق عليها وحدة خطة تدريب عشرة آلاف بحريني· وفي عام 1981 تأسس برنامج التدريب في موقع العمل ومدته 3 سنوات، كما افتتحت صفوف مسائية في العام التالي للتدريب المهني في مركز التدريب بمدينة عيسى مدته سنتان· وتجدر الإشارة هنا الى أن بعض البرامج لم يكتب لها النجاح مثل برنامج العشرة آلاف متدرب بينما سجلت بعضها نجاحا ملحوظا كبرنامج التدريب في موقع العمل وبرنامجي التدريب في قطاع المصارف وقطاع الفندقة· 

برامج لتنمية القدرات 

إضافة الى تلك البرامج التي تخدم قطاع الاقتصاد الحديث توجد برامج تقتصر على النساء فقط وهي تهدف الى تنمية قدراتهن وتحسين مستواهن التعليمي والاقتصادي وتشمل برامج الخياطة والتفصيل وتصفيف الشعر وبرنامج الأسر المنتجة لتطوير الصناعة المحلية مثل استخدام سعف النخيل في صناعة السلال والورق وغيره وكذلك صناعة الفخار· وهنا مشروع لإنتاج السجاد محليا لاقى نجاحا وإقبالا منقطع النظير وجميع العاملات في هذا المشروع من الفتيات الريفيات تم تدريبهن محليا· أما بعض البرامج المقتصرة على النساء فقد اعتبرت محدودة النجاح لو اعتبرنا أن علاقة النجاح هي حصول الخريجات على وظائف بعد التخرج إذ إن أصحاب محال الخياطة يفضلون استيراد خياطين من الخارج نظرا لكونهم أكثر كفاءة وأقل تكلفة من الخياطات المحليات· وتظهر إحصائيات التعداد السكاني لعام 1981 أن أعداد الخياطين البحرينيين من الجنسين قد بلغت 171 شخصا من مجموع 2445 وأن عدد البحرينيات كان 72 أو ما نسبته %3 من المجموع· وبعد مرور عشر سنوات (1991) نلاحظ أن نسبة الخياطات المحليات ما تزال ضئيلة إذ وصلت أعدادهن في مصانع إنتاج الملابس الجاهزة التي أنشئت حديثا في البحرين (107) عاملة من مجموع (1330) عاملا ونسبتهن لا تتعدى %8 من مجموع الخياطين الأجانب· إن من أهم الخطوات التي تساعد على تطوير هذا البرنامج وربطه بمتطلبات سوق العمل هي: تحديد أعداد تأشيرات الدخول التي تمنح للخياطين الأجانب، وإصدار تشريعات تحدد لأصحاب محلات الخياطة توظيف نسبة مئوية من المتخرجات، وكذلك تدريب المشاركات في البرنامج حسب المعايير التي تتطلبها مصانع إنتاج الملابس الجاهزة في البحرين بحيث يسهل توظيفهن في تلك المصانع التي تتزايد أعدادها سنويا والتي تصدر إنتاجها الى الخارج·

إن التوسع في برامج التدريب المهني ضرورة ملحة للتغلب على النقص في المهارات المطلوبة ولتخريج عمالة ماهرة تواكب متطلبات السوق وكذلك للحد من البطالة الهيكلية التي تظهر انعكاساتها السلبية على المجتمع· وهناك سياسات معينة ينبغي الأخذ بها للنهوض بالتدريب وجعله يتماشى مع متطلبات سوق العمل أولها أن يتوجه التدريب الى ثلاث فئات معينة كي يعطي نتائج إيجابية· تلك الفئات هي: المتسربون من المدارس، والشباب العاطل عن العمل والفئة الثالثة - موضوع البحث - هي تلك الأعداد الكبيرة من النساء المنتظمات حاليا في سوق العمل وكذلك اللاتي تركن العمل لفترة معينة ثم قررن الالتحاق مرة أخرى بسوق العمل، وأيضا النساء الباحثات عن عمل· وثانيها أن يتم تحسين نوعية برامج التدريب وهذا الأمر مرتبط حتما بحصول المتدربين على وظائف بعد انتهاء فترة التدريب· ومن الممكن تحقيق ذلك إذا تم فرض نسبة معينة من العمالة المحلية على أصحاب الأعمال· وثالثها وضع سياسة ومعايير محددة تجاه معدلات القبول في الجامعات تطبق على الجنسين بالتساوي إذ توجد تفرقة بين معدلات قبول الذكور والإناث في معظم التخصصات· 

دور الحضانة ورياض الأطفال ودورها في إدماج المرأة في سوق العمل 

الاهتمام المتزايد بإنشاء دور حضانة ورياض أطفال ما هو إلا انعكاس لدخول المرأة ميدان العمل بأعداد كبيرة خصوصا في الحقبتين الماضيتين· إن خروج المرأة من بيتها والتحاقها بمختلف الأعمال هو ظاهرة حديثة العهد نسبيا في منطقة الخليج، إذ لم يكن من المعهود في السابق أن تقتحم المرأة المتزوجة - بخاصة من لديها أطفال - هذا الميدان، وكان الأمر مقتصرا آنذاك على فئة محدودة من النساء العاملات في مجال التدريس ومعظمهن كن ينسحبن من العمل ساعة دخولهن بيت الزوجية· وقد بلغت أعداد النساء العاملات لعام 1991 حوالي 13,185 امرأة وصلت نسبة المتزوجات منهن الى حوالي 60%، إلا أن نسبة الأمهات منهن غير معروفة· كما وصل عدد الحضانات والرياض لعام 91/1992 الى 80 روضة وحضانة تضم حوالي 10,161 طفلا و387 إدارية ومعلمة إضافة الى الرياض المرتبطة بالمدارس الأجنبية والتي يبلغ عددها 28 روضة·

وقد أجرت الباحثة دراسة ميدانية عام 1986 لتقويم أوضاع الحضانات والرياض (جدول رقم 7) وشملت تلك الدراسة حوالي 17% من جميع الحضانات والرياض الموجودة آنذاك بمعنى أنها شملت 1356 طفلا يمثلون ربع عدد الأطفال المسجلين في تلك المؤسسات والبالغ عددهم آنذاك 5000 طفل· وقد اختيرت العينة لتمثل مختلف المناطق الجغرافية في البحرين· أما النتائج التي توصلت إليها الباحثة فنلخص أهم نقاطها كالتالي:

- بلغ عدد أطفال الأمهات العاملات 686 طفلا أو ما نسبته 51 % من العينة وهذا يشير الى أن الأمهات العاملات وغير العاملات يلحقن أطفالهن بالرياض والحضانات وتجدر الإشارة الى أن معظم أفراد العينة ملحقون بالرياض وليس بالحضانات·

- معظم الرياض والحضانات تفتقر الى الممرضات ويستثنى من ذلك الرياض التابعة للمدارس الأجنبية فيوجد لديها ممرضات معتمدات·

- معظم المباني التي تشغلها الرياض والحضانات تعاني من ضيق في المكان وعدم توافر الساحات والمرافق الأساسية، وهي عبارة عن بيوت أعدت للسكن ثم جرى تأجيرها لتكون دارا للحضانة· والقلة فقط بنيت لغرض إنشاء حضانة أو روضة، وهي مستوفية للشروط الصحية والتربوية من نظافة واتساع في المبنى وحديقة منسقة تصلح لأنشطة الأطفال ولعبهم·

- يتراوح متوسط عدد الأطفال في كل مؤسسات العينة ما بين 273-31 طفلا· ومن الممكن تصنيف الحضانات والرياض الموجودة حاليا الى ثلاث فئات وذلك حسب مستوى الرعاية والخدمات التي تقدم الى الأطفال، أي بمعنى النظافة ومؤهلات العاملين ونسبة المربيات الى الأطفال ونوعية المبنى·

1) الرياض التابعة للمدارس الخاصة (وطنية وأجنبية): تعتبر أفضل من سائر الرياض والحضانات الموجودة، ولكنها تفرض رسوما عالية للالتحاق بها، ويبلغ عددها 28 روضة·

ب) الحضانات والرياض التي تدار بواسطة الجمعيات النسائية: ويبلغ عددها 22· أما مستواها فيقل عن مستوى الرياض الخاصة بالنسبة لعدد الأطفال الى المربيات، وكذلك بالنسبة لمؤهلات العاملات· وما يسترعي الانتباه في تلك الحضانات والرياض هو كونها صممت خصيصا لهذا الغرض، فهي تمتاز بالاتساع وملحق بها حديقة منسقة للعب الأطفال· وتجدر الإشارة هنا الى أن معظم تلك الرياض قد مولت إنشاءها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهي أيضا تدعم ماليا من الوزارة نفسها بمبالغ تتراوح ما بين 2000-1000 دينار سنويا·

ج) الحضانات والرياض التجارية (التابعة لأفراد): ويبلغ عددها 58 حضانة وروضة ومعظمها ينشد الربح في إدارتها، ويملكها أفراد أغلبهم من النساء· وبالرغم من كون بعضها يعتبر في مستوى جيد إلا أن الغالبية ذات مستوى أقل من المطلوب بالنسبة للمعايير المطلوبة في تلك المؤسسات·

ويزداد الإقبال سنويا على تلك المؤسسات بحيث إنها لا تستطيع تلبية طلبات المتقدمين للالتحاق بها ولا تزال أعداد كبيرة من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم ما بين 6-3 سنوات على قوائم الانتظار· وسنعرض بعض الخيارات المطروحة لإنشاء المزيد من تلك المؤسسات:

(1)الوزارات والمؤسسات الكبرى: تشكل النساء العاملات ما نسبته 21,8% من مجموع الموظفين البحرينيين العاملين في وزارات الدولة حسب إحصاء 1991، وتعمل غالبية الموظفات في وزارات الصحة والتربية والتعليم والعمل والشؤون الاجتماعية ولكن لا تتوافر إحصائية محددة بمن لديهن أطفال دون السادسة· ولتوفير دور الحضانة للأطفال الرضع ولمن هم دون 3 سنوات نقترح إنشاء مراكز للوزارات التي تزداد نسبة الأمهات العاملات فيها تشمل دار حضانة وروضة وذلك بسبب تراوح أعمار هؤلاء الأطفال ما بين الشهر الواحد والست سنوات· أما بالنسبة للشركات الكبرى فهي تضم بين موظفيها عددا غير يسير من الأمهات الشابات· ويجدر بتلك الشركات أن تضع في خططها المستقبلية إنشاء دور حضانة ورياض أطفال كي تساعد موظفاتها على حل مشكلة رعاية أطفالهن· ويفضل أن يكون هذا المركز قريبا من مكان العمل أما التكلفة فيقترح أن تلتزم كل وزارة أو شركة بتوفير المكان المناسب مع إسهام الموظفات في تسديد الرسوم الشهرية·

ب) الرياض والحضانات التي تديرها الجمعيات النسائية: أثبتت دور الحضانة والرياض التي تديرها الجمعيات النسائية تفوقها على جميع مثيلاتها لما تتميز به من خدمات ممتازة· ولكن المشكلة تكمن في قلة أعدادها وعدم استيعابها لجميع طلبات الالتحاق بها· وما تحتاجه تلك الجمعيات هو المزيد من الدعم المادي من الدولة· كذلك تستطيع الجمعيات النسائية توفير الأموال اللازمة للتوسع في تلك المشاريع بطرق ووسائل متنوعة·

ج) دعم المنشآت الموجودة حاليا وتشجيع دور الحضانة المنزلية الرخيصة: إن أهم عقبة تواجه تطوير الحضانات والرياض الموجودة حاليا هي مشكلة التمويل· 

دعم الدولة 

ولن يحل المشكلة رفع الرسوم بل سيزيد من حدتها، ولهذا السبب فإن دعم الدولة لتلك المنشآت ضروري لبقائها· كذلك من المهم التركيز على دور الحضانة المنزلية بشقيها: المرخصة وغير المرخصة· وبما أنها تدار في بيوت عادية من نساء لديهن مشاغل بيتية فمعظمها تنقصه الشروط الأساسية لسلامة الطفل· كما أن مساحة تلك البيوت ضيقة لا تسمح للطفل باللعب وممارسة الأنشطة المختلفة· وتعد تكلفة تلك المؤسسات بسيطة بسبب وجودها في بيوت عادية·

د) إضافة وحدة الى بعض المؤسسات القائمة حاليا: من الممكن استعمال بعض المراكز والمؤسسات الموجودة حاليا وذلك بإضافة وحدة أو غرفة واسعة تصلح كدار حضانة للأطفال دون الثالثة· وتتوافر معظم المتطلبات في المراكز الصحية، المراكز الاجتماعية والجمعيات النسائية والمهنية والأندية الرياضية· ولن يكلف هذا الخيار سوى مبلغا بسيطا نظرا لتوافر جميع المتطلبات في تلك الجمعيات والأندية· إن إمكانية تنفيذ تلك المقترحات سوف تحتاج الى بعض الجهد والتصميم من المخططين· أما التكلفة فهي لن تكون مرهقة للميزانية العامة بسبب وجود معظم المباني والمنشآت التي ستقام عليها تلك المؤسسات وكذلك بسبب تولي الجهات غير الحكومية مسؤولية إقامتها· 

المرأة ما بين الشريعة وقوانين الأحوال الشخصية 

إن التقدم السريع في التعليم الذي أحرزته المرأة في البحرين والمنطقة الخليجية، واقتحامها ميدان العمل لم يصاحبه تقدم وإصلاح في القوانين التي تحكمها ولايزال التطبيق الحرفي للشريعة معمولا به في عموم المنطقة· فمثلا ليس هناك سن محدد للزواج بالنسبة للفتيات وباستطاعة الأب أو من يقوم مقامه من أقاربها تزويجها في أي سن يشاء· ويشير تعداد 1991 الى أن عدد الفتيات المتزوجات في سن أقل من 15 سنة قد وصل الى 11,85 أو ما نسبته 17,3% من مجموع النساء المتزوجات ومعظمهن ينتمين الى المناطق الريفية· وبالنسبة لتعدد الزوجات فلايزال الزوج يتزوج على امرأته مثنى وثلاث ورُباع ساعة يشاء من دون مساءلة من أحد حتى من زوجته الأولى· وتبقى قضية تعدد الزوجات مشكلة تؤرق معظم الزوجات· أما بالنسبة لأحكام الطلاق فليس باستطاعة المرأة الحصول عليه وأحيانا يتخذ مؤخر الصداق من قبل الزوج مادة للمساومة للزوجة عند طلبها للطلاق بسبب إيذاء الزوج لها مقابل موافقته على الخُلع· وتبقى حضانة الأطفال في حالة الطلاق قضية حساسة تحتاج الى إصلاح عاجل وذلك بمنح الأصلح من الزوجين حق الحضانة· إن الحاجة الى إصدار قانون متطور للأحوال الشخصية ينظم علاقة المرأة بأسرتها وزوجها وبالمجتمع قضية في غاية الأهمية· ويقصد هنا بقانون الأحوال الشخصية أنه "القانون الذي ينظم المسائل المتعلقة بأحوال الناس، وأهلية كل فرد منهم، وكذلك المسائل المتعلقة بنظام الأسرة كالخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة، والمهر ونظام الأموال بين الزوجين، الى جانب المسائل المتعلقة بالطلاق والتطليق والتفريق وغيرها من المسائل ذات العلاقة الوثيقة بالإنسان منذ ولادته الى وفاته"· ولعل السبب الرئيس في عدم وجود إصلاحات في قوانين الأحوال الشخصية يعود الى بطء التقدم الاجتماعي وعدم الوعي بضرورة التغيير من شرائح مهمة في المجتمع· ولا بد أن نذكر أن المرأة لا تشكل حتى الآن قوة ضاغطة في المجتمع وبعيدة عن صناعة القرار· إن رفع الوعي القانوني لدى المرأة يجب أن يكون من أولويات القضايا بالنسبة للمهتمين بقضية المرأة بمن فيهم  عضوات الجمعيات النسائية لإعداد برامج لتعريف المرأة بحقوقها القانونية وحقوقها في محيط الأسرة· 

تأثير عمل المرأة على الأسرة 

إن دخول المرأة ميدان العمل بأعداد متزايدة هو حقيقة واقعة بالرغم مما يكتنفها من صعوبات ومن صيحات تطالب بعودتها الى البيت كي تمارس واجباتها "الطبيعية" وتخلي مواقعها في العمل للرجل الذي يشكو من البطالة· وهذا ما يجعلنا نتأمل ونناقش تلك المسيرة الثابتة للمرأة العاملة واحتلالها مواقع مختلفة في ميدان العمل· هل سببها انتشار المفاهيم الحديثة التي تنادي بالمساواة بين الجنسين وتصميم المرأة على تغيير وضعها التقليدي الذي عانت منه ولايزال منذ عهد بعيد·· أم هو انتشار التعليم والانفتاح على الخارج أم هي الحاجة الاقتصادية التي تجعل تلك العوامل تلعب دورا بارزا في دفع حركة تحرر المرأة؟ وحق العمل هو قضية أساسية في تلك الحركة· وكما يقال إنه يتطلب أن تصب روافد كثيرة في مصب واحد كي تشكل نهرا جاريا، هكذا مسيرة المرأة، والعمل هو أبرز معالم تلك المسيرة لأنه يعني، قبل كل شيء، تحررها الاقتصادي وانطلاقها للمشاركة في عملية التنمية· إن البحث عن المسار الصحيح لا يتم إلا بإرجاع الأزمة الى جذورها الحقيقية وأولها تفشي البطالة بين صفوف الرجال وازدياد أعداد العمالة الأجنبية خصوصا ذات التأشيرات الحرة·

ردود فعل سلبية 

ولكن دخول المرأة ميدان العمل بأعداد متزايدة في السنوات الأخيرة قد جلب معه بعض ردود الفعل السلبية ويبدو ذلك واضحا حتى في الدول الصناعية التي ترتفع فيها عمالة المرأة فقد برزت انتقادات حادة أرجعت معظم الاختلال والتفكك الذي تعاني منه الأسرة في تلك الدول الى التحاق أعداد كبيرة من النساء - بخاصة الأمهات - بميدان العمل فالأطفال، حسب قولهم، لا يحصلون على الرعاية الكافية في حالة غياب المرأة عن بيتها طوال النهار وأن عمل الزوجة يزيد من استقلالها المادي ويخفف من اعتمادها على زوجها وبالتالي يقلل من خضوعها التقليدي مما يسبب الانفصال بين الزوجين كما أن تغير دور المرأة لا بد وأن يؤثر في الدور التقليدي للرجل مما يؤثر في اختلال الأدوار بينهما وهدم الحياة الزوجية· وقد استعملت حجج ومناقشات مشابهة في البحرين والخليج لإظهار سلبيات التحاق المرأة بميدان العمل ولكن المناقشات عندنا تزيد عليها بأن المرأة في الخليج غير مهيأة للعمل فهي لم تنل من التعليم قسطا كافيا يؤهلها لخوض طريق العمل المحفوف بالأشواك وهناك من يدعي بأن عمالة المرأة قد أثرت في تربية الأطفال حيث يتركون تحت إشراف المربية الأجنبية الى حين عودة الأم من عملها· ومما ساعد على ازدياد حدة هذه المشكلة عدم تيسر دور الحضانة المناسبة وحتى في حالة وجودها فمعظمها لا يلبي حاجات الطفل الصحية والتعليمية مما يدفع بالكثير من الأمهات العاملات الى الإحجام عن إلحاق أطفالهن بتلك الحضانات· كذلك برز عامل مهم أضاف الى المشكلة بعدا أكبر وهو تقلص الدور التقليدي للأسرة وبروز الأسرة النواة المكونة من الزوجين والأطفال، ففي الماضي كانت الزوجة تعتمد في رعايتها على أسرتها الممتدة التي تشمل الأم والأخوات والعمات والخالات إضافة الى عدد كبير من الأقارب ولكن لم يصاحب بروز الأسرة النواة في الفترة الحالية ما تحتاجه من خدمات بديلة للأسرة الممتدة ونعني بذلك توفير دور الحضانة ورياض الأطفال اللازمة وأماكن التسلية والترفيه ومطاعم الوجبات السريعة كبديل حتمي لاضمحلال دور الأسرة الممتدة· ويسترسل بعض الناقدين بأن عمل المرأة قد أثر في كيان الزوج وشخصيته بصورة سلبية وأن الزوجة التي تقضي معظم يومها في عملها ليس باستطاعتها توفير الحب والرعاية لزوجها وأطفالها مثلما توفره الزوجة المتفرغة لبيتها· لقد استعملت جميع تلك المقولات من الكثيرين لإظهار سلبيات المرأة العاملة ولكن هناك من يبرز النتائج الإيجابية العديدة لعمالة المرأة وأهمها الكسب المادي لها ولأسرتها· إن الدخل الإضافي الذي توفره المرأة العاملة يخفف كثيرا من الأعباء المادية التي يتحملها الزوج وحده في حالة تفرغ الزوجة لبيتها فقط· إضافة الى دخل الأسرة فقد نشأ عن التحاق المرأة بسوق العمل تأخير سن الزواج بالنسبة للفتيات وكذلك تقليل عدد مرات الإنجاب خصوصا إن معدلات الزيادة الطبيعية للسكان في البحرين تعتبر من المعدلات العالية في العالم· وأخيرا فإن عمالة المرأة قد أضافت نتيجة إيجابية مهمة إذ نتج عنها مساواة أكثر بين الجنسين· 

* مجلة الاجتهاد - بيروت

العددان التاسع والثلاثون، والأربعون - السنة العاشرة ـ صيف وخريف عام 1419هـ - 1998 م

** متخصصة في العلوم الاجتماعية بجامعة البحرين - وباحثة زائرة في عدد من الجامعات الأمريكية

طباعة