يطغى هذه الأيام على يوغوسلافيا جو "نهاية حكم" في بلغراد حيث يراود الناس منذ فترة طويلة اعتقاد مفاده أن سلوبودان ميلوسيفيتش هو "الطاغية الأخير في البلقان"·
عن هذا صرح عالم الاجتماع الصربي ميلينكو ديرتيا ممثل منظمة "المبادرة المدنية" غير الحكومية قائلاً: "شخصياً" اعتبره في حكم المخلوع· فقد انتهى أمره· والمعارضة الصربية المقسومة التي تخضها الخلافات الشخصية تُجمع على شيء واحد: وجوب خروج ميلوسيفيتش· وما يبقى هو تحديد الطريقة·
و"أنصار الشرعية" مثل الجنرال (المعزول) مومسيلو بريسيتش لا يريدون إجباره على الاستقالة، إنما يفضلون أن يعزله البرلمان الذي انتخبه· وهذا الاحتمال غير مرجح لأن أنصار ميلوسيفيتش يشكلون مع النواب القوميين المتطرفين بزعامة فويسلاف سليسيلي ثلثي البرلمان الاتحادي·
وخيار المخرج "الدستوري" - أي غزل ميلوسيفيتش بدعوى تخطي سلطاته الدستورية - يعاني مشكلة أخرى· فعند التخلص منه، كيف سيكون مصير ميلوسيفيتش؟
ففي الآونة الأخيرة، اقترح رئيس بلدية مدينة تشاتشاك المتمردة فيليمير إيليتش أنه "إذا تقاعد (ميلوسيفيتش) في مدينته الأصلية بوزار يفاتش يمكنه أن يتحول إلى مقصد (نصب) تاريخي، لكن المجتمع الدولي ربما يطالب عندئذٍ بتسليم الرئيس اليوغسلافي إلى محكمة الجزاء الدولية باعتبار ذلك شرطاً مقابل حصول بلغراد على مساعدة لإعادة البناء· أما فراره إلى بلد ثالث - يكون واحداً من قائمة هي حاضرة الآن - فهو خيار ممكن· فحسب الشائعات الدائرة في بلغراد ربما تكون الصين ملاذه الأخير لما كان ميلوسيفيتش نقل ثروته إلى هونغ كونغ قبل تجميد حساباته رسمياً·
بالنسبة إلى أطراف آخرين، مثل زوران دينديتش زعيم الحزب الديمقراطي المعارض، ربما يكون ميلوسيفيتش مضطراً بدءاً من شهر نوفمبر المقبل إلى التخلي عن السلطة تحت ضغط الشارع· فالغضب يسيطر على صربيا الآن· وبعد سبع سنوات من العقوبات الدولية وهزائم عسكرية متلاحقة وآخرها 11 أسبوعاً من القصف الجوي المتواصل لحلف شمال الأطلسي غرقت البلاد في الفوضى·
فقد دك القصف مصانع مدن الجنوب ودمر البنية التحتية للمواصلات وطالت البطالة نحو نصف السكان الناشطين· وإبان الضربات الجوية تضاعف استهلاك الصرب للأدوية المهدئة· وفي بلغراد لا يصعب على المرء أن يشاهد طوابير التزود باللحوم والوقود بواسطة بطاقات التقنين في حين أن السوق السوداء ضربت أطنابها في كل مكان··· وانهارت الطبقة الوسطى في حين أن جزءاً بسيطاً من السكان بمن فيهم الطبقة الحاكمة بقي فوق المعاناة·
صار الاستياء شاملاً حتى في صفوف الجيش لما كان عدد من الجنود الاحتياط الذين قاتلوا في كوسوفو يطالبون بالحصول على أجورهم غير المدفوعة· ويقول أحد المراقبين إن ميلوسيفيتش "لم يعد بإمكانه أن يفخر بالجيش· فالشبان لا يؤيدونه وهذا واضح· فهل يرفض تسليمهم السلاح كما فعل قبل عشر سنوات مع الشباب الألبان في كوسوفو عندما صرفهم من الخدمة العسكرية" ويخشى هذا المراقب أن تندلع حرب أهلية نتيجة ذلك·
ويقدر نيبوسيا كوفيتش أحد زعماء المعارضة أن الحكومة يمكنها الرد على الاستياء الشعبي ويقول إن ميكوسيفيتش "سيقاتل حتى آخر نقطة دم وحتى آخر صربي"· ويقول أحد زعماء منظمة "المقاومة" الطلابية المعارضة إن "من يسانده مئة ألف شرطي لا يحتاج إلى أي شرعية"· ويقدر ميلينكو ديرتيا أن "التعديل الحكومي الأخير (الذي أسند خمسة مناصب وزارية مهمة إلى القوميين المتطرفين) يؤكد أن ميلوسيفيتش القريب جداً من راديكاليي سليسلي مستعد لاستغلال هؤلاء"، ويضيف عالم الاجتماع: "يملك ميلوسيفيتش أشياء أخرى: إنه البقية الباقية من الاقتصاد، ووسائل الإعلام، والشرطة في حين أن عدداً قليلاً فقط من جنرالات الجيش مازالوا يؤيدونه"·
لكن ميلوسيفيتش يشعر الآن أنه معزول· فإذا لم تظهر في حزبه الاشتراكي أي بوادر انشقاق، فإن كثيرا من شخصياته يعبرون سرا عن تحفظاتهم· وفي هذا الصدد صرح فويسلاف كوستونيتشا أحد زعماء المعارضة لصحيفة "فريمي" (الوقت) أنه "يجب إدراك وجود حركة تمايز في صفوف الائتلاف الحاكم· فكثير ممن وصلوا إلى قمة السلطة غير مستعدين لربط مصيرهم ميلوسيفيتش· وهناك كثير من المسؤولين الرسميين بدأوا يغيرون لغتهم"، وفي النهاية، لا يستبعد البعض مثل فيسنا بيسيتش الرئيس السابق لـ "الائتلاف المدني" وأحد قياديي المعارضة البارزة حصول سيناريو "بالطريقة الرومانية" في مقارنة مع انتفاضة ديسمبر من عام 1989 التي أودت بحياة نحو ألف شخص وأفضت إلى إعدام الرئيس نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته·
وربما تنتهي الأمور بخاتمة أخرى غير مستبعدة، وهي إجراء انتخابات تشريعية مبكرة طالبت بها المعارضة· ففي 17 أغسطس الماضي أعلن نائب رئيس الوزراء الصربي فوسيلاف سليسلي الداعي إلى إقامة "صربيا الكبرى" أنه "إذا أرادت ذلك المعارضة فنحن مستعدون لتحديد موعد غداً"·
ومثل هذه الانتخابات تصب حتماً في غير تنظيم ميلوسيفيتش الذي فقد قلاعه في جنوب يوغسلافيا وفي كوسوفو· وفي المقابل قد تفتح هذه الانتخابات الطريق أمام القومي المتطرف سليسلي· فكما يعترف ديرتيا أن "الجنون المطبق هو أن نعتقد أن النزعة القومية تتراجع في صربيا· فهي لم تفعل شيئاً غير تغيير ردائها· وهي تحولت إلى وطنية إبان القصف·
ومن جهة المعارضة تبقى النقاشات صربية الطابع· فالناس صاروا يتصرفون كما لو أن صربيا التي تخلصت من كوسوفو تحولت دولة ذات نقاء عرقي"·
"لوموند"