رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 رمضان-11 شوال 1410هـ - 5-18يناير2000
العدد 1410

المفكرة رقم 2
المعلوم والمكتوم في دور الملك الحسن وسياساته(2-2)

·    لقد صدم الشعب والحكومة في إسرائيل بإعلان وفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، فطوال حياته أظهر شجاعة نادرة وحكمة سياسية جعلت منه رائداً في التقارب مع إسرائيل، وفي بناء جسور سياسية واقتصادية بين البلدين· وقد أصبح صديقاً ليهود المغرب ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل

·      لم يرد على بال "جمال عبدالناصر" ولا حتى كهاجس أو كابوس - أن المشكلة فوق "أوفقير" وأعلى منه، وأن الموساد - كما يظهر الآن من شهادات الساسة ووسائل الإعلام الإسرائيلية في مناسبة رحيل الملك "الحسن" - كان لها مركز تنصت وتسمع على كل كلمة تجرى في اجتماعات ملوك العرب ورؤسائهم في الرباط

·     كتبت جريدة "معاريف" في 26 يوليو 1999 بعد أيام من وفاة الملك الحسن: كشف أمير أورين (مسؤول بارز في الموساد) في مقابلة مع هذه الجريدة، أن المك الحسن سمح للموساد بأن تتسمع على المناقشات التي دارت بين الزعماء السياسيين والقادة العسكريين للعالم العربي، في مؤتمر قمة الرباط سنة 1965·· ولابد من الاعتراف أن هذه التسمع كانت له نتائج مخابراتية مهمة في الجهد الذي أدى إلى انتصار إسرائيل في حرب 1967

 

محمد حسنين هيكل

كان التوقف عن الحديث عن هذا النحو بسؤال لم يوجه بعد مثارا لدهشتي··

وسألت الملك: هل هناك شيء؟

وقال بسرعة: نعم أريد أن أسألك ماذا كنت تعرف عن محاولات الانقلاب التي دبرها أوفقير على سواء بمحاولة قتلى بواسطة مذبوح "الجنرال مذبوح مساعد أوفقير في يوم عيد ميلادي في قصر الصخيرات "في يوليو 1971" ثم بعد ذلك عندما حاول "بعمل مباشر قاده بنفسه سنة 1972" ضرب طائرتي بالنار وأنا عائد إلى الرباط من باريس"؟

وقلت ودهشتي تزداد "جلالة الملك إن صيغة سؤالك بـ "ماذا كنت أعرف" تحمل إيحاء بأنه كان لي علم مسبق بهذه المحاولات ضدك"·

وقال الملك على الفور "الحقيقة أن هذا هو قصدي بالضبط لا أقطع بأنك كنت تعرف ولكني لدي ما يدعوني إلى الشك في أنك كنت تعرف"·

وقلت للملك:" إنني أستغرب أن أسمع منه أن مثل ذلك دار في خاطره من قريب أو من بعيد"·

ورد قائلا:اذن كيف تفسر الطريقة التي صدر بها "الأهرام" صبيحة يوم الانقلاب؟

إن جريمة الانقلاب "انقلاب الجنرال مذبوح" بدأ تنفيذها في الساعة السابعة مساء وكان التوقيت عندكم في القاهرة التاسعة مساء ومع ذلك فإن صدر "الأهرام" وعلى خمسة أعمدة بعرض الصفحة الأولى كان يحمل تفاصيل كاملة عما جرى كيف يمكن أن يتأتى لكم هذا القدر كله من المعلومات إلا إذا كان هناك علم مسبق واستعداد له إلى هذه الدرجة"؟

ورغم أن استغرابي بلغ مداه فقد رحت أشرح للملك في هدوء أساليب العمل الصحفي الحديث حاولت أن أشرح كيف تتلقى الجريدة أخبارها، كيف تصل إليها التفاصيل بسرعة ثلاثة الاف كلمة من جميع الوكالات في كل دقيقة كيف تعمل هيئة تحريرها في مواجهة حدث ضخم كيف تجري الاستعانة بأقسام المعلومات في أي جريدة لتكملة خلفيات الحوادث والشخصيات، وكيف وكيف إلى آخره·

ثم أوضحت أن ذلك ما حدث ليلة الانقلاب ففي أقل من ساعتين كانت هناك خمس صفحات كاملة وليس فقط خمسة أعمدة على الصفحة الأولى تقدم للناس صورة كاملة ومفصلة وشاملة للأخبار والتحليلات·

وكان الملك يسمعني بصبر وكان كل الجالسين معنا ــ أربعة شهود ــ يتابعون حوارنا مأخوذين لم يتدخل واحد فيه بكلمة·

ولوهلة بدا لي أن الملك يفكر فيما قلته له ــ لكنه عاد بعد قليل يطرح سؤالا أو تساؤلا آخر·

هل تعرف أن أحد المتآمرين مع أوفقير  في محاولته المباشرة الثانية بعد شهور من محاولة الجنرال مذبوح "اعترف بأن هذا الخائن "أوفقير" كان ينوي بعد نجاح انقلابه أن يبعث إليك بدعوة لكي تجيء وتكتب عن انقلابه كما كتبت عن انقلاب معمر القذافي في ليبيا؟ إنك كنت أول واحد ذهب إلى ليبيا نفس ليلة انقلاب القذافي"·

ولم أتمالك نفسي فابتسمت وقلت للملك:

ــ "جلالة الملك" إن نية أوفقير بدعوتي لم تصل إلى علمي وعلى فرض نجاحه في انقلابه  ضدكم ودعاني إلي المغرب فقد كان لدى كل سبب يدعوني إلى عدم الاستجابة وأهم الأسباب أنني أعرف الرجل وأعرف ماضيه أما القذافي فقد استجبت لدعوته لأنه كان ظاهرة مفاجئة جديدة ومثيرة"·

ثم أضفت:

الغريب أنك تعرف رأيي في أوفقيرة، فهو رأي لم أخفه أبدا وقد كتبته مرارا وبإلحاح·

إننا جميعا في مصر وجمال عبد الناصر أولنا كنا نعرف أن أوفقير هو رجل وكالة المخابرات  المركزية الأمريكية في المغرب العربي كله ولم يكن بيننا وبينه حب موجود أو مفقود، كنا دائما نشك في الرجل وكنا دائما نتهمه وقد كنت أنت الذي اعتبرت أن بعض هجومنا العلني عليه هجوم مستتر عليك بوصفه رجلك فهل تتصور أنني أو أي واحد غيري كان يمكن له أن يظن أو يخطر بخياله أن أوفقير رجل مهيأ لأي عمل وطني أو قومي وذلك على فرض أن انقلابه عليك يمكن أن يعتبر عملا وطنيا أو قوميا؟

لا أستطيع أن أخفي عنك أنني أستغرب ما سمعته منك الآن"·

ثم أسعفتني الذاكرة بواقعة قريبة فقلت للملك:

ــ "إن أنور السادات الآن رئيس للجمهورية في مصر، فهل تعرف كيف جاء اختياره؟ إن "أوفقير على نحو أو آخر له ضلع في هذا الاختيار"·

وكان الملك يسمعني باهتمام، واستطردت:

ــ في ديسمبر 1969 كان جمال عبد الناصر يستعد للسفر إلى الرباط لحضور مؤتمر القمة العربي الذي دعوت جلالتك إليه·

وجاءت معلومات بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تدبر مؤامرة لاغتياله في المغرب وأن الملكلف بها هو أوفقير وزير داخليتك والمسؤول عن الأمن في مملكتك ووقتها فكر جمال عبد الناصر طويلا في توصيات من أجهزة أمنية مصرية دعته إلى التغيب عن مؤتمر القمة لكنه صمم على الذهاب ومن باب الاحتياط فقد رأى تعيين نائب لرئيس الجمهورية "أنور السادات" فترة غيابه حتى لا يحدث فراغ على قمة السلطة في مصر إذا حدث له شيء المغرب ·

فهل الرجل الذي بلغ شكنا فيه هذه الدرجة هو الرجل الذي أسانده في انقلاب يستولي به على السلطة في المغرب؟

إنني أسألك بدوري وألح في سماع إجابتك·

ومرة أخرى بدا على الملك أنه يفكر ويقلب ما سمع من حججي ثم بدا أن فكره راح يستقر فقد سألني:

ــ إذن فأنت تؤكد لي "وأضاف كريما "كأخ وصديق" أنك لم تكن على علم لا بخطة الانقلاب ولا بفكرة دعوتك لتكون أول من يكتب عنه؟"

ووجدتني أقول للملك:

ــ إنني أؤكد لك أنني لم أكن أعرف على الإطلاق وأكثر من ذلك فقد كان أوفقير آخر رجل كنت أظنه ينقلب عليك، لقد كان أقرب المقربين إليك ولقد كانت صدمتنا بانقلابه مفاجأة لنا جميعا لا تقل عن مفاجأتك أنت"·

وكان الملك كريما مرة أخرى عندما قال:

ــ إنني أصدقك ·· وقد انتهى الموضوع فيما يتعلق بي  لقد كان ضروريا أن أسألك ولم يكن في مقدوري أن أخفي شكوكي في سري وأن أواصل الحديث معك فيما كنا نتحدث فيه بينما صدري مطوي على شك"

وقلت له "إنني سعيد بما سمعته منه"

واستنؤنفت أحاديثنا من حيث توقفت وفتحنا أشرعة الحوار للسهر يأخذنا إلى بحار واسعة حتى قرب الساعات الأولى من الصباح وطالبت بمساعدتي ــ في هذا الموضوع ــ ومرت السنوات طوالا حتى فاجأني كتاب "ذاكرة ملك"·

والفاشلة الأولى من الصخيرات سنة 1971" وراء المصريين ومعلوم أن الجرائد المصرية تصل إلى المغرب بعد ست ساعات من طبعها وفي يوم 10 يوليو وبعد  سويعات على المحاولة الانقلابية كتبت صحيفة "الأهرام" القاهرية واسعة الانتشار على خمسة أعمدة وتحت عنوان بارز "مقتل الطاغية الحسن الثاني انتهى الديكتاتور وانتصرت القوى الحية والوطنية بالجيش" ــ وكان محمد حسنين هيكل من رجالات جمال عبد الناصر وقد التقيت فيما بعد بمحمد حسنين هيكل وتباحثنا طويلا في الموضوع ولقد وعدته بألا أبوح أبدا بما دار بيننا"·

وانتهيت من قراءة هذه العبارة وما تلاها وأدركت متأخرا أن الشكوك ما زالت عالقة بـ "ذاكرة الملك"·

ثم خطر ببالي أن أعود إلى مراجعة عدد "الأهرام" الصادر غداة الانقلاب العدد الذي أثارت مواده شكوك الملك وهواجسه وهو عدد 11 يوليو 1971 ولم تكن عناوينه على النحو الذي حفظته "ذاكرة ملك"·

كانت العناوين إخبارية ومحايدة، ونصوصها كما يلي:

ضرب الملك الحسن بالرشاشات وإعلان الجمهورية في المغرب ــ الرشاشات أطلقت على الملك وقصره بينما كان يحتفل بعيد ميلاده الـ 42، الجيش يستولي على السلطة ويعلن بيانا بالراديو يقول:

مات الملك ·· تحيا الجمهورية

قوات الجيش تعزل حتى الوزارات ومقر القيادة والإذاعة

وسط أنباء عن سقوط قتلى وجرحى من كبار رجال الدولة"·

وكانت مصادر هذه الأخبار كلها مذكورة في صدر الأهرام وفي الطبعة الأولى منه، وهي: وكالة الأنباء الفرنسية ـ وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية ــ وكالة اليونايتدبرس الأمريكية ـ وكالة رويترز البريطانية·

وفي الطبعة الثانية من نفس العدد تغيرت العناوين مع تغير مسار الحوادث ــ فأصبحت:

"الملك ينجو من الهجوم

الملك يروي كيف نجا ويعلن عمليات إعدام المتآمرين تتم اليوم ــ التفاصيل الكاملة للأحداث الدموية التي شهدتها الرباط"

ومرة ثانية فقد كانت وكالات الأنباء العالمية الكبرى هي المصدر والأساس الذي قام عليه عرض القصة على امتداد خمس صفحات·

واذن فقد كانت عناوين "الأهرام" ومتابعته للحوادث إخبارية لم يكن فيها حرف عن "مقتل طاغية" أو نهاية ديكتاتورية" أو "انتصار قوى حية"·

ولقد ذهبت أبعد من ذلك خطوة في التثبيت والمراجعة ذلك أنني عدت إلى ما كتبته بنفسي في ذلك الوقت فضلا عما نشره  "الأهرام" من تغطية إخبارية وإذا بي أتبين أنني أبديت رأيي بصراحة في أوفقير بعد محاولة الانقلاب الأولى "محاولة الجنرال مذبوح" وكان ما زال في السلطة لم ينكشف أمره بعد إعدام الجنرال مذبوح وفي هذا المقال المنشور يوم الجمعة 16 يوليو 1971 أوردت حوارا كان قد دار بيني وبين أوفقير قبل سنوات ومن الغريب أن ذلك الحوار دار في حضور الملك الحسن نفسه وكان بين النصوص التي وردت في مقالي ــ المقطع التالي بالحرف:

إن الجنرال أوفقير كان دائما تجسيدا حيا لأداة القمع والإرهاب·

وأذكر مناقشة دارت بيني وبينه أمام الملك وأمام شهود من بينهم السيد خالد الحسن أحد قادة فتح البارزين وقد جرت أثناء مؤتمر القمة في الرباط سنة 1969·

لقد جاء الجنرال أوفقير يسلم علي وأحس بحيرتي وأنا أمد يدي إليه فقد كان في ذهني ساعتها بن بركة "الزعيم المغربي الذي تولى الجنرال خطفه وقتله بشهادة الرئيس الفرنسي شارل ديجول"

وقال لي أوفقير:

- إنني أتحاشى الصحافة والصحفيين دائما ولكني أتابع ما تكتب·· لماذا تهاجمني "يقصد اتهامي له بخطف بن بركة" وأنك لا تملك دليلا؟

وقلت له متأدبا لأن الملك كان يتابع باهتمام كما أن غيره كان قد لفت انتباههم منظري واقفا مع أوفقير بينما صداقتي لبن بركة معروفة لديهم بتفاصيلها·

قلت لأوفقير·

- أنت رجل غامض على الأقل والرجل الغامض متعب لخصومه ولأصدقائه على السواء·

خصومه لا يعرفون بالضبط·· ماذا؟

وأصدقاؤه لا يعرفون بالضبط·· كيف؟

وقال أوفقير؟

- إنك تحيرني·· لم أفهم قصدك بماذا ولا بكيف؟

قلت:

 لأنك غامض فإن الخصوم لا يعرفون بالضبط ماذا فعلت؟ كما أن الأصدقاء لا يعرفون بالضبط كيف يدافعون عنك هل كلامي الآن واضح؟

وقال أوفقير:

 أنا رجل بلا خصوم!

ثم استطرد بسرعة

 وبلا أصدقاء!

وقلت له:

 لا ·· إنني أعرف لك خصوما·· فهل لا تعرف أنت لنفسك أصدقاء؟

قال أوفقير:

 قال لي أولاً··· هل أنت خصم أو صديق؟

قلت والكل (بمن فيهم الملك نفسه) يتابعون الحوار:

 وتريدني أن أجيبك بصراحة؟

قال:

 إذن فأنا خصم!

 واستطردت أخفف وقع ما قلت:

 لكي أكون منصفاً فأنا بالطبيعة خصم لما تسمونه سلطة الأمن··· أي خصم لوزير الداخلية··· أي وزير داخلية·

وعندما يكون اسم وزير الداخلية هو أوفقير فإن الخصومة معه تصبح أشد··· أشد تعقيداً على الأقل·

وقال أو فقير وهو ينظر إلى المك ثم يعود فيوجه الكلام لي:

 هل يضايقك حفظ الأمن؟

قلت:

 يتوقف على معنى الأمن·

قال:

 هذا كلام واسع··· إنني أتحدث عن "الأمن" ضد الأفكار وأنت تتحدث عن الأمن ضد اللصوص··· مسألة الأمن ضد اللصوص لا أناقشك فيها··· لكن المناقشة هي أمن الفكر···

وقال أوفقير:

 الأمن الفكري ألا تختلف عن رأي الجماعة·

قلت:

 ذلك يعني قبول الأمر الواقع كما هو وحظر التفكير في غيره:

قال:

 ليس من حق أحد أن يخرج على الجماعة··· هذا حكم الدين·

قلت:

 لماذا أدخلت الدين في المناقشة؟ ثم أليس صحيحا أن محمد (صلى الله عليه وسلم)الوحي نادى بفكر يختلف عن فكر الجماعة في قريش، وكان الحق ما نادى به محمد؟

أسألك: لو أنك كنت وزيراً لداخلية قريش··· ماذا كنت تفعل في محمد بن عبدالله وهو ينادي برأي يختلف عن رأي الجماعة···· أليس كذلك تبدأ حركات التطور الكبرى سواء كانت وحياً مباشراً من الله أو فكراً حراً من قلب إنسان؟

وقال أو فقير محتجاً:

- ولكني لست وزيراً لداخلية "قريش"·

وربما يتذكر الملك هذا الحديث الذي جرى أمامه سنة 1969، ثم نشر كاملاً سنة 1971 - سنتين أو ثلاث قبل انقلابات أوفقير عليه، وست سنوات أو سبع قبل لقائنا في فاس سنة 1975· والنصوص واضحة تكشف الحقائق، كما أن معانيها كافية للدلالة على النوايا المستترة في الضمائر· والمحصلة أن أي صلة لي سواء بالعلم اليقيني أو بالنوايا الخفية - مع أوفقير أو خططه كانت ضرباً من المستحيلات· وكنت أتصور المسائل وضاحة وجلية· لكن ذلك لم يكن ما ظهر في كتاب الملك· ومن هنا كان هذا الحديث لازماً وواجباً·

ثم يبقى أن الوقوف بأدب أمام "ذاكرة ملك" شيء ضروري ومطلوب·

ومع ذلك فإنني أتمنى أن تكون "ذاكرة صحفي" قادرة على أن تعرض منظوراً مختلفاً - وأن تفعل ذلك بمنتهى الاحترام·

(انتهى مقال "ذاكرة صحفي - رداً على كتاب "ذاكرة ملك")·

الاعترافات تنهمر مع الدموع!··· والتاريخ وحده يستطيع أن يحكم

 

(1)

 

عندما أُعلن عن وفاة الملك "الحسن" يوم 23 يوليو الأخير كانت ردود الفعل في إسرائيل عاجزة عن السيطرة على النفس، وكذلك أدى الاعلان عن وفاة الملك إلى خلل في التوازن أعقبته لحظة تحولت إلى ثغرة تدفقت منها دون تحسب أشياء طال الحصر عليها وتمكن الحذر· وهكذا فإن التعبيرات انفلتت إلى حد الاعتراف على مستوى الحكومة الإسرائيلية وهي مسؤولة، وعلى المستوى الإعلام الإسرائيلي وهو لسوء الحظ أكثر مصداقية من غيره في المنطقة!

وقد يكون من المفيد استعراض بعض النماذج مما انفلت إلى حد الاعتراف:

القدس 24 يوليو 1999

بيان من رئيس الوزراء "ايهود باراك" بمناسبة وفاة الملك "الحسن الثاني" ملك المغرب:

"إن قائداً عظيماً لشعبه لم يعد الآن موجوداً· لقد كان رجلاً بعيد النظر وصديقاً لكل حكومات إسرائيل في محاولات للتوصل إلى سلام مع الشعب العربي· لقد صُدم الشعب والحكومة في إسرائيل بإعلان وفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، فطوال حياته أظهر الحسن الثاني شجاعة نادرة وحكمة سياسية جعلت منه رائداً في التقارب مع إسرائيل، وفي بناء جسور سياسية واقتصادية بين البلدين· وقد أصبح صديقاً لشعب إسرائيل كما كان حبيباً ليهود المغرب· إن إسرائيل كلها تحني رأسها أمام ذكراه وتشارك في الحزن العميق للشعب المغربي"·

المؤتمر اليهودي - الأمريكي ينعي وفاة الملك الحسن صديق السلام وحامي اليهود في مملكته:

نيويورك 26 يوليو 1999

"بعد شهور قليلة من وفاة الملك حسين ملك الأردن اختفى من الساحة نهائياً وقبل الآوان الملك الحسن ملك المغرب·

إن الملك حسين والملك الحسن كليهما أدرك جنون سياسات العداء مع إسرائيل، وقد لعب كلاهما دوراً رئيسياً في دفع تقدم عملية السلام بما في ذلك اشتراكهما سراً وعلناً في جعل اتفاقيات كامب دافيد بين مصر وإسرائيل ممكنة·

ولقد كان محتماً أن يكون للملك الحسن، لو أنه عاش، أن يأخذ دوراً كبيراً في الجهود السلمية الدائرة الآن بعد انتخاب ايهود باراك رئيساً لوزراء إسرائيل·

إننا في لقاء شخصي أخير مع الملك الحسن أجبنا بلا حدود بتفانيه الكامل من أجل قضية السلام، ولم يقلل مرور السنين من ولاء الملك لرفاهية اليهود وبخاصة يهود بلده· فقد كان الملك الحسن فخوراً بدوره في حماية الجالية اليهودية· وفي الوقت الذي يخشى فيه العالم على مصير 13 يهودياً متهمين بالتجسس في إيران فإن مما يُشرف الملك الحسن أن شيئاً من هذا النوع لا يمكن أن يلحق بيهود المغرب"·

 

القدس 24 يوليو 1999

 

بيان من وزرارة الخارجية الإسرائيلية بمناسبة وفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب:

"تعرب وزارة الخارجية الإسرائيلية عن أسفها العميق لوفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب وهو واحد من الزعماء العظام لعصرنا والذي ترك بصماته على كل اختراق رئيسي نحو السلام في المنطقة، فطوال حياته كان الملك الحسن معروفاً بانفتاحه وبإسهامه في الحوار بين الأمن والعقائد، وتجلى ذلك بالدرجة الأولى في العلاقات مع الجالية اليهودية· إن شعب إسرائيل وبخاصة هؤلاء المهاجرون من المغرب حزانى لوفاة الملك ولسوف يذكرون بحرارة شخصه وأعماله"·

إعلان في كل الصحف الأمريكية كان السطر الأول فيه باللغة العربية والثاني باللغة الإنجليزية والثالث باللغة العبرية - يقول:

فلتكن ذكراه مباركة للأبد بتواضع أمام الله الذي خلقنا جميعاً ننعي مع الشعب المغربي وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني كقائد ممتاز وشجاع ومفتوح وعظيم قام بأعمال جسورة وملهمة في سبيل قضية السلام في الشرق الأوسط· وسوف نحيي ذكراه إلى الأبد بعملنا من أجل الأهداف العظيمة التي سعى لها بعزيمته·

اللجنة الأمريكية - اليهودية

في عددها الصادر يوم الأحد أول أغسطس نشرت جريدة "الجيروساليم بوست" مقالاً لمحرر القسم السياسي فيها جاء فيه:

"لقد كان سلوك الملك الحسن صاحب الوجه الصخري والعلاقة الوثيقة مع الغرب تجاه اليهود وتجاه إسرائيل سلوكاً يدعو للإعجاب· وفي حين أن معظم النظم العربية ناصبت إسرائيل العداء إلى درجة التهديد بإبادتها فإن الحسن سمح للموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي) بأن تقيم مركزاً كبيراً لها في المغرب·

وكذلك فقد كان هو الرجل الذي استضاف الاجتماع الأول بين موشى ديان وبين حسن التهامي مبعوث الرئيس السادات وكان هذا اللقاء (سنة 1977) هو الذي مهد فيما بعد لاتفاقه كامب دافيد"·

 

جيروسالم بوست يوم الثلاثاء 27 يوليو 1999:

"في ظرف شهور قليلة فقدت إسرائيل اثنين من أغلى أصدقائها في المنطقة وهما الملك حسين والملك الحسن، فكلاهما كان لديه الإلهام والشجاعة لدفع العالم العربي إلى التصالح مع إسرائيل· وبالنسبة لنا في هذا البلد (إسرائيل) فإن هذين الرجلين لعبا دوراً حيوياً في النشاط الخفي الذي مكن إسرائيل من اختراق الطوق الفولاذي للسلبية التي أجمع عليها العالم العربي في تعامله مع ما سموه بـ : "الكيان الصهيوني"· كان الرئيس السادات هو أول زعيم عربي خطا في العلن خارج هذا الطوق، ولكن الحقيقة أن الملكين سبقاه في إحداث شروخ وفجوات مؤثرة في هذا الطوق"·

الثلاثاء 27 يوليو 1999

كتب إريك سيلفر وهو واحد من أشهر الصحفيين الإسرائيليين مقالاً في جريدة "الإندبندنت" البريطانية جاء فيه:

"إن وفاة الملك الحسن يوم الجمعة الماضي لابد لها أن تذكرنا بالعلاقات الخاصة بينه وبين إسرائيل وهي علاقات استفاد منها الملك كما استفادت إسرائيل، فقد كانت المخابرات الإسرائيلية هي التي أشرفت على تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها· ولمدة أربعين سنة فإن العلاقات بين الجانبين كانت علاقات غير عادية وبخاصة في مجال المخابرات وضد أعداء مشتركين في الشرق الأوسط·

وإلى جانب تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها فإن إسرائيل أمدت الملك بأسلحة كثيرة بينها الدبابات، كما لعبت أدواراً مهمة في مطاردة وتصفية أعدائه والمعارضين له·

إن العلاقات السرية بين الطرفين بدأت في عهد الملك محمد الخامس الذي سمح لعشرات ألوف من اليهود المغاربة بالهجرة إلى إسرائيل، ولكن الملك الحسن بعد جلوسه على العرش طور العلاقات المغربية الإسرائيلية وأرساها على قواعد مؤسسية، وكان ذلك بعد لقاءات مطولة بينه وبين مائير آميت رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الذي وصل إلى مدينة مراكش في شهر مايو سنة 1964 للقاءاته مع الملك·

وكما يكشف يوسي ميلمان في دراسته الهامة عن المخابرات الإسرائيلة فإن الموساد كانت تتولى بطريقة منظمة إمداد الملك الحسن بمعلومات وتقارير عن النوايا العدائية لزعيم مصر الثوري جمال عبدالناصر· وطبقاً لتقارير مؤكدة فإن الموساد تولت إمداد المغرب بمئة دبابة لتقوية موقف الحسن إزاء الجزائر أثناء التوتر الذي حدث بين المغرب والجزائر في الستينات·

وكانت الموساد هي التي تولت متابعة تحركات المعارض الشهير للملك المهدي بن بركة والإبلاغ عنها تمهيداً لخطفه وقتله بواسطة رجال الملك لكن الموساد نفسها لم تشترك في عملية القتل"·

جريدة "معاريف" الإسرائيلية 26 يوليو 1999:

كشف أمير أورين (مسؤول بارز في الموساد) في مقابلة مع هذه الجريدة (معاريف) أن الملك الحسن سمح للموساد بأن تتسمع على المناقشات التي دارت بين الزعماء السياسيين والقادة العسكريين للعالم العربي وذلك أثناء مؤتمر قمة عربية عُقد في الرباط سنة 1965 وكان موضوع البحث الرئيسي فيه هو خطط القيادة العربية الموحدة في المواجة مع إسرائيل· ولابد من الاعتراف أن هذا التسمع كانت له نتائج مخابراتية مهمة في الجهد الذي أدى إلى انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة سنة 1967·

كشف أورين أن العلاقات بين البلدين فترت بعد حرب يوم الغفران سنة 1973، فقد تضايقت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل من أن الملك بعث بقوة رمزية للقتال مع سوريا كبادرة للتضامن العربي· وبرغم أن الملك أوضح لأصدقائه الإسرائيليين أنه كان مضطراً إلى ذلك وأن مشاركة قواته في الحرب كانت رمزية فإن جولدا مائير لم تغفر له ولم تعد الصداقة إلى مكانها إلا عندما أصبح إسحق رابين رئيساً لوزراء إسرائيل بعد استقالة مائير وقام برحلة سرية إلى المغرب حيث قابل الملك الحسن وعادت المياه إلى مجاريها·

وأوضح أورين أن الملك كان بين أكثر المشجعين للرئيس السادات على الاتصال المباشر بإسرائيل وقد رتبت بنفسه وفي قصره أول لقاء سري بين البلدين· وقد شجع الرئيس السادات على الذهاب للقدس رغم أنه في العلن اضطر مراعاة للشعور العربي أن يقف في صف ناقدي السادات، وقد برر الملك نقده للسادات لأصدقائه في إسرائيل بأنه فوجئ بإعلان الزيارة دون استشارية في التوقيت، وكان حريا بالرئيس السادات الذي يعرف دور الملك في اتصالاته بإسرائيل أن يتشاور معه مسبقاً"·

 

26 يوليو 1999

 

نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" كبرى الصحف الأمريكية تقريراً لمراستلها في القدس "ديبورا سونتاج" جاء فيه:

"لقد خصص الإعلام الإسرائيلي كل مساحاته أمس لعقود من العلاقات السرية بين إسرائيل والملك الحسن، وقام بتقديم العرفان لزعيم عربي بدأ حياته بتوجيه مُربية يهودية· وقد روى الإعلام الإسرائيلي تفاصيل واسعة عن اللقاءات السرية التي قام بها ساسة إسرائيليون وقادة سياسيون وعسكريون إلى جانب رؤساء أجهزة أمنية للقاءات لم تنقطع مع الملك الحسن· والرأي السائد هو أن العلاقت بين إسرائيل والملك كانت ذات فائدة مشتركة للطرفين·

فالمك الحسن أعطى للموساد ولغيرها من أجهزة الأمن الإسرائيلي الإذن بأن تتسمع على مناقشات ومداولات مؤتمرات عربية وإسلامية على مستوى القمة، وفي نفس الوقت فإن الموساد كانت مسؤولة عن حماية الملك من أية محاولة لاغتياله سواء في بلاده أو خارجها وخصوصاً في فرنسا التي كان الملك دائم التردد عليها· وقد قال جوزيف ألفر وهو مسؤول كبير سابق في الموساد: "بالنسبة للملك فإن المخابرات الإسرائيلية كانت درعاً لحماية نظامه، وبالنسبة لإسرائيل فإن الملك الحسن كان نافذة تطل منها إسرائيل على ما يجري داخل العالم العربي وعلى أرفع مستويات صنع القرار فيه"·

ثم جاء أخيراً تكريم الملك "الحسن" إسرائيلياً على نحو لم يسبق له مثيل، فقد أُعلن رسمياً يوم 30 أغسطس 1999 عن تشكيل لجنة على مستوى عالٍ في إسرائيل للبحث في خطة تكريم "لا يُنسى" للملك "الحسن"· وكانت اللجنة برئاسة "ايهود باراك" رئيس وزراء إسرائيل، وكان بين أعضائها "شيمون بيريز" رئيس الوزراء السابق ووزير التعاون الإقليمي في الوزارة الإسرائيلية الحالية، و"دافيد ليفي" وزيرالخارجية، وشلولو بنآمى" وزير المالية الأسبق· وغيرهم·

وكان أول اقتراح تقدمت به اللجنة وجرت الموافقة مبدئياً عليه هو تسمية 70 موقعاً (ميادين وشوارع ومنتزهات وحدائق) باسم الملك "الحسن"· وإلى جانب ذلك فقد طلبت اللجنة أن يحمل طابع البريد التذكاري الأول سنة 2000 صورة للمك "الحسن"!

وكان ذلك كله موجباً لوقفة ضرورية تتساءل عربياً عن كل هذا الذي جرت به الاعترافات مع الدموع - إسرائيلياً!!

 

(2)

 

ولم يكن هناك شك في "زمانه" و"أوانه" أن هناك معلومات خطيرة عن أوضاع العالم العربي وأمنه القومي بالتحديد تخرج من المغرب وتصل إلى إسرائيل· ولقد نشرت في كتاب "الانفجار 1967" - الذي نُشر سنة 1990 - واقعة هامة بدت في وقتها خطيرة - لكن خطورتها تأخذ الآن بُعداً مختلفاً بالكامل!

كانت الواقعة كما نشرتها - في كتاب "الانفجار 1967" - بداية من الصفحة رقم 212 حتى 214 - ثم اكتملت نفاصيلها بعد ذلك بداية من الصفحة 314 حتى 316 - تتلخص في أن "مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في الدار البيضاء في سبتمبر 1965 - بحث مشروعاً سوريا (قدمه رئيس الدولة حينئذ اللواء "أمين الحافظ") يطلب قراراً عربياً على مستوى القمة يطالب بـ "التصميم على خوض معركة تحرير فلسطين معتمدين بعد الله على مقدراتنا وإمكانياتنا مهما كلفنا ذلك ومهما كانت النتيجة" - ثم إن هذا المشروع السوري مضى بعد ذلك إلى تحديد للقوات العسكرية القادرة على تنفيذ هذه المهمة·

والذي حصل وقتها أن مؤتمر القمة العربي وقد استمع إلى عرض سوري للخطة واطلع على أوراقها وجداولها ورسومها لم يصدر بشأنها قرار، ولعله وجدها بالغة الصعوبة إقليمياً ودولياً، وأهم من ذلك عملياً - ومن ثم ظلت المناقشة مفتوحة ومُعلقة في الهواء·

ولكن المهم أن هذا الموضوع عُرض فعلاً ونوقش في اجتماع على مستوى القمة العربية في الدار البيضاء في سبتمبر 1965·

ثم كان الأهم بعد قرابة سنة من اجتماع الدار البيضاء - أن لقاءً جرى بين "جوزيب بروز تيتو" زعيم يوجوسلافيا ورئيسها في ذلك الوقت، وبين الرئيس "جمال عبدالناصر"، وفوجئ "جمال عبدالناصر" بصديقه اليوجوسلافي يقوله له بالحرف (كما رويت على صفحة 314 من كتاب "الانفجار 1967) أنه "عرف بمسألة أراد أن يكون الرئيس جمال عبدالناصر على علم بها، ثم قطع "تيتو" كلامه وتوجه بسؤال مباشر إلى "جمال عبدالناصر" قائلاً له: "هل صحيح أنكم وضعتم خطة عسكرية للقضاء على إسرائيل أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي في الدار البيضاء في العام الماضي؟"·

ودُهش "جمال عبدالناصر" من السؤال وبدت دهشته واضحة أمام صديقه الذي واصل حديثه قائلاً: "منذ عدة شهور ألح جولدمان ("ناحوم جولدمان" رئيس الوكالة اليهودية أيامها) عليّ بطلب مقابلة معي ولم أستجب لطلبه متصوراً أنه يريد أن يسمعني واحداً من "مونولوجاته الشهيرة" عن السلام طالباً وساطتي معك كما فعل مرات من قبل· لكن جولدمان بعث إلي يقول إن لديه موضوعاً عاجلاً من الضروري اطلاعي عليه، وهو موضوع جديد تماماً· وحددت له موعداً وقابلته بالفعل قبل عشرة أيام في دوبروفنيك· وعندما لقيته فإنه لم ينتظر حتى المجاملات التقليدية، وإنما بدأ على الفور بما يشغله قائلاً لي: "إن رؤساء الدول العربية الذين اجتمعوا في الدار البيضاء وضعوا خطة للقضاء على إسرائيل، وأن هذه الخطة وصلت من ثلاثة مصادر إلى إسرائيل· وقد دعاني رئيس الوزراء ليفي أشكول بطريقة عاجلة إلى مقابلته في القدس وأطلعني على هذه الخطة، وقال لي "إذ كنت تتصور أننا فبركناها لإقناعك بما نقول فلك أن تسأل أصدقاءك في البيت الأبيض أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في واشنطن، فقد وصلت إليهم الخطة كما وصلت إلينا· وقد اطلع عليها الرئيس جونسون بنفسه وقرر بعدها زيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل بطريقة تخطت كل الحدود التي عرفناها من قبل"·

وحاول "جمال عبدالناصر" أن يسيطر على مشاعره وحتى تعبيرات وجهه، وكان يريد أن يسمع أكثر، وكان لدى الرئيس "تيتو" ما يضيفه، فاستطرد قائلاً أن "جولدمان قال لي عند ذلك إن رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول أخبره بأنه الآن لا يستطيع أن يقبل أنصاف حلول، فإسرائيل في خطر لم يتعرض له اليهود منذ أيام هتلر والهولوكوست، وبالعكس فإن الخطر هذه المرة أفدح، فاليهود الذين اختفوا تحت حكم النازي كانوا في المنفى، أما الآن فإن 2.5 مليون يهودي معرضون للإبادة في عقر وطنهم بعد أن استطاعوا تحقيق حلم إنشاء الدولة· وكان طلب أشكول بعد ذلك من جولدمان أنه يريد من الحركة الهيودية أن تدبر له مبلغاً كبيراً من المال لاستكمال احتياجات إسرائيل من السلاح، فهي لا تريد أن تعتمد فقط على المصادر الأمريكية للسلاح رغم كرمها، لأن اعتماد إسرائيل بالكامل على السلاح الأمريكي وحده من شأنه أن يعطي لواشنطن نوعاً من حق الاعتراض - الفيتو - على تحقيق أية أهداف إسرائيلية لا تريدها الولايات المتحدة وتريدها إسرائيل· ثم قام أشكول بدعوة الجنرال رابين رئيس أركان الحرب لكي يشرح لجولدمان الموقف الصعب الذي يمكن أن تجد إسرائيل نفسها فيه لو أن الخطة العربية للدار البيضاء وضعت موضع التنفيذ· وتحدث رابين فقال إنه لا يشك في صحة الوثيقة ولا يشك في النوايا التي تتضمنها، والسؤال الوحيد الباقي أمامه هو "متى"؟ - إنها مسألة توقيت وإسرائيل لا يمكن أن تقبل توقيتاً عربياً يُفرض عليها"·

وواصل الرئيس "تيتو" حديثه فقال: "عندما سمعت هذا الكلام من جولدمان كان تعليقي عليه أنني لا أصدق· وعلى فرض أن العرب لديهم مثل هذه النوايا فلست أظن أنهم يضعونها على ورق· وحتى إذا وضعوها على ورق، فمن المؤكد أنهم سوف يحتاطون كي لا تصل إلى إسرائيل وإلى الولايات المتحدة أخبارهم من ثلاثة مصادر أو أربعة· ورد على جولدمان بأن ذلك كان انطباعه الأول وهو يسمع أشكول، لكنه بعد أن رأى الأوراق وتأكد أن البيت الأبيض والمخابرات المركزية لديهما علم بحقيقة الموضوع فإنه كان مضطراً أن يصدق"·

إن "جمال عبدالناصر" الذي فوجئ بما سمع من "تيتو" استطاع على الفور أن يُدرك مدى صحة المعلومات التي وصلت لإسرائيل، وقد قدر خطورتها· ومن الغريب أن شكوكه - وقتها - اتجهت إلى الجنرال "محمد أوفقير" وزير الملك "الحسن" القوي والنافذ خصوصاً في مجال المخابرات - لكنه لم يرد على باله، ولا حتى كهاجس أو كابوس - أن المشكلة فوق "أوفقير" وأعلى منه، وأن الموساد - كما يظهر الآن من شهادات الساسة ووسائل الإعلام الإسرائيلية في مناسبة رحيل الملك "الحسن" - كان لها مركز تنصت وتسمع على كل كلمة تجرى في اجتماعات ومداولا تملوك العرب ورؤسائهم في الرباط·

والأغرب - والأشد مدعاة للتأمل الآن - هو أن "جمال عبدالناصر" رأى أن يصارح الملك "الحسن" أثناء مؤتمر القمة العربي في الرباط سنة 1969 بأن هناك أخباراً تتسرب من المغرب إلى إسرائيل· والأكثر في المفارقة أن "جمال عبدالناصر" أفضى إلى الملك "الحسن" بشكوكه في وزيره القوي "محمد أوفقير"!!

وربما أنه الآن فقط يمكن لأي متابع مهتم بالشأن العربي أن يسمح لنفسه بالتساؤل على الأقل - عن أسباب الحرص الزائد للملك "الحسن" على استضافة أكبر عدد من مؤتمرات القمة العربية والإسلامية التي تتعرض مناقشاتها بالضرورة للصراع العربي الإسرائيلي في ذلك الوقت - ثم يُلحق بذلك ما يُقال الآن صراحة وعلى لسان أكبر المسؤولين وأكثر المعلقين في إسرائيل أن جهاز الموساد كانت لديه في قاعات اجتماع القمة العربية والإسلامية وسائل تنصت وتسمع· أي أن جهاز الموساد كان طرفاً حاضراً في هذه الاجتماعات وإن لم يكن مرئياً - مشاركاً فيها وإن لم يفتح فمه بكلمة· وهذه مصيبة بأي معيار!

وعلى سبيل الحصر فإن الملك "الحسن" استضاف سبعة مؤتمرات قمة عربية، وهذا عدد قياسي من المؤتمرات لم تستطع دولة عربية أن تتحمل بتكاليفه أو بمسؤولياته:

مؤتمرالقمة العربية في الدار البيضاء في سبتمبر 1965·

مؤتمرالقمة العربية في الرباط في ديسمبر 1969·

مؤتمرالقمةالعربية في الرباط في أكتوبر 1974·

مؤتمر القمة العربية في فاس في نوفمبر 1981 (وهي قمة اجتمعت وانفضت دون جلسات رسمية بسبب خلافات استحال التوفيق بينها حول مشروع قدمته السعودية باسم الملك "فهد")·

مؤتمر القمة العربية في فاس سبتمبر 1982 (وقد نوقش فيها وصدر عنها مشروع الملك "فهد")·

مؤتمرالقمةالعربية الطارئة في الدار البيضاء في أغسطس 1985·

مؤتمر القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء في مايو 1989·

وعلى سبيل الحصر أيضاً فقد استضاف الملك "الحسن" ثلاث قمم إسلامية كان أولها وأخطرها مؤتمر القمة الإسلامية الذي انعقد في سبتمبر 1969 بعد حريق المسجد الأقصى، والذي كان بين قراراته تشكيل لجنة إسلامية يرأسها الملك "الحسن" نفسه واعتبارها مسؤولة عن إنقاذ القدس!

ثم تلى ذلك مؤتمران على مستوى القمة الإسلامية: يناير 1982، وديسمبر 1994 في الدار البيضاء·

وبرغم ذلك فإنه قبل الذهاب بالوقائع والأفكار والتأملات بعيداً وواسعاً فلابد أن نستدرك جميعاً لنتنبه إلى أن هناك مطلباً ضرورياً قبل كل شيء وبعد كل شيء، وهو مطلب الفهم قبل الحكم - في حالة الملك "الحسن" كما كان أيضاً في حالة الملك "حسين"·

وفي مطلق الأحوال فإن البشر لا يملكون أهلية الحكم على البشر في السياسة، وإنما يملكون أهلية التقدير والتقييم بعد إطالة النظر في الوجوه المتعددة للحقيقة لأن الأداء السياسي لا تضبطه مواد من قوانين محددة وحكمة·

إن التاريخ يستطيع أن يحكم بعد أن يستوفي مطالبه·

ثم إن خالق البشر يملك محاكمتهم يوم الحساب لأن علمه سبق·

ونتذكر أن المقاييس والموازين في أي تقدير وتقييم إنساني تختلف - لأن الحقيقة الإنسانية لها وجوه متعددة وليس للحقيقة الإنسانية وجه واحد حتى بالنسبة للملوك، بما في ذلك "الحسن" و"الحسين"·

ولقد كانت للملك "حسين" في سياساته خلفية من إملاء الجغرافيا والتاريخ، وصلات من روابط سبق إليها غيره، وظروفاً في الإقليم وفي العالم·

وقد كان ما قيل عن الملك "الحسن" في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وفي الغرب عموماً وجهاً من وجوه الحقيقة، لكن هناك للحقيقة وجوهاً أخرى خصوصاً أن التقدير والتقييم هنا عن الحقيقة في شأن بشر، ثم إن هذا البشر هو نفسه الإنسان الذي أصاخ السمع يوماً وسط جنازة والده - الملك "محمد الخامس" - ليصغى لصوت شيخ يقول لمشيعيين أخذتهم الحماسة وغلبهم التأثر: "الجنازة يرحمكم الله لرجل"!

في العدد القادم الجزء الثاني من مفكرات في ملفات ملكية حوارات مع الملك "الحسن" في القاهرة وباريس والرباط وفاس

الكتب وجهات نظر - العدد التاسع أكتوبر 1999

طباعة