المناسبة أشبه تقريبا بما كان في الأيام الغابرة· إنها حفل توزيع جوائز في مسرح البولشوي في موسكو الأحد "ما قبل الماضي، ومع النخبة الروسية الثقافية وحاشية كانت تنعم بدفء الأضواء حضر الرئيس بوريس يلتسين وزوجته ناينا· بل كان هناك أيضا رجل الأعمال الثري بوريس بيريزوفسكي·
لكن يلتسين لم يعد رئيسا، والرجل الذي تولى القيام بأعمال الرئيس كان غيابه واضحا، فلم يظهر في المناسبة فلاديمير بوتين، فهل كانت تلك دلالة واضحة على أنه ينأى بنفسه عن "عائلة" الكرملين والحاشية؟ أو كان أكثر انشغالا بإدارة أمور البلاد كما قال التوضيح الرسمي؟
بوتين البالغ 47 عاما، الخبير في الجودو يختار خطواته بعناية، وليس أمامه غير عشرة أسابيع قبل السادس والعشرين من مارس موعد الانتخابات الرئاسية· ومع غياب أي مرشح قوي يعتبر بوتين الأوفر حظا في الفوز· لكن في السياسات الروسية يمكن أن يطول الأسبوع حتى يكون سنة·
حتى الآن يعتبر مفتاح بوتين لأبواب الكرملين هو الحرب في منطقة الشيشان الانفصالية· فبتصميم قاس باعتباره رئيسا للوزراء، كان بوتين رأس الحربة في وضع خطة حربية بطريقة حلف شمال الأطلسي قوامها الاعتماد على الضربات الجوية من أجل تقليل الخسائر في معارك المشاة· وهذه الاستراتيجية أتاحت للقوات الروسية أن تحتل نصف المنطقة الانفصالية وأن ترفع معدلات التأييد لبوتين ارتفاعا صاروخيا·
والآن جاء دور الجزء الصعب من المشكلة: فمع انتقال المعركة من الأرياف الى العاصمة غروزني هل تستطيع القوات الروسية احتلال المدينة من دون أن تتكبد خسائر ثقيلة؟
على جبهة أخرى، ينبغي على بوتين أن يجرب مفتاحه في قفل الاقتصاد والروسي· فبفضل قضية الشيشان استطاع بوتين منذ تعيينه قبل خمسة أشهر أن يعفي نفسه من معالجة القضايا الاقتصادية وهي أرض موحلة أغرقت رؤساء الوزراء الذين سبقوه·
وباعتباره الآن قائما بأعمال الرئيس لم يعد بوتين يتمتع بنعمة القائد ذي المهمة الوحيدة· ومنذ استقالة يلتسين في الحادي والثلاثين من ديسمبر الماضي، لم يضع بوتين بعد استراتيجية اقتصادية ملموسة· لكن الأيام تضغط عليه: فالقروض الدولية التي تحتاج إليها روسيا حاجة ماسة تبقى معلقة والروافع الاقتصادية المهمة في البلاد تبقى في أيدي من يسمون "لاوليغاركية "الطغمة" أي التعبير الشائع عن رجال الأعمال الذين يسيطرون على حقول شاسعة في الاقتصاد الروسي·
يبدو أن الخطوات الأولية التي سيتخذها بوتين هي تعيين رجل راغب في الضغط على الشركات الكبرى التي تجنبت دفع الضرائب· وهو اقترح إلغاء إعفاءات ضريبية لبعض منتجي المواد الخام وهي خطوة ضرورية إذا أرادت الحكومة أن تملأ خزائنها الفارغة· ثم أثبت بوتين أنه خبير سياسيا: ففي خطوة تنم عن احترامه المتقاعدين أعلن أنه سيزيد رواتبهم·
سياسيا، هل يقف بوتين الى جانب المصالح الخاصة لروسيا؟ حتى الآن، ربما صار يلتسين خارج الكرملين، لكن كثيرا من أعضاء النخبة ذات العلاقات الخاصة مع الكرملين بقوا·
في الأسبوع الماضي، أقال بوتين يافل بورودين وهو مسؤول كبير كان يدير شبكة المنازل والأبنية الضخمة التابعة للكرملين· لكن أناتولي تشوبايس الذي كان العقل المدبر لحملة يلتسين الرئاسية في عام 1996 ورئيس شركة الكهرباء العامة ما زال في مكانه· وبوتين يدين بتوليه رئاسة الوزراء الى توصيات من تشوبايس وأفراد آخرين من الحاشية· وهو معروف بولائه - ذلك الولاء الشديد لجاسوس سابق من لجنة أمن الدولة "كي· جي· بي"·
لكن بوتين طرد ابنه الرئيس تاتيانا دياتشنكو، التي كانت مهمتها تلميع صورة والدها، في خطوة حظيت بمساندة شعبية لكن يمكن تفسيرها بأنها طلقة تحذيرية فوق معسكر يلتسين·
هذا النوع من العمل السياسي المتوازن هو الذي يتوقعه المحللون في الأسابيع القليلة المقبلة· فهو مضطر الى اتخاذ الخطوات التي تضمن له تولي الرئاسة في مارس المقبل من دون أن يحرق الجسور مع الذي نصبوه في أعلى مقام سياسي·
عندما انتقل من الظلام ما كان بوتين يتمتع بأي خبرة سياسية· والحزب السياسي الذي يسانده "حزب الوحدة" صنعه الكرملين قبل ثلاثة أشهر فقط·
وهكذا ينبغي على السياسي فلاديمير بوتين أن يهجم وأن يتراجع على نحو ما فعل لاعب الجودو فلاديمير بوتين محافظا على توازن جميع قواه· وفي الأسبوع الماضي، قفز نحو مئتين من المشاغبين الروس من رجال الأعمال والسياسيين الى مقصورة قطاره الانتخابي بأن طلبوا منه رسميا أن يخوض الانتخابات·
فهل يكون أسيرهم أم زعيمهم السياسي؟ الجواب قد لا يعرف إلا عندما يفوز بوتين بالحزام الأسود السياسي أي الانتخابات·
خدمة "سي· إن إن"·