رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 16 أغسطس 2006
العدد 1741

رفيفُ الخزامي.. وكلام يأسر الوعول

                                                                                 

 

محمد الأسعد:

الاعتياد أسوء ما يلمُّ بالذائقة الشعرية، إنها تعتاد الماضي إلى درجة الشحوب فيه، وتصد عن الآتي إلى درجة الانسحاب منه وفي كلا الحالين تحتاج الذائقة إلى إعادة تدريب، بالكشف عن وهج الماضي ربما، عن ما يبقى منه بعد زوال المناسبة، أو ما يتخطى امتحان الزمن·

الاعتياد على الشعر العربي القديم استنسخ منه الحكمة والمثل والتشبيه وأصبحت هذه قواعد بلاغية، وكذلك أصبحت الذاكرة، حين نقرأ القديم نحتاج إلى أمرين: إلى زاد من معجم وإلى زاد من حساسية نقدية منفتحة، الأول يسهل توفيره، أما الثاني فأمره شائك، لأن نقد القديم، أو استخلاص جوهره يعني طرح الكثير، ولماذا لا يطرح الكثير أو القليل؟

الشعر القديم، سواء أكان جاهلياً أم أموياً أم عباسياً ليس نقشاً مقدساً، بل نتاج بشر اختلطت دوافعهم ومذاهبهم وغاياتهم، فمنهم من أحب بنزاهة، ومنهم من تصنع واستوحى وقلد، ومنهم من غلبه الشوق إلى الديار، ومنهم من نسج شوقه على أنوال القدماء، منهم من أصغى للأشياء والأصوات والألوان، ومنهم من قولبته الألفاظ والصيغ· حين نعيد القراءة، نختار وننتقي من بين ركام، نزيل هذه الرهبة التي يمنحها الزمن للقديم الداثر، للآثار بما هي رموز وطقوس أكثر مما هي قول نعاصره ويعاصرنا، زمن الشعر دائري وليس خطاً مستقيماً صاعداً دائماً، أو هو زمن ينتشر في مكان، ليس قضية ينتهي النظر فيها وتصدر الأحكام، بل زمن يستعاد ويعاد تنظيمه في بنية الحاضر، زمن الشعر مفتوح للتجاور، يتجاور فيه القديم والجديد، وتغتني فيه التصورات والقيم·

 

تشبيه ووصف

 

في هذا الزمن تهيمن أداة التشبيه منذ البداية، ننظر إليه الآن ونكتشف وراء التماعه شيئاً بعيداً عن روحنا المعاصر: "خلتُ صوتها تجاوب آظار على ربع ردي" أو "كأنه ضرم بالكف مقبوس" أو "ناء مسافته كأنه في جباب الماء مغموس"، أداة التشبيه تقيم فاصلاً، تجعلنا نرّدد البصر بين شيئين: المشبه والمشبه به، هذه البراعة البصرية، والوجدانية أحياناً، ذات دلالة وجودية، إنها حفاظ على هوية شيئين لا يمتزجان، لا يتحدان إلا بالمظهر الخارجي، يظل التشبيه خارجياً إذن، وصفياً، لا تعلق له بشغاف القلب وإن أدهش أحياناً وأثار العجب: "ترود الأراوي الصحم حولي كأنها"·· أو "يركدن بالآصال حولي كأنني"· هذه الـ "كأن" تؤكد على خارجية الحدث والجمال والوجود·

حين تختفي هذه الأداة، ويحذف أحد طرفي التشبيه، يلتقط النقد القديم مصطلحاً: "الاستعارة" ثم "الكناية" فالتمثيل وهكذا: "هو العسل الماذي" أو "حليف الندى··" أو "سجيس الليالي··" أو "تسيل على حد الظباة نفوسنا··" وفي هذا انتقال إلى الداخل· إلى موقف ذي دلالة: وحدة الوجود· ربما لهذا السبب نجد مصطلح "الاستعارة" ليس دقيقاً في توصيف هذه الظاهرة ذات المنشأ الروحي· الموقف روحي، بمعنى أنه تجربة نفسية، أو موقف كلي من الوجود، لهذا نجد أن حذف أدوات التشبيه، أو حتى قصد التشبيه، يترافق مع التطور الفكري والروحي، كلما منح الشاعر نفسه لهبوب رياح التجربة بنزاهة، كما ابتعد عن رصد الظاهر، ولم يعد يقول لنا ماذا تشبه الأشياء، بل ما هي·

يتجلى هذا الموقف في الشعر الصوفي أو الشعر الديني، حيث يقل الانفصال بين الأشياء، بين الأنا والآخر، بين الأنا والطبيعة·

في الشعر العربي القديم، والشعر الذي يتذكره، شاعر مراقب وموضوع للمراقبة. المراقب يتلقي ولا يتدخل، حتى في الموضوعات التي يذوب فيها الشاعر عشقاً أو حنيناً أو أسى، يظل الشاعر خارج التجربة، يقاربها مقاربة المراقب, فهو ليس جزءاً منها، ويصبح هذا الاعتياد طبيعة يكرسها النقد، فيؤخذ الموقف الروحي مأخذ الوصف الخارجي، وترمى روح الشاعر بالغموض، ولا يفهم الأمر على أساس موقفين، لكل منهما مصطلحة الخاص الدال عليه·

 

الشعرية

 

القصيدة لا ترادف مفهوم الشعرية، تتضاءل المساحة الشعرية أو تمتد في القصيدة الواحدة أحياناً، ولعل مفهوم "بيت القصيد" الموروث يعني شيئاً من هذا، إنه يركز أو يختصر أو يجوهر موقفاً أو صورة أو معنى·

لم تكن القصيدة كلها شعراً بالضرورة، أغلبها أشبه بالصحيفة التي تجمع الخبر والتعليق والإعلان، والقليل من النبضات الشعرية الحية، وحتى لو اعتبرناها مجمعاً لطقس بدائي يمارس من أجل التطهر والافتداء (لحظة الموت في ذكر الأطلال والغائبين، ولحظة التطهر في الرحيل، ولحظة الأنبعاث في الحضور بين يدي الممدوح) فإن هذا السياق، أو هذه البنية، تُستعاد وتتكرر استعادتها كسياق غائم، تختلط فيه عناصر شتى بعد أن فقدت القصيدة بداياتها الطقسية، وأصبحت مسرحاً لشتى الحاجات الدنيوية· ومع توزع الاهتمامات بين باحث عن شاهد لغوي، وراغب في تأكيد وقائع تاريخية، ومنتحل أراد التكسب، ومتفاخر بأمجاد آفلة، تأخرت دراسة "الشعرية" لذاتها في هذا الموروث حتى القرنين الرابع والخامس الهجريين·

لم يتجه الاهتمام إلى "الشعرية" إلا بظهور البلاغيين، وأشهرهم "عبدالقاهر الجرجاني" صاحب "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، وعلى خلاف جامعي "المعلقات" و"المجمهرات" أحياناً، اتخذ "أبو تمام" في مختاراته سبيل استكشاف "الشعرية" مذهباً وغاية، وقدمت "حماسته" البيت والبيتين أحيانا ولم يمنح لكل القصيدة اهتماماً·

انصب اهتمامه على ما يشعر أنه الأولى بالاهتمام، وقيل صدقا إن أبا تمام كان شاعراً حتى في مختاراته من شعر الأقدمين·

وليس كل من جمع واختار كان شاعراً بالضرورة على كثرة المجموعات والمختارات قديماً وحديثاً·

في الزمن الراهن وعلى أثر أبي تمام قدم "علي أحمد سعيد ادونيس" مختارات تحت عنوان "مقدمة للشعر العربي" إلا أن اختياره جاء محكوماً بمذهبه الشعري أعني انصرافه الى رؤيا محددة تنطلق من مفهومه بمذهبه الشعري، ذلك الذي يمنح أهمية استثنائية  للنزعة الصوفية والنزعة اللا عقلانية·

 

وشاح واحد

 

المختارات عادة هي استخلاص للشعرية أو هي محاولة بالأحرى عمادها البيت أو الأبيات القليلة وإهمال للتفسيرات والشروحات التي يزج بها الشاعر· اللحظة الشعرية قد تتجوهر في بيت أو بيتين· إنها إعادة قراءة وكتابة أيضا·

قراءة نلحظ خلالها إن "موضوعة" الشعر وليس موضوعه تتجلى في ذكرى الأطلال "وهي الغالبة" وفي النساء وارتياد القفار والبوادي القاحلة ووصف الناقة أو الجمل ثم الحروب فالمراثي وأخيراً هنيهات الهدوء والعكوف على الشراب·

تكاد الشعرية تتجلى في الذكرى وهو ما أصبح  تقليداً في العصور التالية بينما كان ميزة ضرورية في لحظة ولادته· ونلحظ في هذه القراءة أن الشعراء لم يكونوا يجهلون موروث الشعر الذي اتخذوه أداة تعبير فالشاعر الشفاهي (والشعر الجاهلي شعر شفاهي) يظل بحاجة للقوالب والصيغ لكي تسند ارتجاله أكثر من حاجة الشاعر الكاتب بدليل الصيغ اللغوية والصور والمواقف الحياتية التي تكررت وظلت تتكرر جزئيا أو كليا منذ العصر الجاهلي وحتى مطلع العصور الحديثة في ما أصبح يدعى حسن الاتباع والتوليد وأكثر ما يتجلى هذا على سبيل المثال في أوصاف النساء·

حيث تنتقل حركة "الوشاح" الذي يجول عند "واعب بن زمعة" الى "قلقه" الذي لا يستقر عند "ذي الرمة" وصولاً الى "مقلاف الوشاح" عند محمود سامي البارودي· وحيث تواصل "البيض" أي السيوف اللامعة تحت الغمام عند حسان بن ثابت رحلتها لتصل الى الليل الذي تهاوى كواكبه عند بشار بن برد·

في إعادة الكتابة ليس هنالك قانون يحدد كيف يكتب بيت الشعر ذو الشطرين أو هل كان ذا شطرين فعلا حين ينطقه  الشاعر ارتجالا أم أن الأمر اعتياد وتقليد نشأ في عصر التدوين، فوضع نظام الشطرين كتابة على أساس عدد التفاعيل لا الإيقاع الداخلي·

ولهذا ليس من الشذوذ في شيء أن يتصل الشطران احيانا أو يتوزعان على عدة سطور، أو يحدث التدوير حيث يتخطى المعنى الوقفة الإيقاعية·

إعادة الكتابة هنا تضيء رؤية جديدة للشعرية فليس ما يتابع السطور عين فقط، بل وشعور أيضا·

 

(3)

 

ديوان الحماسة لأبي تمام يضم كما قيل أروع شواهد الشعر العربي في العصر الجاهلي والإسلامي وصدر عصر المحدثين·

ورغم أنه لم يضع مقدمة لهذا الديوان يبرر فيه منحاه في الاختيار والتفضيل إلا أن المتابع لمزاجه الشعري الذي أعطى شعره طابعاً خاصا، يستطيع الاطمئنان الى أن ميل الشاعر الى الحكمة والمثل والقياسات العقلية (طابع عصره الثقافي) وأصناف البديع هو الذي يحكم مختاراته، ونضيف الى ذلك المزاج القتالي أو الحربي الذي اقتضاه التقرب من الخلفاء والقادة المحاربين أصحاب الرفادة وطلب المدائح·

ديوان "الحماسة" لا يتوفر إذن على مزاج شعرائه فقط، بل وعلى مزاج العصر الذي جمعت فيه هذه المختارات إنه طبقتان من المزاج، العلاقة بينهما شفافة الى حد بالغ، وهذا هو السبب الذي جعله يكثر من قصائد الحرب التي تصدرت مختاراته تحت اسم "الحماسة" حتى غلبت هذه التسمية على كتابه وكأنه التقط من شعر الأقدمين ما يغذي ميل وذاكرة عصره أيضا، وهكذا نجده يخصص مجلده الأول لبابين: الحماسة والمراثي "653 صفحة" ويخصص المجلد الثاني لثمانية أبواب هي: الأدب والنسيب والهجاء والمديح والصفات والسير والنعاس والملح ومذمة النساء "581 صفحة"·

ومعنى ذلك أنه أعطى ما نسبته 50% تقريبا من المختارات لبابين فقط، هما الحماسة والمراثي، وأعطى 50% لبقية أغراض الشعر·

 

مفارقة

 

ما الذي يعنيه هذا؟

يقال أن العصر العباسي الثاني "عصر المأمون والمعتصم، يكاد يكون ذروة ازدهار الحضارة العربية، ففيه بدأت تثمر حركة النهضة العلمية والفنية والأدبية على كل صعيد فلماذا هذا الانهماك بضروب من التفكير الحربي والقتالي الذي نسمع أصداءه تجلجل في قصائد أبي تمام وغيره من شعراء ذلك العصر؟ ولماذا هذا الالتفات الضئيل الى شعر العاطفة والوصف، ومعظمه جاء من عصور أقدم ولم يلتفت الى أبرز شواهد الشعر في العصر العباسي لا الأول ولا الثاني، الذي عاصره أبو تمام؟

الملفت للنظر أن عدداً كبيراً من الشعراء المحدثين الذين يعتبر أبو تمام علامة بينهم  لم يتخذ طريقة الى هذه المختارات ولا أعطتنا هذه المختارات أجواء عصر التجديد ونزعاته الغنائية وعواطفه الحضرية، بل اقتصر القليل الذي جاء به على مقتطفات من عصور أقدم معظمها جاهلية، أو قريبة منها رؤيا ومنهجاً·

ربما كان السبب هو المكتبة التي اعتمد عليها أبو تمام، فقد تم تجميع ديوان "الحماسة" في خراسان وكان الشاعر عائدا في طريقه الى بغداد حين بلغ همذان فعلم به "أبو الوفاء ابن سلمة" فأنزله عنده وأكرمه وأصبح ذات يوم وقد نزل ثلج عظيم قطع السبيل  فاغتم الشاعر لذلك ولزم خزانة كتب أبي الوفاء مطالعا ومصنفاً وألف في هذه الفترة "الحماسة" وكتاب "الوحشيات" وبقي كتاب "الحماسة" في خزائن آل سلمة يضنون به حتى تغيرت أحوالهم وورد "أبو العواذل)، من دينور فظفر به وحمله إلى أصفهان فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه من الكتب في معناه"·

قد تكون مكتبة آل سلمة هزيلة وفقيرة المراجع ولكن إقبال أدباء أصفهان على الكتاب ورفض ما عداه من الكتب المعنية بالمختارات يشير الى شيء آخر، الى مزاج ثقافي·

 

ما الذي يبقى؟

 

ولو تتبعنا المزاج الثقافي والحربي والرثائي والغزلي·· الخ االموروث لوجدنا أن قيمه ومفاهيمه وتصوراته (على صعيد الفن والحياة) مستمدة من ذلك المخزون الجاهلي العتيد، وأن هذه القيم والمفاهيم والتصورات التي عكست بيئة معينة في الشعر والخطابة والنقد وشتى الجوانب الأدبية (البيئة البدوية) لم تتوقف عند حد التعبير الأدبي، بل تجاوزته الى صياغة السلوك والعقل والوجدان لقد شكلت الإطار المفاهيمي الذي يتعامل الإنسان بواسطته مع قضايا وجوده·

ولم يقتصر الأمر على عصر أبي تمام بل امتد الى العصور الحديثة ونجده متغلغلاً في المفاهيم والسلوك حتى وإن بدأت آثاره تضمحل في الكتابة الأدبية·

كان "أبو تمام" يعكس إذن في مختاراته مزاجا ثقافيا سائداً يتعارض مع المزاج الظاهر لمجتمع الحضارة الذي عاش فيه وهو شيء من التناقض الكامن في صميم أي مجتمع لم يتحول تحولاً كاملاً ولم يحدث قطيعة فعلية مع ماضيه الذهني·

ما يمكن أن يبقي من مختارات أبي تمام إذن سيكون قطعا مع شعر الحماسة والمراثي والنزوع العقلي نحو المثل  والحكمة وأخذ بما يعكس مزاجا "شعريا" يتخطى الزمن·

طباعة  

كيف تغير المشهد الفلسطيني بعد العام 1948؟
مقتلعون.. ومزروعون