
أنيسة الأمين مرعي
أتتني كلماتك من عمق البحر· الدمعة المخنوقة في صوتك تخجل من تداعي الأبنية على أسفلت الطرقات· تريد أن تكون معنا، هنا، أعرف· تأتي، كعادتك، متأخراّ على الغداء وتقول: خي · شو طيب هالأكل·
تتفاجأ دائماّ بتلك القدرة المرعبة على الحقد والتدمير· تحلل، تغضب· أحب اندهاشك وغضبك· هل تعرف أن كل هذه المشاهد هي شبه مألوفة عندي· أعرفها منذ ستين عاماّ· كانت تلاحقني، وأنا أقول لا··· أركض في كل الاتجاهات، هنا وهناك· كنا جيلاّ يركض، يخزن الأحلام ويركض· ينكسر، تغور الأرض تحت قدميه، يقوم، يسوي الأرض ويمشي، لا، يركض، يصرخ نريد دولة تحمينا· أية مفردة سحرية تلك! الدولة· كنا نريدها لننام ونعرف طريقنا في الصباح· كل منا صنع وجهاّ لها وللوطن·
أنا، تسمرت أمام وجوه طلابي، سلالم الدرج الذي أسلكه إلى الصف حفظت خطوطها وألوانها بخفة لأنها تقودني إليهم· أتعجب من أين يأتيني ذلك الهوى وتلك الحماسة منذ أربعين عاماّ· في كل مرة أراجع أوراقي خشية ألاّ أكون قد وفّيت المحاضرة حقها· كانت الجامعة وطني· أركض إليها بشغف مراهق حالم·
أشعر منذ فترة بألم شديد في ساقيّ· كلما جلست لأشاهد الأخبار، أحس أنني أضغط قدميّ على الأرض ولا أنتبه إلاّ بعد أن يهزني الألم، أقوم ساخرة من نفسي لماذا كل هذا الشد على الأرض! يبدو أنني توقفت عن الركض، أريد أن أقف على أرض صلبة، قدماي لا تصدقانني· أريد أن أثبت الأرض تحت قدمي مخافة أن تنزلق وتغور·
لم أبك أمام مشاهد الدمار· غمرتني حالة غريبة جعلت الدمع يرشح من كل مساماتي عندما سمعت أنشودة موطني موطنييييييييي· هل تعرف تلك الأنشودة يا هشام! كنا نغنيها منذ لحظة تعلمنا الأناشيد في المدرسة الابتدائية· المدارس اليوم، وفي هذه اللحظة، هي الغطاء واللقمة، هي موطن الذل والعجز والألم الخفي لناس يعرفون ذلك النشيد وهم في أرحام أمهاتهم· أن يكون الشخص بلا بيت، أن ينهدم بيته، قلت لي، لو يعرفون معنى هذا الأمر! لو يعرفون كيف مهر هدم بيتنا حياتي!
تريد اليوم أن تشتري بيتاّ وتتمنى أن يكون بيتاّ قديماّ وترممه·
بيت قديم ترممه ! أي طلب هذا؟!
كأنك لا تريد تصديق فكرة أن البيوت تتهدم·
أنت شاب وتريد أن تثبت أن الشباب يجددون البيوت العتيقة فيحتفظون بالأهل والتاريخ والأشياء الكثيرة· أشياء ذات وجوه ووشوشات وحكايات تنطق وتغمز وتضحك· تقترب فيلفنا الحنين إلى من أحببنا، إلى أذرعهم وعيونهم ولفتاتهم وجلساتهم·
أتذكر، ذات يوم، كيف كنت تلم من حقل البيت المهدم قطعة بورسلان من الحمام الأزرق الذي كان مجاوراّ لغرفتك وصحن فنجان القهوة الأحمر وبقية من صحن أصفر يذكر بأيام العز· كم عرفت تلك الصحون وجوه أحبة وأصدقاء ناقشوا الأوضاع السياسية في البلاد زمن ما قبل الحرب الأهلية· أطمئنك ما زالت تلك الكسور في الجارور حيث رتبتهم بيديك ولا أسمح لأحد أن يمسهم·
تريد أن تشتري بيتاّ لك، وهذا شرطك لترك الخليج والعودة إلى بيروت التي تحبها·
الأربعاء الساعة الثانية عشرة ظهراّ في 12/7/2006 خرجت من البنك بعد أن وقعت سندات القرض السكني لبيتك· خرجت بأقدام متثاقلة، لم أحصل من البنك إلا على مبلغ قليل لأنني كبرت· قطعت كورنيش المزرعة سيراّ وأنا أقول: سوف أتدبر شأن الباقي من عملي الثاني·
أمامي وحولي وورائي اليوم صور البيوت المهدمة·
لا تخف سيكون لك بيت هذا ما يقوله قلبي·
فقط عندما تتصل لا تنسَ أن تقول ما تنضح به جوارحك المشتاقة:
"ماما ····حبيبتي ·······ديري بالك"
(كاتبة لبنانية)
السفير - 24 يوليو 2006