· أمريكا تخوض الحرب وإحدى يديها مكبلة لعدم معرفتها بالتمرد
· المتمردون تمكنوا من المزج بين السلفية الإسلامية والوطنية العراقية
· بقاء التمرد طوال هذه الفترة رغم التفوق الأمريكي الشاسع يعني وجود خلل ما
بقلم روبرت مالي وبيتر هارلنغ*
بعد أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الأمريكي للعراق لا تزال الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد أعداء لا تعرفهم، وتعتمد على تعريفات فضفاضة لهم كوصفهم بـ "الصداميين" و"الإسلاميين الفاشيين" وما إلى ذلك، وبدلاً من تحليل استراتيجية المعارضة المسلحة في العراق وأهدافها، تقوم الولايات المتحدة بوضع الافتراضات بهذا الشأن بنفسها، وبدلاً من الاستماع إلى ما يقوله المتمردون، تصم آذانها عنه وهذا أمر يثير الحيرة والارتباك ولا يساعد على تحقيق النصر في الحرب التي تخوضها ضد التمرد لقد عملت مجموعة الأزمات الدولية على تحليل الاتصالات التي التقطتها بين أفراد المجموعات المسلحة منذ شهور، فوجدت الكثير من الدروس المفيدة والرسائل ذات المغزى البالغ الأهمية والمثير للقلق العميق، في آن· إن تجاهل الولايات المتحدة للجدل الدائر بين المتمردين- في وقت يولون هم فيه أهمية قصوى للاستماع لما تقوله واشنطن- يعني أنها تخوض هذا الصراع بيد واحدة بينما اليد الأخرى مكبلة وراء ظهرها·
إن التعرف على ماهية التمرد وما يحاول تحقيقة وكيف تبلور منذ البداية ونقاط ضعفه·· هي مسائل ليست خاضعة للتخمين·· والمتمردون لم يخفوا أهدافهم بل نشروها على بعض المواقع الإلكترونية وتداولوها في غرف الدردرشة على شبكة الإنترنت، وفي الصحف والمجلات والنشرات وعلى أشرطة الكاسيت والفيديو، وعلى ضوء الظروف التي يجب أن يعمل المتمردون من خلالها فإن من الممكن الافتراض أن ذلك يمثل جزءاً مهماً وربماً كل اتصالاتهم سواء تلك الموجهة من شخص لآخر أو تلك الموجهة إلى الشعب العراقي أو الأمة الإسلامية·
إن تفحص هذه الاتصالات يعطيك لمحة عن الموضوعات التي تحتل الأولوية عند المتمردين في حشد الأنصار وتسويغ أفعالهم ويتيح لك الاطلاع على قاعدة بياناتهم ومستوى التنسيق القائم بينهم وتقييم تحركاتهم التكتيكية والاستراتجيية وحين ذاك يمكنك الخروج بعدة استنتاجات·
حرب قذرة
أولها أن التمرد بدأ عشوائياً فوضوياً ثم أصبح منظما ليس على يد صدام حسين أو فلول نظامه بل بواسطة مجموعة من الجهاديين والمجموعات الوطنية التي أخذت تتنافس في ما بينها في تنفيذ الهجمات ضد القوات الأمريكية واليوم فقد أصبح هذا التمرد يخضع بشكل متزايد لهيمنة عدة مجموعات تتوافر لديها وسائل اتصال متقدمة·
لقد أصبح المتمردون منظمين بشكل جيد ولديهم المطبوعات المنظمة ويردون على التطورات السياسية وينسقون بياناتهم وأفعالهم لدرجة مدهشة، فعلى مدى العام المنصرم حاولوا تبديد أية صورة على ممارسات وتكتيكات وأدبيات متجانسة تمزج بين السلفية الإسلامية والوطنية العراقية وإزالة ذلك الفاصل الواضح بين الجهاديين الأجانب والمقاتلين العراقيين·
ولا تزال اساليبهم وحشية لكن حدث تطور ملحوظ في وسائل عملهم، لقد بدأ المتمردون يظهرون وعياً أكبر لحساسيات الرأي العام، وبرز ذلك في اتصالاتهم الداخلية وأصبحت عملياتهم أكثر تنسيقا ودقة·
ويقومون بالرد الفوري والمنظم على الاتهامات الموجهة اليهم بالإفلاس الأخلاقي وممارسة العنف الأعمى·
وقد رفضت كل هذه المجموعات بما فيها تنظيم القاعدة الاتهامات بأنها تشن حرباً طائفية، وحاولت إثبات- بالكلمة والصورة- حرصها على حماية ومساعدة المدنيين وتنصلت من بعض الممارسات التي أثارت جدلاً على المستوى المحلي مثل قطع رؤوس الرهائن أو مواجهة المواطنين المتجهين الى صناديق الاقتراع·
واتهموا الولايات المتحدة وحلفاءها العراقيين بشكل متكرر بشن حرب قذرة بالتنسيق مع الميليشيات الطائفية وبممارسة التعذيب وتعزيز الانقسامات بين العراقيين وبعدم الحساسية تجاه حياة المدنيين·
وقد أثبت المتمردون قدرة مذهلة على تغيير تكتيكاتهم لمواجهة تكتيكات العدو، وتضمنت مواقعهم على شبكة الانترنت او غرف الدردشة والمطبوعات الأخرى نقداً ضمنيا للذات فبعد أن عارضوا الانتخابات في البداية وهددوا بمهاجمة كل من يشارك في الاقتراع، عادوا لتغيير نهجهم ولإدراكهم أن هذا النهج كانت له نتائج عكسية·
رسالة مركزية
وعلى الأرض رد المتمردون على استرايتجية الولايات المتحدة المعلنة "طهر الأرض وسيطر عليها وابدأ بالبناء" بشعار مضاد "تراجع وأعد انتشارك وخرب" بدلاً من مواجهة العدو وجهاً لوجه، وبدأوا يتحدثون عن المرونة العسكرية وعن محدودية عدد القوات الأمريكية وهشاشة قوات الأمن العراقي الأمر الذي يتيح لهم تنفيذ الهجمات في الزمان والمكان اللذين يختارونهما·
ولكن اتصالات المتمردين تحكي قصة أخرى أكثر إثارة للقلق فبعد ثلاث سنوات من القتال، أصبحوا أكثر تفاؤلاً وقناعة بأنهم سوف ينتصرون لقد ظلت مسألة إظهار الثقة بالنفس دائماً شأنا دعائياً، وسيكون من المفاجئ ألا يظهرها المتمردون ولكن في حين تم التعبير عن تطمينات الذات بالأمس من خلال مفاهيم الجهاد المفتوح ضد المحتل إلا أن تضمينات اليوم تحمل قناعة بأن النصر أصبح في متناول اليد وأن الانسحاب الأمريكي أصبح قاب قوسين أو أدنى وأن انهيار مؤسسات العراق في مرحلة ما بعد الحرب أصبح وشيكا·
وبطبيعة الحال فإن التمرد ليس عصياً على الانهيار والهزيمة، للمتمردين والجدل الدائر بين أفراده يظهر مدى ضعفه، فالاعترافات المتلفزة للمتمردين الذين يتم إلقاء القبض عليهم والاتهامات لهم بالطائفية والوحشية فضلا عن نجاح العملية الانتخابية خلال عام 2005 كلها كان لها تأثيرها الواضح على المعارضة المسلحة وهزت ثقتها بنفسها وأحدثت تغيرات ملموسة على سلوكها وخطابها· ولكن الرسالة المركزية هي أن أدوات التحالف الأكثر فاعلية كانت سياسية وليست عسكرية، ويعمد التمرد بدرجة كبيرة على شرعيته المستندة أساساً إلى معارضة الاحتلال والاستياء من بعض ممارساته وشعور السنة بأنهم يخضعون للحصار·
خلل
إن حقيقة بقاء التمرد على قيد الحياة بل انتعاشه على الرغم من تفوق الأمريكيين الواضح عليه عدة وعدداً، يعني أن هناك خللاً يشوب الحملة الأمريكية لمواجهته فقد يتجاهل المرء خطاب التمرد على اعتبار أنه دعائي ولكن يبدو أن هناك اتفاقا بين جماعات التمرد على جوهر المسائل العملياتية·
ولكن يبقى الوضع هشاً والتجانس الذي يظهر على السطح قد يخفي تحته توترات عميقة، وهذه الثقة في أوساط المتمردين قد تكون قصيرة المدى، إلا أن الولايات المتحدة بحاجة لأن تأخذ كل ذلك بعين الاعتبار إذا ما أرادت فهم التمرد وتحليل قدرته على الصمود والتعرف على السبل الكفيلة بهزيمته·
إن أية حملة فعالة لمكافحة التمرد سوف تتطلب الفهم الجيد للبعد السياسي للتمرد، والتعامل بجدية مع خطابه وتوجيه الجهود نحو مصادر الدعم الشعبي له، وهذا يعني ضبط أجهزة الأمن العراقية، ووقف التغذيب وعدم فرض عقوبات جماعية أو أية اساليب أخرى تلحق الأذى بالمدنيين على نطاق واسع ووقف الاعتماد على الميليشات الطائفية· ويعني كذلك الإعلان بوضوح أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من العراق حالما تطلب منها الحكومة العراقية الجديدة ذلك والموافقة في هذه الأثناء على التفاوض العلني والمفتوح حول شروط وقواعد بقائها، لقد تحدث السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاده مؤخراً بصراحة ووضوح ولكن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات ملموسة·
فلا يمكن توقع أن تمارس الولايات المتحدة وحلفاؤها الاحتكار على استخدام القوة ولكن يمكنهم وينبغي توقع أن يمارسوا ذلك على الاستخدام المشروع للقوة، الأمر الذي يعني إرساء شرعية لا غبار عليها على وسائل وأهداف واستخدام هذه القوة، فهذا هو المطلوب كحد أدنى، من أجل تحقيق الانتصار على تمرد ترفض إدارة بوش الاستماع إلى ما يقول·
* روبرت مالي مستشار سابق للرئيس بيل كلينتون ومدير برنامج الشرق الأوسط في "مجموعة الأزمات الدولية" وبيتر هازلنغ كبير المحللين في المجموعة ذاتها·
عن: بوسطن غلوب