رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21 ربيع الأول 1427هـ - 19 أبريل 2006
العدد 1724

اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل يمنع الأمريكيين من سماع صوت راكيل كوري(1)
مسرحية أكثر سخونة من أن تطيقها نيويورك

                                                                             

 

·   يخشى أنصار إسرائيل  أن يبدأ الأمريكيون مناقشة قضايا الشرق الأوسط بحرية، فيكونون أكثر إنصافا

·    هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها موضوعاً من هذا النوع بعد أن منحتني هذه الشابة الحرية!

 

فيليب رايس:*

ليس من السهل العثور على الكتاب الصغير الذي أصبح فجأة أكثر الكتب إثارة في الغرب مع مطلع شهر مارس الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية· وقالت شركة الأمازون أنه لن يكون متوافرا حتى شهر أبريل· ولا وجود له في شركة ستراند للكتب أيضا·

صحيح أن بإمكانك طلبه من موقع الأمازون في بريطانيا، ولكن يستغرق وصوله الى أمريكا أسبوعا·

أخيرا عثرت على كاتب في ميتشغان قام مشكورا بتصوير الكتاب البريطاني وإرساله الى، ولكن لكي أضمن رؤيتي لنسخة أصلية زرت شقة ناشطة سياسية في الشارع الثامن بعد أن وعدت بإعطائي كتابها الذي تكاثر عليه الطلب لمدة نصف ساعة· وفي المصعد وفي طريقي الى بهو البناية، تصفحت الكتاب عشوائيا لأقع على هذا المقطع: "لا أستطيع تبريد ماء يغلي في روسيا، ولا أستطع أن أكون بيكاسو، ولا أستطيع أن أكون المسيح، ولا أستطيع حماية كوكب الأرض وحدي· إلا أنني أستطيع غسل الصحون"·

الكتاب هو مسرحية "اسمي راكيل كوري" ويتألف من يوميات ورسائل البريد الإلكتروني للشابة البالغة من العمر  32 ربيعا من ولاية واشنطن التي سحقت حتى الموت في غزة قبل ثلاث سنوات تحت جرافة يستخدمها الجيش الإسرائيلي، وهي مسرحية عُرضت في لندن مرتين بنجاح في السنة الماضية، ثم أصبحت موضوع قضية مشهورة بعد أن قررت فرقة مسرحية تقدمية تدعى ورشة مسرح نيويورك تأجيل عرضهاالأول في أمريكا الى أجل غير مسمى بحجة حساسيات أوساط يهودية (لم تتم تسميتها) أصابها فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية بعدم الارتياح· وحين شجب منتجو المسرحية الإنجليز القرار الذي اتخذته ورشة مسرح نيويورك بوصفه ممارسة للرقابة والحظر، وسحبوا العرض، لم تستطع حتى وسائط الإعلام بعامة تجاهل متضمنات هذا الأمر· فلماذا لا يمكن سماع كلمات أمريكية راديكالية في هذا البلد من دون، وهذا هو المغزى، مادعته ورشة نيويورك "إضافة قرائن"، أي تأطير المسرحية بمناقشات سياسية قد تصل إلى إرفاق قطعة بها ستهدئ بهذه الطريقة أو تلك مخاوف الأوساط اليهودية؟

قالت "سندي كوري" والدة راكيل "إن آثار هذا القرار واسعة، أنها أكبر من راكيل ومن هذه المسرحية· فهناك شيء في هذه المسرحية جعلهم يشعرون أنهم في غاية الضعف، وأتساءل بعد أن رأيت على جدول أعمال الورشة مسرحية عن الشواذ، هل سيستخدمون مع أوساط هؤلاء النهج نفسه؟ هل سيراعون هذا الفريق من الشاذين الذين سيعارضون مسرحيتهم بشدة؟"·

بهذا التصرف يظهر أن لكلمات راكيل تأثيرا يفوق تأثير موتها· لقد ماتت دعوة لجنة أمريكية رسمية الى قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالتحقيق في مقتلها، بأصوات 78 شخصا فقط وانتباه ضئيل من قبل وسائط الإعلام·

ولكن التدخل المفضوح لمتنفس ثقافي ذي ميل يساري، ذلك الذي سيخضع حكمه الفني لوجهات نظر موالية لإسرائيل، قام بمهمته كدخان بنادق لأولئك الذين حاولوا قمع مناقشة حقوق الفلسطينيين الإنسانية في هذا البلد· وبالفعل، شكل التدخل صدمة بالغة العنف وإرباكا الى درجة أن الورشة سرعان ما حاولت حماية نفسها والتراجع عما أعلنته ولكن كان الضرر قد وقع· لقد بدأ الناس يسألون أسئلة إضافية: كيف يمكن للغرب أن يدين العالم الإسلامي لأنه لم يقبل الرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد، بينما يُخرس كاتبا غربيا يتحدث علانية باسم الفلسطينيين؟ ولماذا تجري في أوروبا وفي إسرائيل ذاتها مناقشات حول حقوق الفلسطينيين الإنسانية أكثر صراحة مما لدينا هنا؟

 

أكثر من عادية

 

حين ماتت "راكيل كوري" في 16 مارس 2003، كانت قد عاشت في الشرق الأوسط خمسين يوما كعضو في حركة التضامن الدولية (ISM)، وهي جماعة تجند الغربيين للعمل كـ "دروع بشرية" ضد العدوان الإسرائيلي، بما في ذلك سياسة تجريف وهدم بيوت الفلسطينيين لخلق أرض خلاء أوسع بين مصر وغزة التي كانت محتلة آنذاك· وقد سحقت "كوري" حتى الموت حين وقفت أمام جرافة كانت تتقدم نحو بيت صيدلي فلسطيني· وحسب أقوال شهود عيان، كانت "كوري" ترتدي حزاما برتقاليا لامعا، وكانت مرئية بجلاء أمام أنظار سائق الجرافة، ومع ذلك أعلن تحقيق للجيش الإسرائيلي أن لا أحد يمكن محاسبته·

موت "كوري" الفظيع كان حدثاً وعلامة مهمة، فقد ربط معاناة الفلسطينيين بالحركة التقدمية الأمريكية، واتخذ طابعا سياسيا فوراً، وسعت الأصوات الموالية لإسرائيل الى تشويه سمعة "كوري" وتصويرها على أنها خادمة للإرهابيين، وقالت هذه الأصوات إن سائق الجرافة كان يحاول مجرد سد أنفاق تجيء عبرهاالأسلحة من مصر الى المناطق المحتلة، منكرين بهذا بأن موت "كوري" جاء نتيجة الهدم العشوائى· وامتلأت الرسائل الإلكترونية بعبارات الكراهية والحقد والتشفي بموت راكيل كوري·

قلة قليلة من الناس تعرف أن "كوري" كانت كاتبة كرست نفسها للكتابة: "لقد قررت أن أكون فنانة وكاتبة" هذا ما كتبته في صحيفة، وهي تصف صحوتها وأضافت: "ولم  يهمني أبدا أن أكون كاتبة عادية، أو أجوع حتى الموت، أو لو أن مدرستي الثانوية كلها سخرت مني"·

وشعرت أسرة "كوري" إن إخراج كلماتها الى العالم أمر في غاية الأهمية، فوضعت بعضا من آخر رسائلها الإلكترونية في موقع حركة التضامن الدولية على الإنترنت (طبعتها كاملة صحيفة الجاردديان البريطانية)· وكانت هذه الرسائل ذات أثر صاعق· لقد كشفت عن طبيعة امرأة عاطفية وشاعرة انجذبت الى القضايا السامية منذ زمن طويل، فتركت جانبا عملها في قضايا الأمراض العقلية وقضايا البيئة في مؤسسة شمال غربي المحيط الهادىء، وكرست نفسها لقضية ملحة، تلك هي قضية حقوق الفلسطينيين الإنسانية· واستجاب الآلاف لدعوة والدي "كوري"، بما فيهم ممثل لمسرح البلاط الملكي في ساحة سلوني في لندن، الذي سأل إن كان بإمكان المسرح استخدام كلمات راكيل في إنتاج عمل مسرحي، وهل هناك المزيد من كتاباتها· وطلبت "سندي كوري" وقتا· ومرت سنة أخرى قبل أن تجمع "سارة كوري" مقتنيات أختها، وطبعت مقاطع من الصحف والرسائل تعود الى أيام الدراسة الثانوية، وفي نوفمبر من العام 2004 أرسلت أسرة "كوري" الى مسرح البلاط 148 صفحة·

وكان في نية اثنين من المتعاونين هما "الان ركمان" و"كاثرين فاينر" إحدى المحررات في "الجارديان" إيجاد لحمة بين كتابات كوري وكلمات الآخرين عنها· إلا أن الصفحات التي وصلتهما غيرت تفكيرهما فوراً·

تقول "فاينر": "وفكرنا أنها أنجزت كل شيء لوحدها، صوت راكيل هو الصوت الوحيد الذي عليك أن تسمعه" ووافقت أسرة "كوري" التي تمتلك حقوق الملكية الفكرية، لقد كانت راكيل كوري كاتبة مسرحية، وهنا انطلق الكاتبان المتعاونان الى العمل في غربلة المادة بالاشتراك مع الممثلة الشقراء النحيلة "ميجان دودس" التي تشبه "كوري"·

وقبل سنة عرضت المسرحية على خشية المسرح كعرض تقدمه ممثلة واحدة في مسرح ذي مئة مقعد في البلاط الملكي· ووجدت المسرحية احتفاءً نقدياً، وبيعت تذاكر عروض أربعة أسابيع فوراً· وانجذب الشبان والشابات الى العرض بشكل خاص·

 

خفة الوجود

 

مسرحية: "اسمي راكيل كوري" والعنوان مستمد من دفتر يومياتها، هي شيئان، الصورة الشخصية لامرأة حساسة تكافح من أجل الوصول الى هدفها، وسجال حول أهوال الاحتلال الإسرائيل·

العمل مطبوع بطابع الحديث العادي مثل "وأخيرا أقنعت "كولن" بالتوقف عن إغراق حياتي" ثم تتدفق الفقرات عن نشأتها وفهمها للالتزام: "عرفت منذ سنوات قليلة ما ذا كانت تعني "خفة الوجود التي لا تحتمل" (عنوان رواية لميلان كونديرا) قبل أن أقرأ الكتاب· الخفة بين الحياة والموت، لا أبعاد على الإطلاق·· مجرد هزة كتف لا مبالية، والاختلاف بين هتلر وأمي، والاختلاف بين وتني هيوستن وأم روسية تنظر الى ابنها يسقط عبر سياج جانبي ويحترق حتى الموت··· وعرفت عندئذ أن هذه اللامبالاة يمكن أن تحدث مع انتهاء حياتي، وقلت، إذن من يهتم؟ والآن أعرف من يهتم إذا مت في الساعة الحادية عشرة والربع أو في سن السابعة والتسعين، وعرفت أنه أنا·· ذلك هو عملي··"·

ومع اتجاه خط المسرحية نحو الموت، تصبح رؤية "كوري" الأخلاقية للشرق الأوسط  في أعلى درجاتها، "ما ندفع من أجله هنا هو الشر حقا·· هذا ليس هو العالم الذي أردت أنت وأبي أن أجيء إليه حين فررتما أن تكون لكما ابنة"·

 

عن "ذي نيشن" (الامة) الأمريكية، 3 أبريل 2006

طباعة  

شعرية المشهد عند محمود حسن إسماعيل
 
وتد
 
خبر ثقافي
 
في النادي الأدبي بالرياض
حضرت المرأة بعد تغييبها عن المجلس