
بقلم: ديفيد بروكس
كان من المفترض لهذه المقالة أن تكون حول تنامي النزعة الانغزالية للشعب الأمريكي حيث أجادل فيها بأنه في مرحلة ما بعد الحرب على العراق، أصبح أسرع طريق إلى البيت الأبيض هو أن يخوض المرشح الانتخابات كديمقراطي مبتسم يتبنى أفكار بات بيوكانن، وما على هذا المرشح سوى مهاجمة أي تعامل مع العرب كصفقة الموانئ الأمريكية مع أحدى شركات دبي من أجل تلميع سجله الأمني وأن يدعو إلى ضبط المغامرات في الخارج وإلى المزيد من الإنفاق في الداخل وتبني مواقف مناهضة للهجرة غير الشرعية من أجل كسب تأييد الطبقة العاملة، وانتهاج سياسة متشددة إزاء الصين وتعاملات التجارة الحرة لكسب الناخبين في الغرب الأوسط، وعليه أيضا أن يهاجم فرنسا لا لشيء إلا لمهاجمتها! وإزاء فعل أي مرشح ذلك فسوف يفتح البيت الأبيض أبوابه في الانتخابات الرئاسية المقبلة·
ولسوء الحظ أنني قبل أن أنتهي من تلك المقالة نظرت إلى الحقائق حيث أن معظم الدلائل تشير إلى عدم وجود تيار متنام من الانغزالية في الولايات المتحدة حتى بالرغم من نزيف الدم حالياً في العراق·
فقد نظر خبير استطلاعات الرأي روي تكسيريا نظرة خاصة على البيانات المحفوظة على موقعه الالكتروني بعنوان Donkey Rising واستخلص أنه بدلا من رؤية تحول نحو الانعزالية في المجتمع الأمريكي فإن ما نشهده في الاستطلاع بعد الاستطلاع هو عودة الأمور في هذه النقطة بالذات الى مستويات ما قبل الحرب العالمية الثانية وذلك باستثناء التنامي الحاد للنزعة الانعزالية ولفترة قصيرة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001·
لقد بدأ معظم الحديث عن الانعزالية حيث تبين من استطلاع أجرته مؤسسة Pew أن 42 في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب ألا تهتم إلا بمصالحها في العالم، وهي نتيجة تحتل ارتفاعاً بنسبة 21 في المائة عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات ولكن تكسيريا يعتقد أن نسبة الـ 42 في المائة كانت هي ذاتها طوال سنوات حكم الرئيس بيل كلينتون حين كان الأمريكيون يؤيدون التدخلات الأجنبية أكثر من أي وقت مضى·
تأثير ريغان
وفي هذه الأثناء فإن بقية الدلائل تشير إلى انخراط كبير في الشؤون الدولية أما التأييد الشعبي لفكرة العمل الدولي الجماعي فيظل مرتفعاً بشكل ملحوظ، كما أن التأييد لتقديم المساعدات الدولية فبرز أعلى مما كان عليه من قبل، وظلت القضايا الدولية الساخنة مثل الإرهاب الدولي في صدارة قائمة الهموم الأمريكية·
وأما المواقف تجاه العولمة الاقتصادية فهي أكثر إيجابية من أي وقت مضى ففي عام 1953 مثلا كان 54 في المائة من الامريكيين يؤيدون التجارة الحرة·· وفي عام 2000 أظهرت الاستطلاعات أن 64 في المائة من الأمريكيين ينظرون بإيجابية إلى التجارة الحرة باعتبارها في صالح بلادهم، وقال 65 في المائة منهم أن التجارة الدولية شيء جيد ومهم لمستواهم المعيشي·
وحين سئل الأمريكيون في نهاية الاربعينات حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن يكون لها دور حيوي في الخارج أو تبتعد عن الشأن الدولي قال 69 في المائة منهم أنها يجب أن تضطلع بمثل هذا الدور، والآن وبعد أكثر من ستين عاماً، تؤيد النسبة ذاتها من الأمريكيين "69 في المائة" اضطلاع الولايات المتحدة بدور حيوي في العالم·
وفي الجانب الجمهوري، لم يحدث أي نمو في الاتجاه الذي يمثله بين كان والداعي إلى سياسة خارجية محافظة في التعاطي مع الشأن الدولي، وعلى العكس من ذلك فإن تأثير ريغان وبوش "الأب" وتنامي الاهتمام بالشؤون الدولية أدى إلى محو النزعة الانعزالية من الحزب الجمهوري، تلك النزعة التي كانت من أهم سمات الحزب، وفي هذه الأثناء فإن المرشح الديمقراطي الأبرز لانتخابات الرئاسة المقبلة حتى الأن هو السيناتورة هيلاري كلينتون التي لا تختلف في مواقفها كثيراً عن الزعيم الجمهوري البارز جون ماكين، في ما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية·
باختصار فان العراق في هذا السياق وغيره الكثير ليس فيتنام لقد أدت الحرب الفيتنامية إلى تحول في السياسة "والرأى العام" الأمريكية من الانخراط في الشؤون الدولية، إلى الانغلاق على الذات، أما الحرب في العراق فلها ديناميكية أخرى·
آراء شبه عنصرية
وهذا يعود إلى أن الفيتناميين في نهاية الستينات لم ينتشروا في جميع أنحاء العالم لينتفذوا العمليات الانتحارية، ولم يخرج الفيتناميون في تظاهرات صاخبة حول العالم، احتجاجاً على صور كاريكاتيرية ولم يختطف الفيتناميون طائرات مدنية بها في أبراج نيويورك، الصراع الراهن فيه عنصر من الشر الوجودي لم تشهده حرب فيتنام·
وهكذا فأن التأثير الرئيسي للحرب في العراق ليس دفع الأمريكيين نحو الانعزالية بل غير الرأي العالم الأمريكي من الاتجاه للانخراط في الشؤون الدولية إلى شيء أخر·
لقد بنى جورج دبليو بوش سياسته على قاعدة أن العرب لا يختلفون عن أي شعب أخر، وأنه بالإمكان جذبهم إلى عائلة الأمم الديمقراطية ولكن هذه السياسة فشلت للأسف·
لقد أصبحت النزعة العالمية بالمقابل تقوم على استثناء العرب ففي الوقت الذي يتحرك العالم أجمع نحو مستقبل يستند إلى العولمة يظل العالم العربي غارقاً في بحر من الأهوال يعود إلى العصور الوسطى فالدول العربية لا يمكنها التحول سريعاً إلى الديمقراطية والشعوب العربية ليست مهيأة للحداثة القائمة على التعددية وكل ما يجب عمله هو عزل هذا العالم كي لا يؤذينا مرة أخرى·
الناس لن يكتشفوا عن مثل هذه الآراء شبهة العنصرية في استطلاعات الرأي ولكن ردة الفعل على صفقة الموانئ الأمريكية مع إحدى الشركات الإماراتية، عبرت جليا عن هذا الاتجاه إضافة إلى الرغبة الشعبية الواسعة لإنهاء اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط، وبرز هذا الاتجاه أيضا، في أوروبا غداة أعمال العنف التي اندلعت احتجاجاً على الرسوم الكاريكاتيرية للرسول محمد "صلى الله عليه مسلم"·
وحين حاولت البحث في صفقة الموانئ وجدت أنها ردة فعل تقوم على التعميم لكنها موجودة·
ومع اقتراب موسم الانتخابات الجزئية للكونغرس في نهاية هذا العالم فإن الحديث لا يدور حول الديمقراطية ونشرها في العالم العربي بل حول اتخاذ مواقف صارمة تجاه الإرهاب والإرهابيين·
أمريكا لا تتجه نحو الانعزالية والأمريكيون لا يسعدهم فك الارتباط بالشؤون العالمية بل يريدون فك هذا الارتباط بالعالم العربي فحسب·
انترناشيونال
هيرالد تريبون