رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21 ربيع الأول 1427هـ - 19 أبريل 2006
العدد 1724

شعرية المشهد عند محمود حسن إسماعيل

                                                                                

 

أطروحة قدمها (محمد عليم) لنيل درجة الماجستير في النقد الأدبي لكلية الآداب - جامعة الكويت الأحد 19 مارس 2006، وأجيزت الأطروحة مع توصية لجنة المناقشة بطباعتها على نفقة الجامعة، أشرف على البحث أ·د· سعد مصلوح

 

شارك في المناقشة:

أ·د· عبدالله المهنا/أ·د· نورية الرومي

 

حددت الدراسة هويتها في عنوانها، لذا، لم تتوفر على سيرة ذاتية لمحمود حسن إسماعيل، أو تتعرض الى مواقفه من قضايا بعينها مستقصية المظاهر، والدوافع، والدلالات، ولكنها تشير الى ذلك، أو بعض منه، إذا اقتضت الضرورة، على أن يكون إفراز بنية، أو تتويجاً ختاميا لما هو جوهر وأساس في شوط التأويل·

على ذلك، فإن وجهة الدراسة، هي حوار مباشر مع نص الشاعر، وفق منطلقات محددة، لمفاهيم مصطلحية محددة، وحوار النص في هذه الدراسة ليس مطلقا، بل مشروط بخصائص، أردت لها أن تستهدف زاوية نظر مختلفة في تلقي نص الشاعر، من حيث تلمس ملامح "شعرية المشهد" عنده، على هدي من مقولات المنهجية اللسانية النصية·

وقد واجهت الدراسة، منذ البدء، صعوبة من طريقين، الأول: ارتيادها أرضا تكاد تكون بكرا من حيث زاوية التناول، قياسا بوفرة زوايا النظر الأخرى في الدرس النقدي، والثاني: ندرة الدراسات السابقة لنص الشاعر في الاتجاه الذي حددته الدراسة لمسارها، أعني بحث الخصيصة المشهدية، بوصفها نسقا مستهدفا، يبحث وحدة مشهد، لا بنية صورة·

وللحق، لم تكن الدراسات التي تناولت نص الشاعر، خلوا من إضاءات قيّمة، أعانت على بلوغ الغاية، إلا أن مسافة بين هذه الدراسات وما أنا بصدده، ظلت متسعة، سواء ما تعلق منها بالمنهج أو بالإجراء، إذ جاءت عموم هذه الدراسات محتفية بخصيصة التصور عند الشاعر، ولكنها انشغلت بـ "الصورة"، دون أن تجاوزها الى دراسة مشهدية متماسكة، وبالمفهوم الذي تحاول الدراسة أن تجلّيه·

واستأنست الدراسة بعدد من الإضاءات التي "قاربت" المشهد، من خلال التوسع في تناول "الصورة الشعرية"، وأخرى بحثت مظاهر التراكم الصوري وحاولت تعليله، بما هو ظاهرة تصويرية في تجربة الشاعر، إلا أن هذه الإضاءات بقيت في حيز الصورة، فكانت حافزا لارتياد ما أعتقده الآن مغامرة، حرصت على أن تكون محسوبة الخطو، ما استطعت·

وجاءت الدراسة في ثلاثة فصول، الأول بحث تحديد مفاهيم ثلاثة مصطلحات أساسية، هي (الشعرية، المشهد، شعرية المشهد)، وجاء تحديد مفهوم كل مصطلح في مبحث مستقل، وفق الترتيب السابق··

تناولت في المبحث الأول مصطلح (الشعرية) بالتحديد اللغوي والاصطلاحي، فأشرت الى إشكالية المصطلح، في ضوء ما لابسه من ازدواجية المفهوم بين الخصوص والعموم، ثم عللتُ، من ثم، ميل الدراسة لاعتماد المفهوم "الخاص" للشعرية، بوصفه تأويل النص الأدبي المفرد، وبحث سماته المميزة، وسميته (شعرية التأويل)، في مقابل (شعرية النظرية)، بوصفها بحثا في قوانين الأعمال الأدبية عامة، وجاء اختيار (شعرية التأويل) لمواءمته منهج الدراسة، من غير قصد الى خلق فجوة بين الاتجاهين، أو تجسيد حالة تقاطع بين المفهومين·

وخلال هذا المبحث، دعمت خيار الدراسة من طريقين، الأول: تراثي عند اثنين من أبرز أعلامه، هما عبدالقاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والثاني: معاصر، استحضرت فيه الدراسات الحديثة ذات الاهتمام المباشر بالشعرية، مفهوما واستعمالا، ثم خلصت الى استظهار مفهوم (الشعرية)، بوصفها تأويلا يتخذ من المنهجية اللسانية النصية إجراءاته التطبيقية، وهو يتلمس "شعرية مشهد محمود حسن إسماعيل·

وفي المبحث الثاني أوضحت المقصود بمصطلح (المشهد)، لغة، واصطلاحا، من منظورين بدَوَا متقابلين (منظور الفنون التشكيلية، والمسرحية، والسينمائىة، من جهة، ومنظور الصوفية، من جهة ثانية)، واستثمرت هذا التقابل بين المفهومين في الإطلال على مشهد الشاعر، بوصفه ظاهرا وباطنا، وتلمست الدراسة وجهتها في تحديد مفهوم المشهد، على نحو ما فعلت في المبحث الأول، من حيث الاتكاء على جانبي التراث والمعاصرة، لتخلص إلى تحديد مفهومها الخاص للمشهد·

وفي المبحث الثالث، حددت مصطلح (شعرية المشهد)، وأنا في سبيلي إلى ذلك، حاورتُ بعضا من مقولات حازم القرطاجني عن "النفس والالتذاذ"، متوازية مع جانب من مقولات "نظرية التلقي"·

وبحثت في الفصل الثاني صور المشهد، صدّرته بإضاءة، أوضحت فيها المقصود بصور المشهد وضوابط ارتباط كل صورة بخصيصة معينة اختارتها الدراسة، وسوغتُ أسباب الارتباط، من باب الترجيح المنطقي، لا القطع بحدود فاصلة، فبحثت تناسل الطبيعة في المشهد العنقودي، وفيوضات البعد الصوفي في المشهد النص، أوضحت فيه عددا من التوافقات والتقاطعات بين التصوف والشعر، وتوصلت إلى أن تجربة الشاعر لم تكن صوفية بمحض مفهوم المصطلح، وإن انتسبت الى الصوفية ببعض السمات·

وبحثت تجاذبات التضايف بين العنوان والمشهد المركب، فتوقفت أمام العنوان في إبداع محمود حسن إسماعيل (مرتبطا بمقدماته النثرية بوصفها ظاهرة خلافية)، ورأيتها درامية وإيقاعية ومفهومية·

وجاء الفصل الثالث/ الأخير بعنوان (شعرية المشهد - قراءة تطبيقية في نص [الالتزام])، أوضحت أسباب اختياري للسانيات النص منهجا للتأويل، واقترحت (قراءة موازية)، ثم عللت اختياري النص الشاهد للتطبيق، ونهجت في الدراسة التطبيقية عددا من المراحل، قمت فيها بوصف المشهد بما هو تحديد أول، يمثل الطرف الموازي فيما سميته بالقراءة الموازية، تتبعت فيه العناصر المشهدية في النص، ثم بحثت "نص المشهد" بما هو تحديد ثانِ، يمثل الطرف الموازي، رصدت فيه أبرز وسائل (سبك) النص، متعانقا مع إيقاع الأحداث في المشهد، ثم اختتمت القراءة التطبيقية بإشارات هدفت الى لم شتات الدراسة فيما سميته جماع الخصائص·

والمنهج الذي اتبعته الدراسة، تنوع بحسب ما اقتضته كل مرحلة من مراحل البحث، ففي الفصل الأول، اقتضى تحديد مفاهيم المصطلحات المزاوجة بين: التاريخية، والوصفية، والمقارنة، وفي الفصل الثاني، اتبعت منهجا وصفيا، وأنا في سبيلي لاستظهار طبيعة كل صورة من صور المشهد، مرتبطة بخصائصها، أما الفصل الثالث فقد نهجت فيه منهجا تحليليا، لكونه تطبيقا لمنهج تأويلي، يتخذ من لسانيات النص خلفية لمنطلقاته·

وتحسب هذه الدراسة أنها تطرح وجهة نظر/رؤية، تحاول أن تكون جديدة في زخم الدراسات النقدية، وإن كانت ليست الوحيدة على هذا الطريق، فهي تسعى إلى أن تفسح لنفسها مكانا في محيط الدراسات النقدية الجادة·

ضمن هذه الحدود، طمحت الدراسة الى ضفر أزمنة ثلاثة، ورؤى ثلاث، أولها: استنطاق بعض محاور نظرية النظم لدى عبدالقاهر الجرجاني، من منظور تأويلي يتسق ومقصد الدراسة، وثانيها: تمثُّل فكرة (التخييل) في مفهوم حازم القرطاجني من المنظور نفسه، وثالثها: اختبار مقولات المنهجية اللسانية النصية، وحرصت على أن يكون ضفر هذا الثالوث متوائما لافتعال فيه، هادفا الى بلوغ ذروة ما يمكن أن تمنحه "شعرية مشهد" محمود حسن إسماعيل من تأثير·

وقد مكنتني هذه الرؤية من اقتراح ما سميته بـ "القراءة الموازية" بين الاعتماد النحوي في لسانيات النص (سبكا) والاعتماد الصوري في مفردات المشهد (تخييلا)، وكان لهذا الأفق دوره في تجلية الحدود بين "النص"، و"المشهد" على مستوى التلقي والمشاهدة، ولم يكن للدراسة أن تحقق ما سعت إليه، إلا من خلال ما توفر عليه نص "محمود حسن إسماعيل" من خصوبة مشهدية رأيتها بالغة الثراء، فأعانت على محاورة النص تلقيا ومشاهدة، وينضاف إلى ذلك، حيوية أحداث مشاهده، بما يميزها من قلق وتوتر وصخب مما هيأ لها أن تكون على ما ظهرت عليه·

ورأيت أن خصوبة نص محمود حسن إسماعيل جاوزت النمط المشهدي الواحد، إلى أنماط عدة، اخترت منها ثلاثة، من غير قطع بهائيتها، فاتحا الباب لقراءة مستقبلية مني (أو من غيري) لاستكمال ما يمكن أن يكون قد أغفل، أو الكشف عن منظور ربما لم يظهر للعيان بادي النظر·

وقد تبين لي أن (الأثر) الذي هو غاية بحث شعرية المشهد، نبع من استراتيجية معمارية، كادت تكون واحدة في غابية مشاهده، وهي حدة الشعور بصدمة المفارقة بين طرفي الحدث، بحيث يتخلق الصراع بينهما بديمومة التصادم، وهو ما كان جليا بين طرفي السعادة والبؤس في المشهد العنقوي، والصعود والهبوط في المشهد النص، والقوة والضعف في المشهد المركب، والمد والتقاطع في النص، والقوة والضعف في المشهد المركب، والمد والتقاطع في النص التطبيقي الذي جاء جماعات للخصائص المشهدية في الدراسة التطبيقية المعمقة·

وتوصلت إلى أن نص الشاعر قد حمّل من الاتهام فوق ما يحتمل، لا لشيء إلا لكونه قرأ قراءة أحادية الوجهة، فكان من السهل التدليل على حجم ما اكتنف بناه الصغرى من تنافر، أما التكثيف الصوري، فلم ينظر اليه إلا بوصفه شاهدا على إشباع رغبة الشاعر في الاستقصاء (الخالي من الهدف الإيجابي غالبا)، غير أن الدراسة حرصت على أن تعي، قدر طاقتها، حساسية تحولات النص الداخلية، انطلاقا من توازي الرؤية بين السطح والأعماق، فاستطاعت أن تلمس انسجاما فيما بدا للآخرين تنافرا، وأن ترى في تكثيف البنى الصورية الصغرى هدفا له ما وراءه، يجاوز فراغ الهدف الى تصعيد المشهد نحو ذروة وحدته·

وعلى ذلك، تزعم الدراسة أن نص محمود حسن إسماعيل، إذا قيس بنصوص شعراء آخرين، لا يزال مجالا رحبا للدراسات النقدية المخلصة، وتزعم أن بقاءه بعيدا، لا يعكس استهانة به، بمقدار ما يعكس تهيبا منه، لأنه وبحق، نص صعب، لا يمنح مفاتحه إلا لمن أنصت إليه فأطال الإنصات، وهو ما أرجو أن أكون قد وفقت إليه، فإن لم أبلغ تمام الغاية، فحسبي صدق المحاولة والإخلاص في بحث ما رأيته صوابا·

محمد عليم

طباعة  

وتد
 
اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل يمنع الأمريكيين من سماع صوت راكيل كوري(1)
مسرحية أكثر سخونة من أن تطيقها نيويورك

 
خبر ثقافي
 
في النادي الأدبي بالرياض
حضرت المرأة بعد تغييبها عن المجلس