رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 صفر 1427هـ - 29 مارس 2006
العدد 1721

من خلال محطات الإذاعة والمواقع الإلكترونية المحافظة..(3)
إدارة بوش تشن حربا خفية ضد الصحافة الحرة

                            

 

·         الشركات الكبرى تهيمن على الإعلام الأمريكي

·        الصحافيون وجدوا في إعصار كاترينا فرصة للتعويض عن تخاذلهم أمام خطط إدارة بوش لشن الحرب على العراق

·         تجاهل الصحف الكبرى لمشكلات الطبقات الدنيا جعلها معزولة عن شريحة كبرى في المجتمع

·         محاولات الحفاظ على التوازن بين الجمهوريين والديموقراطيين أفرغت معظم التقارير الصحافية من مضمونها

·        عمليات قتل المدنيين العراقيين على الحواجز تغيب عن الصفحات الأولى للصحف الأمريكية

·         معظم وسائل الإعلام الأمريكية تعمل من نيويورك لكنها تتجاهل حقيقة أن 20% من سكانها فقراء أو مشردون

·         تأييد الديمقراطيين لشن الحرب على العراق أضعف الصحافة في مواجهة البيت الابيض

 

 

بقلم: مايكل ماسينغ*

كشف مكتب المساءلة الأمريكي عن أدلة على وجود حملة خفية تديرها إدارة بوش ضد الصحافة الحرة والمستقلة، لا لشيء إلا لعدم انخراطها في أجندة المحافظين الجدد·

وأشار التقرير الى أن الإدارة جندت الكثير من المواقع الإلكترونية وشبكات التلفزة (وخاصة محطة فوكس نيوز) ومحطات الإذاعة التي تغطي كل أنحاء الولايات المتحدة على مدار الساعة والتي كرست برامجها الحوارية مثل برنامج راش ليمبا الذي يصل عدد مستمعيه الى 24 مليون أمريكي، من أجل تخويف الصحافيين والمعارضين والتشكيك في مصداقيتهم·

وربما كان من أبرز الأمثلة على ذلك الحملة التي شنها قدامى المحاربين على المرشح الديمقراطي جون كيري والحملة التي تعرضت لها الصحافية جوديث ميلر لأنها شككت في الرواية الرسمية لإدارة بوش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، الأمر الذي أدخلها السجن واضطرها بعد ذلك للاستقالة من صحيفة نيويورك تايمز، وكذلك المضايقات والاتهامات التي تعرض لها الصحافي الذي صور إعدام جريح عراقي في الفلوجة·

وحين نشرت مجلة نيوزويك وصحيفة نيويورك تايمز التقارير حول قيام الجنود الأمريكيين بتدنيس القرآن الكريم في معتقل غوانتنامو، نظمت محطة فوكس نيوز حملة غير مسبوقة ضدهما·

ومن الأدلة الأخرى التي عرضها "مكتب المساءلة" قيام إدارة بوش - في سابقة تاريخية - بحجب أكثر من 15 مليون وثيقة عن أعين الجمهور، بشكل يمثل انتهاكا واضحا لقانون حرية المعلومات، مما دفع باتحاد رؤساء تحرير الصحف لحض الصحافيين على التوجه الى القضاء لوقف هذه الممارسات·

لقد جعلت هذه الحملة، معظم الصحف الأمريكية أقل رغبة في الدخول بمواجهة مع البيت الأبيض، واختارت، بدلا من ذلك، خطا "متوازنا" في تغطياتها الصحافية·

ففي الشأن العراقي مثلا، وجهت الاتهامات بالانهزامية وعدم مساندة جنودنا في أوقات الحرب، مما وضع أي صحافي يتجرأ على انتقاد الحرب أو السياسة الأمريكية في العراق بعد سقوط صدام، في دائرة التشكيك والاتهام·

وعلى صعيد متصل، أورد تقرير مكتب المساءلة أنه لم يسبق في تاريخ الولايات المتحدة منذ وضع الدستور، أن كان للشركات الكبرى مثل هذه السطوة والنفوذ على السياسات الأمريكية في الداخل والخارج·

وكشف تقرير "مركز النزاهة العامة" أن إجمالي إنفاق الشركات على تشكيل مجموعات ضغط lobbies خلال الفترة من 98-2004 الى أكثر من ثلاثة مليارات دولار للدفاع عن مصالحها والتأثير في سياسات إدارة بوش، فمثلا، حين انتقدت الصحافية في صحيفة لوس انجلوس تايمز نانسي كليفلاند، تعسف شركة "وول مارت" في التعامل مع موظفيها، فصلت من عملها·

شهدت الأشهر القليلة الماضية تغيرا مدهشا في حظ صحفيين معروفين اثنين هما: أندرسون كوبر وجوديث ميلر·

أندرسون يعمل في  محطة سي إن إن وكان ذات مرة مضيف البرنامج الترفيهي The Mole والذي عرف على الاكثر بملامحه الحسنة، وملابسه غير الرسمية وأحاسيسه المبهرجة· ظهر فجأة خلال إعصار كاترينا كمدافع عن المحرومين وكسوط على المسؤولين الذين لم يحركوا ساكنا· فقد سعى الى الفقراء من الأفارقة الأمريكيين المحاصرين في نيواورليانز وعبر عن غضبه حيال الجثث المتعفنة في الشوارع وقاطع سيناتورة لويزيانا ماري لاندريوبفظاظة حين بدات بشكر المسؤلين الفيدراليين على جهودهم قائلا " حين يستمع الناس إلى السياسيين مهنئين وشاكرين لبعضهم البعض، لا بد أن أخبرك أن هناك الكثير من الناس المستائين جدا والغاضبين جدا والمحبطين جدا "· وعقب تلقيه الكثير من المديح، تم ترشيح كوبر في أوائل نوفمبر ليحل محل أرون براون ليستضيف برنامج NewsNight  عبر محطة سي إن إن·

في هذا الوقت كانت جوديث ميلر تحاول إنقاذ سمعتها،فبعد قضائها خمسة وثمانين يوما في السجن لرفضها الشهادة امام هيئة المحلفين العليا في قضية تسرب هوية عميلة "سي·إي·إي"  فاليري بالم،لم يتم استقبالها بالتقدير الواسع لتضحيتها من أجل حماية مصدرها، وبدلا من ذلك استقبلت بأسئلة غاضبة حول علاقتها مع لويس ليبي وتعاملها مع المحررين ومن بينهم، بيل كيلر، الذي قال إنه نادم لأنه لم"  يجبرها على البوح بمعلوماتها " عقب استدعائها للشهادة· وأعاد الخلاف الحياة إلى الاستياء في أوساط زملائها من الصحفيين والكثير من قراء صحيفة نيويورك تايمز، حول تقاريرها عن أسلحة الدمار الشامل في العراق· وفي تعليل الصحيفة الذي نشر في16  أكتوبر، اعترفت ميلر ولاول مرة أنها "أخطات تماما بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية" وقال بيل كيلر عقب توليه منصب رئيس التحرير التنفيذي في2003 ،انه أبلغ ميلر أنها لن تستطيع تغطية موضوع العراق والأسلحة بعد ذلك الوقت، لكنها "ظلت تنجرف تدريجيا إلى حقل الأمن القومي"· ومن جانبها، أصرت ميلر على أنها "تعاونت مع قرارات هيئة التحرير" وعبرت عن أسفها بسبب عدم السماح لها بمتابعة تغطية أسباب خطأ الاستخبارات الفادح حول أسلحة الدمار الشامل وفي 8 نوفمبر، وافقت على ترك منصبها في صحيفة نيويورك تايمز  بعد ثمانية وعشرين عاما  أمضتها في الصحيفة·

 

فرصة للتعويض

 

وتوحي هاتان الروايتان المتباينتان بشيء عن تغير حال الصحافة الأمريكية· فقد ساعدت التغطية الجريئة لآثار إعصار كاترينا وإخفاق الإدارة الفاضح في الاستجابة الفاعلة، الكثير من المراسلين للتعويض عن تقاريرهم التي اتسمت بالجبن  حول وجود أسلحة الدمار الشامل· ورأيت من بين الصحفيين الذين تحدثت معهم أن الشعور بالفخر قد حل محل الشعور بالعار ويتردد الكثير عن الحاجة للعودة إلى المسؤولية الأساسية للمراسل ألا وهي فضح الممارسات الخاطئة وإخفاقات النظام السياسي· وفي الأسابيع القليلة الماضية، بدا  الصحفيون بطرح أسئلة أكثر حدة في المؤتمرات الصحفية، في محاولة لتحري المحاباة والفساد في البيت الأبيض والكونغرس وبعمل المزيد لتوثيق محنة العاطلين عن العمل أو المشردين بلا مأوى·

هل ستدوم مثل هذه التغيرات؟ في مقالة سابقة، وصفت الكثير من الضغوط المحدقة بالصحفيين اليوم، بما فيها معاداة البيت الأبيض والنقاد المحافظين العدوانيين وملاك الشركات الجشعين· أما  في هذه المقالة، فسأركز على مشاكل الصحافة الداخلية وليس على زلاتها الأخلاقية والمهنية الكثيرة، والتي نوقشت بالتفصيل في أماكن أخرى، ولكن على المشاكل الهيكلية التي تعيق الصحافة من القيام بمسؤولياتها كشاهدة على الظلم ومراقبة على القوي· وتتكون هذه المشاكل إلى حد ما من الممارسات والنزعات المهنية التي تعيق العمل الصحفي كالاعتماد على "المصدر" والجهد المفرط لتحقيق "التوازن"، والانبهار والمديح  للمشاهير يساويه في الأهمية تزايد عزلة جزء كبير من الصحافة عن الأمريكيين المحرومين والصعوبات التي يواجهونها· أخيرا والأهم، هناك المناخ السياسي الذي يعمل فيه الصحفيون· إن الضغوط السياسية اليوم تولد غالبا لدى الصحفيين نزعة لممارسة الرقابة الذاتية والإحجام عن ملاحقة الحقائق التي قد يثبت أنها غير مرغوبة سواء من السلطات أو العامة·

في أواخر أكتوبر 2004، ذهب كين سيلفرستاين المراسل المحقق في مكتب واشنطن لصحيفة لوس أنجلوس تايمز إلى سانت لويس ليكتب تقريرا عن الجهود الديموقراطية لتحريك الناخبين من الأفارقة الأمريكيين· ففي عام 2000، وجدت وزارة  العدل لاحقا أن كثيرا من الناخبين السود قد أبعدوا بشكل غير لائق عن التصويت من قبل مسؤولي الحزب الجمهوري· وكان الديموقراطيون يهددون الجمهوريين بالمثل في انتخابات 2004، ووجد سيلفرستاين دليلا على زعمهم· فقد اتهم المسؤولون الجمهوريون الديمقراطيين بانتهاكات مماثلة، لكن قضيتهم بدت واهية بالمقارنة، حتى إن مسؤولا جمهوريا محليا  اعترف له بذلك·

 

سرقة الانتخابات

 

وخلال تحقيقه، علم سيلفرستاين بإرسال صحيفة لوس أنجلوس تايمز عددا من المراسلين إلى عدة ولايات أخرى لتقصي التهم بخداع الناخبين وأكثر من ذلك، علم أن نتائجه التي سيتوصل إليها سوف تدمج في قصة قومية ضخمة عن اتهام كلا الحزبين في تلك الولايات بعضهما بالخداع والاستفزاز· وحملت القصة النهائية العنوان البارد "ازدياد الشكوك الحزبية في الولايات المتأرجحة"، التي وصفت الجوغير العادي المليء بالحقد والتشكيك والذي ساد الولايات المتنازع عليها في آخر أيام الحملة الرئاسية· إذ يبدو أن كلا من الديمقراطيين والجمهوريين في ولايات  ويسكانسن واوهايووميزوري وبنسلفانيا وأوريغون وغيرها من الولايات الرئيسية، على قناعة بأن خصومهم عازمون على سرقة الانتخابات·

وقد منح الجزء المتعلق بميزوري وقتا كافيا لمزاعم كل من الديمقراطيين والجمهوريين، وبسبب انزعاجه من هذه النتيجة، أرسل سيلفرستاين مذكرة إلى أحد مسؤولي الصحيفة يذكر فيها مخاوفه قائلا "إن إصرار الصحيفة على " التوازن " مضلل تماما ويقود الى تقارير ضعيفة لا حدة فيها  بكل ما في الكلمة من معنى"· وفي ميزوري كان ثمة جهد حقيقي من جانب الحزب الجمهوري   لقمع جمهور الناخبين المؤيد للديمقراطيين· أما شكاوى الجمهوريين "فتتعلق بحالات لن تؤثر جديا في نتائج الانتخابات"· ويمضي بقوله: إنني ساخط تماما بسبب هذا التعامل مع الأخبار· والفكرة على ما يبدو هي بأن نذهب للمراسلة لكن عندما يحين الوقت للكتابة فإننا نلغي عقولنا ونكرر ما ينسجه الجانبان من روايات· وأن نستعيذ بالله من محاولة التقييم العادل لما نراه بأعيننا· إن " التوازن " غير عادل، إذ لا يعدوعن كونه سوى طريقة سهلة لتفادي إعداد تقارير حقيقية  وتقليص مسؤولياتنا بإبلاغ  القراء"·

ويقول سيلفرستاين إن  هذا لا ينكر نشر أفضل الصحف لقصص تصنف في المقام الأول، أو أن الصحافيين العاملين في مشاريع طويلة الأجل  عادة ما يمنحون مهلة " لتجميع الأدلة وعرض القضية"· ولقد كتب خلال السنة الماضية، مقالات عن الصلات بين " سي آي أيه" والمخابرات السودانية وعن تحالف شركات النفط السياسي والاقتصادي مع الأنظمة الفاسدة في  العالم الثالث وعن صراعات المصالح المتعلقة بعضوالكونغرس جون مورثا·ولكن، وكما أخبرني سيلفرستاين، فعندما يتعلق الأمر بالتغطية السياسية، عادة ما تخشى الصحف " من أن يكون لها رأي " فهم يخشون إثارة رد فعل يتهمون من خلاله بالتحيز مهما كانت التهمة بلا أساس "·ويضيف أن " التوازن الزائف " مشكلة شائعة في كيفية تغطية التلفاز والمنظمات الصحفية للأخبار ويرى أنها " خانقة جدا"·

 

فهم أعمق

 

وكما يقترح سيلفرستاين، فإن هذا الخوف من الاتهام  بالانحياز، ومن الظهور بعدم التوازن، يعمل كمسكن قوي للصحافة الأمريكية الذي يضاعف تأثيره الهجمات المتواصلة من قبل مواقع سجلات المحافظين ومقدمي برامج الحوار الإذاعية· ومن بين الأسباب التي أضعفت أداء الصحافيين بشكل كبير في الأشهر التي سبقت الحرب على العراق قلة عدد الديمقراطيين المستعدين لانتقاد إدارة بوش، ومن دون هذا الغطاء، خشي الصحفيون من أن يصنفوا كمعادين للرئيس أو" ليبيراليين " من قبل المعلقين المحافظين·

وتقدم قضية تسريب هوية" بليم"  فهما أعمق للعلاقة بين المؤسسات الصحفية والسياسية· فمن الواضح الآن أن لويس ليبي كان شخصا مهما في البيت الأبيض ومن أهم واضعي الخطط التي دفعت الإدارة إلى الحرب في العراق· وتمكن الكثير من الصحافيين من إجراء حوارات معه وكانوا على علم بمدى سلطته ومع هذا لم يهتم أحد فعليا بإعلام الرأي العام عنه أو على الأقل بتدقيق النظر في  ممارساته نيابة عن  نائب الرئيس· 

وبالبحث في الصحف الكبرى خلال الأشهر الخمسة عشر التي سبقت الحرب على العراق ظهرت مقالة مهمة واحدة فقط عن ليبي كتبتها اليزابيت بوميلر  في صحيفة نيويورك تايمز عن روايته The Apprentice.

وتواجه صحيفة لوس أنجلوس تايمز في تغطيتها عن الحكومة، قيودا حقيقية كغيرها من الصحف نتيجة لتخفيض الميزانية المفروض من قبل شركتها المالكة (شركة تريبيون)، فقد خفضت الصحيفة مؤخرا طاقم موظفي مكتبها في واشنطن من واحد وستين الى خمسة وخمسين (يشكل المراسلون فيهم تسعة وثلاثين)· ويقول مدير المكتب دويل ماكمانس، إن الصحيفة استنفدت كامل مرونتها، فمنذ11  سبتمبر 2001، اضطر لتعيين العديد من المراسلين (البالغ عددهم ثمانية حاليا) لتغطية الأخبار المتعلقة بالأمن القومي، لدرجة تم فيها  تجاهل الكثير من المواضيع المحلية· ويوجد أربعة مراسلين فقط يوميا لدى لوس أنجلوس  تايمز لتغطية كافة المواضيع ابتداء من الرعاية الصحية مرورا بالعمالة والوكالات التنظيمية وليس لديها مراسل منتظم في واشنطن لتغطية المشاكل البيئية ويقول ماكمانس " إنه من الجنون لصحيفة في كاليفورنيا أن تبقي هذه الوظيفة شاغرة طوال هذا الوقت" ويضيف أن لدى صحيفة شيكاغوتريبيون كاتبا زراعيا متفرغا يتضمن سبقه الصحفي الأعمال الزراعية ونشاطاتها في واشنطن· وعلى الرغم من التأثير السياسي المحلي للاهتمامات الزراعية  تفتقر صحيفة لوس أنجلوس تايمز كغيرها من كبريات الصحف الأمريكية الى الموارد لتغطيتها بانتظام·

وينطبق الحال نفسه على معظم المؤسسات الرسمية في واشنطن· فلم يسبق أن كان للشركات في أمريكا مثل هذه السلطة وهذا التاثير داخل واشنطن منذ اقرار الدستور الأمريكي· فما بين1998 و2004 ، تضاعف حجم ما تم إنفاقه على تشكيل جماعات الضغط في الحكومة الفيديرالية الى قرابة3  مليارات دولار سنويا، وفقا لما ذكره "مركز النزاهة العامة" وهي جماعة مراقبة مستقلة· ولقد أنفقت غرفة التجارة الأمريكية لوحدها 53 مليون دولار عام 2004· وخلال الست سنوات الماضية أنفقت شركة جنرال موتورز48  مليون دولار بينما أنفقت شركة فورد41  مليون دولار· وقبل انضمامه للعمل في البيت الأبيض، عمل كبير موظفي البيت الأبيض  اندروكارد كمنظم لجماعات الضغط لدى شركات السيارات الكبرى· فإلى أي مدى كان لهذه الدفعات  والممارسات مساهمة في التجميد الفعلى لمعايير كفاءة الوقود التي لطالما كانت عاملة في الولايات المتحدة والتي ساعدت على خلق أزمة النفط الحالية ؟ وبشكل أعم، كيف استطاعت الشركات استخدام ثرواتها الهائلة للحصول على إعفاء من الضرائب وعلى عقود دون مناقصات ولي القوانين الإدارية لصالحها؟ ففي 10 نوفمبر، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تحقيقيا دقيقا في الصفحة الأولى عن كيفية  فوز صناعة النسيج بحصص نسبية في الواردات الصينية عبر الضغط المكثف، الأمر الذي  يعد مثالا على التحليل الذي ندر ظهوره في صحفنا الرائدة، ويرى تشارلز لويس المدير السابق لمركز النزاهة أن " نفوذ  صحيفة الوول ستريت جورنال في واشنطن يعد أحد أكثر المجالات سرية في ميدان  الصحافة منذ عقود"·

 

ممارسات إجرامية

 

طبعا، فالشركات تلقى تغطية شاملة في صفحات الأعمال في معظم الصحف اليومية والتي بدا حجمها بالازدياد في السبعينات والثمانينات، ويوجد اليوم قرابة الستين مراسلا لدى صحيفة نيويورك تايمز لتغطية عالم الأعمال· وتنشر صحيفة نيويورك تايمز بالإضافة إلى وول ستريت جورنال الكثير من التحقيقات التي تثير التساؤلات حول ممارسات الشركات· لكن قسم الأعمال على الأغلب موجه الى أعضاء عالم الأعمال ومعني بشكل أساسي بتزويدهم بالمعلومات التي يستطيعون استخدامها لاستثمار أموالهم وإدارة شركاتهم وفهم اتجاهات سوق  وول ستريت للأوراق المالية· ويظهر هذا التركيز الضيق من خلال تفويت صحافة الأعمال في الثمانينات لفضيحة القروض والمدخرات، وفي التسعينات،بنشر تقارير متحمسة عن الازدهار في قطاع التقنية العالية  ومن ثم مراقبة انهياره· ومن بين فئات المراسلين في فئات الشركات، كانت لدى مراسلة فورتشن، بيثاني مكلين، فقط الاستقلالية والشجاعة الكافية لإثارة التساؤلات عن التقدير المبالغ فيه  لأسهم شركة "انرون"· ولم يتم الكشف عن الممارسات الإجرامية في السنوات القليلة الماضية من قبل ليس فقط في  شركة "اكسون"  بل حتى شركات "وورلد كوم" و"تايكو"  و"ادلفيا" وغيرها من الشركات المخالفة من قبل صحافة الأعمال بل من قبل المدعين العامين ولم يحظ  مصير الشركات المعنية أو أولئك الذين دمروا بسبب أكاذيب هذه الشركات إلا بمتابعة متقطعة·

وفي حين تنموقطاعات الأعمال بشكل أكبر، تظل التغطية الصحفية للعمالة منعزلة· وبخلاف الكثير من المراسلين الذين يغطون قطاع الأعمال، يوجد فقط مراسل واحد لدى صحيفة نيويورك تايمز هو، ستيفن غرينهاوس، يعمل متفرغا للكتابة عن مواضيع العمالة وأماكن العمل· (ويغطي عدد آخر من مراسلي الصحيفة المواضيع المتعلقة بالشركات كجزء من تغطيتهم الصحفية)· ويبدو أن غرينهاوس متواجد في كل الأماكن في الوقت نفسه مقدما تقاريره عن سياسات الاتحادات والعمال ذوي الأجور المتدنية وممارسات الشركات تجاه العمالة أكثر من أي صحافي آخر في مدينة كبرى· وكان هو من لفت الانتباه إلى ظروف العمل المسيئة  في مؤسسة "وول مارت"· لكنه بالتأكيد سيستفيد من بعض المساعدة· في الوقت، الذي أعلنت فيه جنرال موتورز عزمها تخفيض الامتيازات الصحية لدى قوتها العاملة، القصة التي ظهرت على الصفحة الرئيسية لصحيفة نيويورك تايمز ليوم  واحد ولاحقا استقرت في قسم الأعمال حيث تم التعامل معها كأي قصة أعمال أخرى· ونتيجة لهذا، تغاضت الصحيفة بشكل كبير عن الآثار الاجتماعية المؤلمة التي ألقتها التخفيضات في جنرال موتورز وشركة "دلفي"  لقطع غيار السيارات وغيرها من الشركات المصنعة على الغرب الأوسط· وبشكل أعم، فإن موظفي منظماتنا الإخبارية المهمة والذين يعتبرون على قمة الطبقة الوسطى ويتلقون أجورا ممتازة يعيشون بشكل كبير على الساحلين الشرقي والغربي، وليس لديهم سوى صلات محدودة مع مناطق وسط أمريكا وعليه يقدمون تغطية متقطعة عن همومها·

وفي هذا الصيف تركت نانسي كليلاند موقعها في صحيفة لوس أنجلوس تايمز كمراسلة الصحيفة الوحيدة لتغطية شؤون العمالة عقب ست سنوات، وقامت بذلك "بسبب الاحباط" كما أخبرتني· وتقول "إن رؤساءها في الصحيفة  لم يرغبوا حقيقة بالتغطيات حول  العمالة· لقد كانوا دوما ينظرون الى العمالة من وجهة نظر إدارية ومن منظور الشركات،فكيف يمكننا التعامل مع هكذا أشخاص؟"· في 2003، كانت كليلاند واحدة من مراسلين عدة اشتركوا في تغطية ممارسات "وول مارت"  ضد العمالة لديها في ثلاثة من سلسلة محلاتها ما منح صحيفة لوس أنجلوس تايمز جائزة "بوليتزر"· واملت أن يقنع هذا رؤساءها  بقيمة تغطية أحوال العمالة،لكن لم يحدث هذا في النهاية وتقول "لا يعتبرون أنفسهم معادين لهموم الطبقة العاملة، لكن المال الذي يجنونه أكبر بكثير من جعلهم قادرين على فهم المشاكل التي تواجهها الطبقة العاملة"وتكتب كليلاند الآن عن الطلبة الذين ينسحبون قبل اتمام دراستهم الثانوية· (يقول رس ستاتون محرر الأعمال في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، أن الصحيفة قدرت فعلا عمل كليلاند كما يظهر من الكثير من مواضيعها التي احتلت الصفحة الأولى· لكن بخسارة قسم الأعمال ستة من مراسليه الثمانية والأربعين ومواجهة المزيد من التخفيضات،يكون من غير المحتمل أن يحتل مكانها أحد آخر قريبا)· وفي30  أغسطس، في اليوم نفسه الذي غمرت فيه بحيرة بونتشارترين نيواورليانز،اصدر مجلس الاحصاء السكاني تقريره السنوي عن الحالة الاقتصادية للبلاد· وبين أن معدل الفقر ارتفع الى 12,7 بالمئة في2004  من 12,5  بالمئة في السنوات الماضية· وارتفع المعدل في مدينة نيويورك التي تضم المقار الرئيسية للكثير من المنظمات الإخبارية القومية من 19 بالمئة في2003  إلى 20,3 بالمئة في2004  ما يعني أن واحدا من أصل خمسة في نيويورك يعد فقيرا· وفي أقصى غرب مانهاتن حيث أعيش أنا والكثير من محرري نيويورك تايمز، ازداد عدد من لا مأوى لهم بشكل ملحوظ، ومع هذا فنادرا ما يظهرون على صفحات الجرائد·

 

بين فقر وفقر!

 

في عام1998، أقنع جيسين دي بارل، عقب تغطيته المناظرات في واشنطن حول قانون إصلاح الإعانات في 1996 وتنفيذه الابتدائي، محرريه في نيويورك تايمز بالسماح له بالعيش جزئيا في ميلواكي ليتمكن من مراقبة المنحى التجريبي في ولاية ويسكانسون عن كثب· ومنحوه موافقتهم وساعدت تقارير دي بارل في السنة التالية على إبقاء موضوع نظام الرعاية الاجتماعية تحت أنظار الرأي العام· وفي عام2000  بدأ إجازة ليكتب فيها كتابا عن الموضوع· ولم ترشح الصحيفة أحدا خلفا له لتغطية موضوع الفقر المحلي· ولم تفعل حتى الآن· وفي وقت سابق من هذا العام، نشرت نيويورك تايمز سلسلة هامة عن الطبقات الاجتماعية، في تغطيتها اليومية للهجرة والإعانات الطبية ورعاية الأيتام اهتماما منها  بمشاكل الفقراء، لكن الحرمان الصارخ الذي يبتلى به قلب المدن يستحق اهتماما أكثر انتظاما·

وفي شهر مارس، نشرت مجلة تايم موضوعا على غلافها تحت عنوان: كيف نقضي على الفقر؟ وكان معنيا بالفقر في العالم النامي· أما فيما يخص الفقر داخل أمريكا، فلم تنشر المجلة سوى القليل القليل جدا عنه في الأشهر الثمانية الأولى من السنة قبل إعصار كاترينا· وفيما يلي بعض العناوين التي نشرتها مجلة تايم على الغلاف في تلك الفترة: "تعرفوا على التويكسترز: إنهم ببساطة لا يكبرون"، "الخمسة والعشرين انجيليا الأكثر تأثيرا في أمريكا" "الطريقة الصحيحة والخاطئة للتعامل مع الألم"،" لتعش مريم العذراء "،" الآنسة المناسبة " (أن كاولتر) " آخر حروب النجوم"،" أزمة منتصف العمر للنساء؟"،" داخل صندوق بيل المجهول الجديد "(أخر العاب الفيديو التي أصدرها بيل غيتس) " تخلص من الإطار الاحتياطي" (نصائح لتقليل الوزن )،" عمر 13"،" اللاتينيون الخمسة والعشرون الأكثر تأثيراً في أمريكا" ،" قانون طبقة الهب هوب"،" و"كيف تمنع الذبحة الصدرية"·

ويضع محررو المجلة طاقة خاصة في غلاف الثامن عشر من أبريل كونه الغلاف المئوي لمجلة تايم  ويحيي هذا الحدث السنوي "الأشخاص المئة الأكثر تأثيرا في العالم" بما فيهم لاعب كرة السلة ليبرون جيمز ومغنية الكنتري ميليسا اثريدج وصانع الأفلام كوينتين تارانتينووآن كاولتر (مجددا)، والصحافي مالكولم غلادويل والمؤلف الإنجيلي الأكثر مبيعا ريك وارن· وجندت تايم مشاهير إضافيين لكتابة لمحات مختصرة عن بعض المختارين من ضمن المئة· فقد كتب توم بروكاوعن جون ستوارت وبونوعن جيفري ساكس ودونالد ترامب عن مارثا ستوارت وهنري كيسنجر عن كوندوليزا رايس (قائلا إنها تتعامل مع التحديات التي تواجهها بحزم وإيمان راسخ وتتمتع بقدر غير مسبوق تقريبا من السلطة)· وفي احتفالها، دعت المجلة النافذين ومن كتبوا عنهم الى احتفال رسمي في مركز لينكولن في مبنى تايم وورنر·

ولقد أخبرني أحد موظفي القسم الاقتصادي  في المجلة أن العدد المئة مهم جدا بسبب كمية الإعلانات التي يجلبها· ففي عام 2004  على سبيل المثال، عندما امتدحت المجلة مديرة شركة هيولت باكارد، كارلي فايورينا، اشترت شركتها مساحة صفحتين في العدد· ولأن الشركة الأم لمجلة تايم،" تايم وورنر"، تفرض ضغوطا فصلية على الأرباح لإرضاء "وول ستريت"، فإن الضغط يبقى هائلا لرفض مثل هؤلاء من جاني الأموال· وعلى النقيض، لا تدر الكتابة عن الأمهات داخل المدن، أي إعلانات، وعليه يبدو أن المجلة لن تغير تغطيتها بأي طريقة·

 

*المصدر: London Review Of Books

يتبع

طباعة