
حسين عجيب
جريدة الحياة طرحت العام الماضي هذا السؤال: لماذا لا يوجد عندنا أدب بوليسي؟ هذه السنة جريدة النهار طرحت السؤال: لماذا لا يوجد في العربية أدب خيال علمي؟· حرية السؤال مطلقة·
وعليها تتأسس الحرية الفكرية في الكتابة والأسئلة الجديدة والاجتهادات، و حتّى الحق الطبيعي في الخطأ لا يخرج عن نطاق حرية التفكير والتعبير إلا بممارسة العنف الصريح أو الحضّ والتحريض عليه·
لماذا لا يوجد في العربية أدب بوليسي وخيال علمي، سؤال مترف، من نسق الأسئلة المشروعة: لماذا لا يوجد عندنا إعلام حرّ وقضاء مستقل,.. وحتى علماء ذرّة، أسئلة مشروعة بداية، لكنها تحدد أفق ومدى الأجوبة والاشتغال عليها، لماذا تطورت اليابان وتأخرت مصر وتركيا وباقي دول وشعوب المنطقة؟ لا يزال هذا السؤال من دون إجابات مؤثّرة، مع مرور أكثر من قرن على طرحه من مختلف الشخصيات والمواقف الفكرية العربية·
ومع تعدد الإجابات وتفرعاتها المختلفة، فمن القائلين بالعدو الخارجي والأطماع الاستعمارية، إلى عشاق التصنيع ودعاته، مرورا بالدعوات الأخلاقية، وما رافقها وتخللها من انقلابات عسكرية، وتحولات جذرية في بعض نظم الحكم، بقيت المجتمعات العربية على انتماءاتها المسبقة، الطائفة والدين والعرق أولا، وتتكرر اليوم التصنيفات الجاهزة نفسها: أصحاب الأفكار المستوردة ويضاف إليها الاستقواء بالأجنبي، ونقيضها العودة إلى الأصول والأصوليات المختلفة، و ومحاولات التوفيق أو التلفيق بينهما· لا أريد التقليل من أهمية الكثير من الاجتهادات والأفكار التي كتبت وقيلت في الموضوع، لكن سؤال الجدوى والنتيجة أو المردود، مشروع بدوره كذلك، وهو ما يبرر مساءلة الأسئلة نفسها، وأعتقد أن الحوار فقط يمكن أن يضيء خلل الأسئلة، ويفتح إمكانية الإجابات أو الحلول المناسبة أو الممكنة· بكل الأحوال هي اجتهادات سلمية تعتمد الحوار·
لماذا يقابل علم النفس بالنفور والإهمال، وبأحسن الأحوال بالتشكك والحذر في الصحافة والإعلام العربيين؟ وحتى في الأدب والنقد لا يزال الاهتمام بالمجال النفسي آخر الأولويات، مع أن علم النفس نشأ أساسا من الفلسفة والأدب معا، ومراجعه الأساسية في الشعر والمسرح والرواية بعد الأسطورة؟
هل توجد علاقة بين الأدب البوليسي وروايات الخيال العلمي وعلم النفس؟
اخترت علم النفس لأنه من أحدث العلوم وأكثرها قربا من الأدب، وفي رأيي الشخصي يتعذر الفصل بين علم النفس والأدب، ماذا نقول عن ديستويفسكي أو شكسبير أو سوفوكليس أو سقراط وبوذا ونيتشه···· كأمثلة في الأدب العالمي أو المعري والنفّري بالعربية وأقربهم رالف رزق الله وإلى حدّ ما أنسي الحاج خصوصا في خواتم؟
سؤال الأدب يعيدنا إلى علاقة المبدع الفرد بالسلطة وبالمجتمع وبثقافته الأم، كما يعيدنا إلى علاقته بالوعي والمعرفة، وعلاقته بالمكبوت أساسا، أكثر ميادين علم النفس غموضا وتشويقا أو على النقيض أكثرها رهبة ومكروهيّة·
يبقى السؤال والتساؤل القاسي، أليس في السؤال عمّا لا يوجد، إهمال للموجود بالدرجة الأولى؟ وقد يمكن إدراجه ضمن الأسئلة الوهمية أو المتعالية، والتي تستدعي بالدرجة الأولى إجابات سطحية وإنشائية، نصيبها من الملل والثرثرة أكثر من المتعة والمعرفة؟
القانون والقضاء مرجع أساسي للأدب البوليسي، إلى الحادثة والأدلّة والمنطق يحتكم المحقق(الشخصية الأساسية في الأدب البوليسي أو قرينها اللصّ الظريف أو الوقح)، وفي الطرف الثاني للمعادلة القارئ أو المستهلك واحتياجاته، وحدّ أدنى من الإقناع في الحكاية البوليسية· وكل ذلك يحدث في دولة المؤسسات·
العلم مرجع أساسي لأدب الخيال العلمي، في ثقافة ومجتمعات وعقل جمعي، كلّها ما قبل علمية، يضاف إلى ذلك حياة بمجملها خارج المنطق والمعقوليّة، يغدو السؤال عن عدم وجود هذا الصنف من الأدب يشبه إلى حدّ كبير السؤال عن عدم استخدام مجتمع ما للطائرة كوسيلة نقل، قبل وجود الطائرة ذاتها·
تلك الأسئلة وغيرها تستدعي السؤال الأكثر إلحاحا، عن علاقة الإعلام العربي بالمعرفة، كما تمارسها منابر ومؤسسات تتصف سياستها بالليبرالية، كجريدتي الحياة والنهار···، ماذا يتبقّى من كلام حول الإعلام الرسمي وملحقاته···؟!
أسئلة كثيرة تستدعي الشجن···، وحتى اليأس واللاجدوى·