درويش ضرورة.. وأغنية
نشمي مهنا
(1)
لكأن حاجتنا الى خلق رمز في حياتنا تظل دائمة، أيا كان زماننا، وأيا كانت الحياة· نصنعه، ننفخ فيه الروح، يكبر ظله في عيوننا، فنصدّق ويصدّق وهم قداسته·
هذا ما أورثنا إياه أجداد مولعون بالمنقذ والمنجي والبطل والأسطورة·
ذلك في الفن، وفي السياسة، والمرويات الشعبية، وهوامش الأديان، والثقافة والأدب، وبكل ما يحتمل التأليف والتأويل·
وفي الشعر أيضا، أنقى فنون الكتابة، الذي تتيح ضبابيته مرور أطياف المقدس، لكنها لا تطيل من عمر القداسة·
(2)
يخطر لي دائما أن أي شاعر/ أسطورة يهيئنا لولادته الزمن، لا قصيدته· أي أنه منتظَر بكل الأحوال· والأنظار - جميعها - شاخصة الى باب قدومه، إما لخراب شعري يُؤمل أن يصلحه، أو للحظة تاريخية تحمل من الإرهاصات النفسية الكثير، والبعيد عن الشعري نفسه·
عد الى ذاكرة الشعر، تجد شعراء مبدعين (حقا) لكن خراب ماضي من سبقهم أطال قاماتهم الشعرية أكثر مما هي عليه، أو، انقطاع مجدب لم يأتِ بعدهم بجديد·
(3)
ودرويش شاعر عصرنا، الأبرز، و"المفضل"، غير بعيد عن سحر الهالة· وما فيض الحب الذي نغمره به دائما - ويشتكي منه أحيانا - إلا محاولة أسطرة، ستقتله مرتين· مرة بقتل قصيدته حينما تتنازل عن شفافيتها لتتوضّح، وعن همسها لتُسمع، وعن سماواتها لتلامس أكف الجماهير· خصوصا أن شاعرنا أدمن جماهيره لعقود طويلة، فاعتاد واعتادت مخيلته رسم وجوههم على ورقته البيضاء كرقيب، وكلما حاول التخلص، وأعلن القطيعة، ينتهي به مطافه الشعري على منصة في إستاد مدينة رياضية!
ومقتله الآخر: حينما تنساه الذاكرة الشعبية بعد حين، لأن صديق الجميع لا صديق له، كما يقال· ولأن من يعوّل على تلك الذاكرة لتحفظه، ويفضلها على دفتي كتاب، حتما سيُنسى· ولأن، أخيرا، جماهيره - في حقيقتها - طاغية، فلا هي تركته لقصيدته، ولا هي ستطيل الوفاء·
كل شاعر هو ناقد شرس وصريح لما يكتب، إلا من تورم به هوى مريض، ودرويش من الأصحاء المعافين واللامعين فطنة وإبداعا· يخيّل الي أنه بعد كل نزول من منصة أن الشاعر فيه يحس بالنزول· وبعد كل عودة الى غرفة الذات يتمنى لو أنه قرئ ولم يُسمع·
(4)
شعر درويش بالنسبة لي شخصيا طيف ضوئي ملوّن يدق بوابات القلب، ويدخل أحيانا، ويكتفي بذلك· لا ينفذ الى غرف ذهنية ولا يمر بدهاليزها العمياء التي لا تضيء إلا لقدوم الفكرة الأعمق، ولا تبتهج إلا لحلحلة العقد الشعرية، فتحتفظ بأثر العابر المغامر·
هو محطة جميلة ولا زال، يتجاوز النزارية - بالتأكيد - وإن شابهها في سلطة التأثير وفي ترك بصمات لعبارة ولغة شعرية خاصة· وهو المفضل لكنه ليس الأفضل، ولا الدائم، لأن الأفضل دائما هو·· قصيدة، يكتبها ألف شاعر·
أعرف كيف أحبه، وأعرف أن الحب الفطري الغامر الذي أسطره، جاءت به حاجتنا أن نرى بطل قضية، وشاعرا نحمّله عبئا فلسطينيا· حمّلناه ذلك بحب شعبي بسيط، وحمّلته الآلة الإعلامية الرسمية بهدف، فحمل برضا وامتنان·
هل نقول هو حالة ضرورة، مثل حاجتنا لسياسي قائد (عرفات) يرعى بأبوته ثورة يتيمة، فدعتنا الحاجة الملحة الى أن نغفر له الخطايا ونمرر الهفوات؟!
هل يرضي غرور الشاعر الحقيقي أن تتزاحم الجماهير على قصائده في عواصمنا العربية، كما الظاهرة أو التظاهرة في فوضاها؟!
من يرضى·· يدين قصيدته، ويعترف (لنفسه أولا) أنها تمس شعورا جمعيا ووجدانا عاما يوصلها الى قلب المتلقي، لا أبعد من ذلك ولا أعمق·
أغنية وطنية لمرسيل خليفة بإمكانها أن تفعل ذلك بجدارة!
(5)
بعض أجدادنا الجاهليين كانوا خبثاء· ينحتون آلهتهم من التمرة (بأيديهم)، فإن جاعوا أكلوها·
فلنرث منهم نزواتهم هذه فقط، في أكل المقدس·
nashmi22@hotmail.com