رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22 صفر 1427هـ - 22 مارس 2006
العدد 1720

حرب العراق بعد ثلاث سنوات:
"مارش الحماقة" الذي قاد الى حمام دم!

                        

 

روبرت فيسك *

إنه "مارش (استعراض) الحماقة"، في العام 1914، كان فيه البريطانيون والفرنسيون والألمان، رغم أنهم كان من المفترض وجودهم في الوطن في عيدالميلاد، وفي التاسع من أبريل 2003، العريف ديفيد بريز من الكتيبة الثالثة، فرقة المارينز الأمريكية الرابعة، وكان أول أمريكي يدخل بغداد، استعار هاتفي المربوط بالأقمار الصناعية ليهاتف بيته في ميتشغان: "مرحباً أيها الفتيان، أنا في بغداد" وأضاف متحدثا إلى أمه: "إنني أتصل لأقول مرحباً·· أحبك· أؤدي واجبي بامتياز· أحبكم أيها الفتيان، ستنتهي الحرب خلال بضعة أيام، وسأراكم قريباً"·

كانوا غلاظا هؤلاء المارينز، رجال ضخام يلطخ الوحل وجوههم، وفي عيونهم ضراوة، لقد قاتلوا طيلة أيام بلا نوم، إلا أنهم كانوا أيضاً في الرحلة المتوحدة نفسها، رحلة اليأس التي بدأها المشاة الإنجليز والفرنسيون والبافاريون قبل قرن تقريباً·

هل السبب هو أنه لم يعد لدينا قادة جربوا الحرب مباشرة؟ حين نشأت كان تشرشل وماكميلان رؤساء وزارة، رجلان خاضا الحرب العالمية الأولى، وقادانا خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت "إيدن" في وزارة الحرب مع تشرشل، وكان قذائف الألمان قد جرحت "تيتو" في يوغوسلافيا، وقاد جاك كينيدي زورق طوربيد في المحيط الهادي وحارب "ديغول" في الحرب العظمى، وساهم في ما بعد في تحرير فرنسا من النازية، ولكن "بلير" مهما كان من شأن ادعائه بأنه صديق للرب، لا يمتلك مثل هذه الصفة، ولا يمتلكها "بوش"، الذي تهرب من حرب فيتنام، ولا "تشيني" الذي تهرب أيضا من حرب فيتنام، ولا "جوردون براون" ولا "كونداليسا رايس" أو "جون هاورد" الأسترالي، "كولن باول" كان في فيتنام، إلا أنه اختفى على إثر أدائه المخزي في فبراير 2003 حول أسلحة الدمار الشامل·

بدلا من هذا، ارتدى الرجال الصغار ملابس العمالقة الموتى· واعتقد "بوش" و"بلير" أنهما "روزفلت" وتشرشل· لقد تباهيا بنفسيهما جنبا الى جنب مع "إيزنار" الإسباني، بوصفهما الثلاثة الكبار: تشرشل وروزفلت وستالين، رغم أنني لم اكتشف أبداً أي واحد منهم كان من المفترض أن يلعب دور السفاح السوفييتي، وهم يتآمرون في جزر "الآزور" لشن الحرب· لقد زعموا بأن صدام كان هتلر بغداد· وصديقي القديم المسيحاني، توم فريدمان، كاتب العمود في نيويورك تايمز، هو الذي أمسك بالوصف الصحيح حين وصف صدام كنصف من الشخصية الكارتونية "دونالداك"، ونصف من زعيم المافيا "دون كورليوني" (بطل فيلم "العراب")، ولكن هذا الوصف لم يكن من نوع الواقعية التي تهم بوش أو بلير·

لقد كانا رجلي الحل السريع، رجال دولة فوريين، الفتيان اللذان يتاجران بالحرب، ماذا عن ما بعد الحرب وإعادة البناء؟ انس الأمر فالعراقيون سيقومون بما نطلب منهم بعد أن يرحبوا بنا بالورود والأغاني· في عهده شكل ونستون تشرشل لجنة وزارية بريطانية لتنظم إدارة ألمانيا المحتلة بعد الحرب في العام 1941، أي قبل أربع سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي وقت كنا مانزال نتوقع فيه غزو الدبابات الألمانية بريطانيا، مقلدو تشرشل المحتالون لم يزعجوا أنفسهم بتشكيل لجنة مثل هذه حتى قبل أيام من غزوهم للعراق·

لأن هذه كان يجب أن تكون حربا إيديولوجية، فهي منذ أن خلقها معتوهو اليمين الأمريكي (كسياسة مساندة لإسرائيل من أجل مساعدة زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو) ثم دسها في ذهن بوش، وصولا الى الكارثة الجهنمية التي يمثلها العراق الآن، كان يجب تحويل الحرب الحقيقية الى أسطورة، والكوابيس إلى أحلام، والدمار إلى أمل، والحقائق المرعبة الى أكاذيب لا قرار لها·

وحتى اليوم فإن قوى الاحتلال مازالت تبث أكاذيب مهولة، الديمقراطية تترسخ في حين لا تسيطر الحكومة "العراقية" إلا على بضعة هكتارات من بغداد، المنطقة الخضراء· وسيسحق التمرد حين ينضج 40 ألف عراقي مسلح ويتحولون الى الجيش الأعظم على الأرض، الحرية تترسخ، في وقت يموت فيه آلاف العراقيين كل شهر، و"عملية المجتاح" من المفترض الآن أنها تستهدف أولئك الذين يريدون إشعال حرب أهلية في العراق· ولكن بعضا من هؤلاء الذين يحرضون على حرب أهلية يعملون لحساب وزارة الداخلية العراقية· ونحن من يدفع أجورهم في المطاف النهائي·

بحثا عن الحقيقة علينا أن نلتفت الى محلل شهير حذرنا من أن البريطانيين في العراق "تم اقتيادهم الى مصيدة سيكون من الصعب الهرب منها بكرامة وشرف· لقد تم الاحتيال عليهم وزجهم فيها بوساطة معلومات مدبرة· والبيانات العسكرية التي تصدر من بغداد متأخرة وغير نزيهة وناقصة· إن الأشياء أسوأ بكثير مما قيل لنا· وحكومتنا أكثر غباء وانعدام كفاءة مما يتصور الجمهور··· واليوم نحن لسنا بعيدين كثيرا عن يوم حصول كارثة"· هذا التحليل من أكثر التحليلات إيجازا ودقة بين التحليلات التي قرأت عن حماقتنا الراهنة·

لقد كتب هذا التحليل عن الاحتلال البريطاني للعراق في العام 1920 "لورنس الجزيرة العربية" أو (لورنس العرب كما هو شائع)· وفي ليالي العام 2003 الطويلة، حين كانت مخاطر كل نهار تحت القصف الأمريكي يحل محلها الأرق على صوت الانفجارات في بغداد ليلا، كنت اتكور في فراشي وأتصفح النبوءات بهذه الحماقة الراهنة·

وفي تلك الليالي قرأت نبوءة مخيفة للمبشر الداعية "بات بوكانان" كتبها قبل خمسة أشهر من غزونا اللاشرعي للعراق: "هذا الغزو لن يكون الرقصة الزنجية التي يتوقعها المحافظون الجدد· وتبدو الهجمات الإرهابية في عراق محرر مؤكدة كما هي مؤكدة في أفغانستان محررة· لأنه بالنسبة لرجل ميليشيا شعبية، لن يقبل الإسلام أبداً أن يملي عليه جورج بوش مصير العالم الإسلامي·· "السلام الأمريكي" يصل ذروته، ثم يبدأ انحسار المد، لأن المسعى الواحد الذي تتفوق فيه الشعوب الإسلامية هو طرد القوى الإمبريالية بالإرهاب وحرب العصابات" وكانت هناك سوابق كئيبة، فقد أزاح المسلمون البريطانيين من فلسطين وعدن، والفرنسيين من الجزائر، والروس من أفغانستان، والأمريكيين من الصومال، وطردت بيروت الإسرائيليين من لبنان، لقد بدأنا، كما كتب "بوكانان" "طريقنا نحو بناء الإمبراطورية صاعدين، ولكن فوق التل التالي سنلتقي بأولئك الذين ذهبوا الى هناك قبلنا"·

وفي كل الأحوال لن يكون علينا احتساب الجثث· ما الذي قاله لنا "بوش" قبل بضعة أسابيع؟ ثلاثون ألف عراقي قتلوا منذ الغزو، تلك هي كلماته ذاتها التي كانت تعبيرا عنصريا، لأن ماقاله بالفعل هو "30 ألفا تقريبا"· هذه التقريبات تسقط أو تضيف بضع مئات·

فهل سيجرؤ على القول بأن "الإصابات الأمريكية بين جنوده كانت "2000 تقريبا"؟ لا·· بالطبع· فأمواتنا ثمينون، إنهم أشخاص لهم أرامل وأطفال، أما العراقيون؟ طيب، فهم كائنات أقل لا يمكن أن تكشف إصاباتهم لنا من قبل وزارة الصحة العراقية، بأوامر من الأمريكيين والبريطانيين إنهم مخلوقات، يجب أن تغرق معاناتها وهي أعظم بكثير من معاناتنا، في الديمقراطية، والحرية التي نغرقهم بها· مخلوقات إصاباتها "تقريبا" من المحتمل أن تصل الى 150 ألفا· قبل كل شيء، إذا مات ألف عراقي بوساطة العنف في يوليو الماضي، في بغداد وحدها، وإذا تم قتلهم على دفعات،60 أو 70 يوميا، فالنتيجة هي أن أيدينا ملطخة بحمام دم من حمامات الإبادة، ولكن العراقيين هم الآن، وبصراحة، بالنسبة لنا "عرق أدنى" لا يهمنا أمرهم الى حد كبير·

هل هي حرب أهلية؟ ليس هناك حرب أهلية أبدا· إنه مجتمع قبلي وليس طائفيا، بعض المنظمات تريدها حربا أهلية، والغريب أن ناطقا باسم قوات الاحتلال كان هو أول من حذر من حرب أهلية في العراق في مؤتمر صحفي أمريكي - بريطاني مشترك في العام 2003 لماذا؟ نحن نتحدث عن حرب أهلية أكثر مما يتحدث عنها العراقيون· لماذا؟ يقال لنا تكرارا ومراراً إن العراقيين والغربيين يختطفهم "رجال يرتدون ملابس الشرطة" أو "رجال يرتدون ملابس الجيش"·

ما هذا الهراء؟ هل علينا أن نصدق فعلا أن هناك مخزنا في الفلوجة يحتوي على 8 آلاف زي شرطة مفصل على المقاس للمتمردين المحتملين؟ لا·· الحقيقة أن الكثير من رجال الشرطة والجنود العراقيين، الذين يعتمد على شجاعتهم وولائهم انسحابنا، هم أنفسهم متمردون، فلقد تغلغلت القوى الإسلامية - القومية عميقا بين هؤلاء الى درجة أن وعود بوش - بلير بالانسحاب تناقض الحقيقة تماما، نحن لنا قرارنا، وربما أقنعنا أشباحنا السابقين، مثل "رئيس الوزراء الموقت السابق" إياد علاوي، الذي زعم أمس بخضوع وطاعة، أن هناك حربا أهلية قائمة"، بأن يحاول إخافة العراقيين· الحقيقة هي أن وجودنا العسكري في العراق يدمر الشعب كله·

إذن، فنحن آخذين بالانحدار على السلم المتداعي، دعونا ننسى أسلحة الدمار الشامل، إنذار 45 دقيقة بالهجوم، العلاقات بين صدام و11 سبتمبر 2001، الملفات والأكاذيب، وأعمال التعذيب نعم التعذيب التي مارسناها في أبو غريب وساحل غوانتانامو، والهوة المتسعة اتساعا متواصلا بين حماقة بلير والحقيقة، فقد أخبرنا بوش بالأمس بأن "تضحيات أكثر ستكون مطلوبة" ويمكنك أن تراهن أن هذا ما سيكون إذا واصلنا السير في مارش الحماقة هذا·

 * الاندبندنت -20 مارس 2006

طباعة