· فانيساردغريف: أبشع أنواع المصادرة والمنع
· روبرت فسك: من يضع حدا لهذه المكارثية الإسرائيلية الدولية؟
كانت الشابة الأمريكية "راكيل كوري" في الثالثة والعشرين من عمرها حين سحقتها حتى الموت جرافة عسكرية إسرائيلية في 16مارس 2003·
آنذاك كانت "راكيل" تحاول مع آخرين حماية بيت فلسطيني من الهدم في رفح في قطاع غزة· "الآن ركمان" و"كاثرين فاينر" من مسرح البلاط الملكي اللندني، اتخذا من دفتر يوميات راكيل ورسائلها الإلكترونية مادة لعرض مسرحي تؤديه ممثلة واحدة حمل اسم "اسمي راكيل كوري"، وقدم العرض في 11 أكتوبر 2005، وكان من المتفق أن تتولى ورشة مسرح نيويورك تقديم هذا الإنتاج في 22 مارس الحالي ليرى الأمريكيون ويسمعوا هذه المواطنة الأمريكية النبيلة التي تصدت بجسدها عزلاء من كل سلاح سوى ضميرها الإنساني للجرائم الصهيونية في فلسطين· ولكن المسرح اللندني فوجيء بإعلان مدير ورشة نيويورك "جيمس نيكولا" عن "تأجيل" العرض الى "أجل غير مسمى" أو إلغائه بالأحرى في اللحظة الأخيرة·
وأثار هذا الإعلان موجة احتجاج واسعة في أوساط الفنانين والصحفيين، وتساءلت "آن بيتر" و"جين مارلو" من نيويورك: "لماذا يخشى بعض الناس سماع كلمات راكيل كوري" في سياق حملة عالمية واسعة من أجل إسماع العالم ماكتبته وقالته كوري خلال أيا مها في غزة· وكتبت "كاثرين فايتر" في الجارديان (1 مارس 2006) مقالا احتجاجيا· فيما يلي البيان الذي أصدرته الممثلة البريطانية الكبيرة "فانيسا ردغريف" ومقالة للصحافي البارز "روبرت فسك" ظهرت في الاندبندنت (11 مارس 2006)·
(1)
إنني أحث مسرح البلاط الملكي على مقاضاة ورشة مسرح نيويورك بسبب إلغائه إنتاج مسرحية "اسمي راكيل كوري" ليس لأنني تبرعت ماليا من أجل إنتاج هذا العمل، الذي أطلق له مسرح البلاط حملة جمع تبرعات هدفها الوصول الى 50,000 جنيه إسترليني، ضمنها "الان ركمان" بل لأن هذا المنع من أسوأ الأنواع، بل هو أكثر هولا من هذا· إنه وضع لفتاة ميتة ويومياتها على القائمة السوداء· فتاة شجاعة حتى أبعد الحدود واستثنائية على كل مواطن مهما كانت جنسيته أو عقيدته أن يفخر بها، ويكون ممتنا لها· لم يستطيعوا إخراس صوتها حين كانت على قيد الحياة، ولهذا قتلوها· لقد بدأ صوتها يعلو مرة أخرى حين قرأ يومياتها "الان ركمان" ومثلت "ميجان دودس" شخصية راكيل كوري، وها هي ورشة مسرح نيويورك تخرس ذلك الصوت الغالي·
إنني لن أنسى أبدا المشهد الخاطف لراكيل في العاشرة من عمرها، عند انتهاء العرض، وهي تظهر في فيلم عائلي قصير متحدثة عن الجوع في العالم والحاجة الملحة لوضع حد للبؤس· أعتقد أنه تمت استشارة المحامين بشأن كلمة "تأجيل"، إلا أننا في المسرح نعرف ما يعنيه إلغاء إنتاج عمل، بغض النظر عن الكلمات المستخدمة، فهو يعنيه أن تفقد ميجان دودس وفرقة مسرحية عملها، ويفقد مسرح البلاط الملكي إنتاجا قبل عرضه في مدينة نيويورك بأسابيع قليلة، بعد أن قام بإنتاج "راكيل كوري" مع ورشة مسرح نيويورك، ودفع الكثير من المال (100 ألف دولار)·
إنني آمل أن يعلن كل فناني المسرح، من كتاب ومصممين وممثلين ومخرجين ومنتجين مستقلين ووكلاء فنانين، احتجاجهم أمام الرأي العام، ومباشرة أيضا لدى إدارة ورشة مسرح نيويورك، وآمل أن يطالب الممثلون الأمريكيون ذوو الضمائر الحية أن يتحركوا ويساندوا "إيلي دوجسون" مديرة مسرح البلاط الملكي، ومخرجه الان ركمان والممثلة ميجان دودس·
إن هذا الإلغاء إذا لم يعوض بإنتاج جديد في مكان ما في نيويورك فوراً، فسنكون جميعا شركاء في كارثة لا يجب أن نسمح بحدوثها·
هذه المسرحية ليس موضوعها اتخاذ مواقف بل موضوعها حماية الكائنات الإنسانية، وفي الحالة التي تعرضها المسرحية هي الكائنات الإنسانية الفلسطينية التي لا تمتلك حماية لعائلاتها أو بيوتها أو شوارعها· لقد وهبت راكيل كوري حياتها في سبيل حماية عائلة، ولم تمتلك أو تستخدم بندقية أو قنبلة· امتلكت شعورها الإنساني الغامر وقدمته لحماية الحياة·
فانيسا ردغريف - 6 مارس 2006 Counter Punch
(2)
عليكم أن تقاتلوا، هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي أستطيع الوصول إليه وأنا أرى مجددا التآكل لحريتنا في مناقشة قضايا الشرق الأوسط· والمثال القريب العهد، والأكثر إثارة للخزي، هو قرار ورشة مسرح نيويورك الجبان بإلغاء العرض الرائع "اسمي راكيل كوري" من إنتاج مسرح البلاط الملكي اللندني· هذا العرض هو قصة الشابة الأمريكية التي ذهبت الى غزة لحماية الفلسطينيين الأبرياء، بكلماتها ورسائلها، الشابة التي وقفت في مواجهة جرافة إسرائيلية في محاولة لمنع سائقها من تدمير بيت فلسطيني، فمرت الجرافة على جسدها، ثم عادت الى الوراء وسحقتها للمرة الثانية· وسمع صوتها يقول قبل أن تلفظ أنفاسها "ظهري يتكسر" لم تحظ "راكيل" كبطلة أمريكية بأي كعكة تشريف من حكومة بوش التي تثير الضجيج كل بضع دقائق في تمجيد الشجاعة والتحرر من الاضطهاد· لقد كانت شجاعة راكيل في نظر هذه الحكومة الشجاعة الخطأ، وكانت تدافع عن حرية الشعب الخطأ· ولكن حين قرأت بأن "جيمس نيكولا" "المدير الفني" لورشة مسرح نيويورك وأضع مهنته بين مزدوجين حيث (يجب أن يوضع فعلا) قرر "تأجيل" العرض المسرحي الى "أجل غير مسمى" لأننا (واحبس أنفاسك أيها القارىء) "خلال تخطيطنا لعرض هذاالعمل والاستماع لما يدور من حديث في أوساطنا في نيويورك، ما سمعناه هو أنه بعد مرض "أرييل شارون" وانتخاب حماس·· أصبحنا في وضع بالغ الحرج" لم أعرف ما إذا كان عليّ أن أضحك أو أبكي·
إذن دعونا نواجه هذا السخف· في "استراليا"، يمر رفيقي القديم، "انتوني لوفنشتاين"، وهو صحافي وأكاديمي، بوقت رديء يماثل هذا، فقد انتهى من وضع كتاب نقدي حول النزاع الفلسطيني الإسرائيلي لدار نشر جامعة ملبورن، وتحاول الأوساط اليهودية في أستراليا مصادرة وجوده قبل أن ينشر في شهر أغسطس القادم، وفي السنة الماضية كتب عضو البرلمان البريطاني "ميشيل دانباي"، والذي هو يهودي مثل "لوفنشتاين" رسالة إلى صحيفة الأخبار اليهودية الأسترالية يقول فيها إن "على ناشري كتاب "لوفنشتاين" "إلغاء هذا المشروع الذي يثير الغثيان كليا" وقال إن الكتاب سيكون "هجوما على الطائفة الأسترالية اليهودية كلها"·
وفي الأيام الراهنة، يشن مجلس المندوبين اليهود في نيوساوث ويليز هجوما على "لوفنشتاين" ويبذل جهودا من أجل حرمانه من منصبه في مجلس مديري مركز دراسات الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا التابع لجامعة ماكواري·
هل هي إحدى الحيل التي تمارس نيابة عن إسرائيل؟ للأسف لا ليست مجرد حيلة·· فقد وصلتني رسالة في الأسبوع الماضي من "بربارة غولدشايدر" الأمريكية - الإسرائيلية التي نشرت روايتها المعنونة: "النكبة: الكارثة: النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي" توا وأخبرتني أنها هوجمت لمجرد أنها اختارت عنوانا عربيا لروايتها حول النزاع، وقالت أن صهرها قطع علاقته بها حتى قبل أن يقرأ الكتاب، وأنها تلقت مكالمة هاتفية من أحد أعضاء طائفتها اليهودية الأرثوذكسية في "ماين" صارخاً: "ألا تعرفين أن العرب يريدون تدمير إسرائيل؟"·
وألغي حديث حول روايتها الجديدة كان مقرراً في الشهر الماضي في كنيس محافظ، إثر "الهياج حول روايتي" كما قالت· وكتب لها بروفيسور من بوسطن ناصحا يقول "إن هنا حملة ضارية عليك هناك، فلا تنهاري"·
ولكن ماذا تفعل حين ينهار ويستسلم ناشر كتاب، أو "مدير فني"؟ لقد اختبرت هذا الأمر بنفسي منذ وقت ليس بعيدا حين طلبت مني جمعية التاريخ العسكري الإيرلندية إذنا لإعادة نشر ورقة نشرتها منذ سنوات حول معركة بين الكتيبة الإيرلندية التابعة للقوات الدولية في جنوبي لبنان وبين الميليشيات اللبنانية العميلة والمتوحشة المسماة "جيش لبنان الجنوبي" الذي كان قائده المريض نفسيا ضابطا لبنانيا يدعى "سعد حداد"·
في تلك الورقة أشرت إلى أن ضابطا إسرائيليا يدعى "حاييم" ابتز سكان قرية حارس اللبنانيين ماليا، وأعطى اسما رمزيا لعميل إسرائيلي يدعى "أبو شوقي" وأنه كان حاضرا لدى قتل جنديين إيرلنديين، وكنت نشرت هذه التفاصيل عدة مرات، في صحيفتي وفي كتابي السابق عن الحرب اللبنانية، ومات الضابط سعد حداد بالسرطان قبل أكثر من عشر سنوات· وكنت قد التقيت فعليا بحاييم في أوائل الثمانينات لدى خروجه من اجتماع مع عمدة قرية حارس بعد أن طلب منه أموالا ليدفعها الى رجال الميليشيا، وكانت الأمم المتحدة شاهدة أيضا وسجلت تهديداته، وحاول "أبو شوقي" الذي أرادت الشرطة الإيرلندية الالتقاء به، اعتقالي لاحقا في صور، ثم أطلق سراحي فورا حين أخبرته أنني عرفت أنه كان شاهدا على مقتل الجنود الإيرلنديين·
إذن ماذا كان يفترض بي أن أفعل حين تسلمت الرسالة التالية من الجنرال الإيرلندي المتقاعد باترك بورسيل؟: "لقد أجبرنا لسوء الحظ على سحب مقالتك في ضوء رسالة من ناشرنا (المطبعة الأكاديمية الإيرلنديةّ)· لقد اتضح بناءعلى العقد أن جمعيتنا ستكون متهمة بالتشهير والقذف" وتضمنت رسالة الناشر فرانك كاس المرفقة "تحذير" محاميه له لأنني وصفت حداد بـ "المريض نفسيا" وأوردت اسم الضابط الإسرائيلي المبتز، والعميل الإسرائيلي الذي شهد مقتل الجنديين·
لقد كان أمرا طريفا أن يعتقد محامي السيد كاس أن من الممكن التشهير برجل (سعد حداد) المتوفى قبل عقد من الزمن، بل ويمضي إلى أبعد، فيتصور أن نشر اسم عسكري رمزي سيدفع هذا الوغد الى الكشف عن هويته الحقيقية في قاعة محكمة· أما بالنسبة للضابط حاييم، فهو يبقى في ملفات الأمم المتحدة بوصفه ذاك الذي حاول، بل ونجح كما يبدو، في إكراه الناس في جنوبي لبنان على دفع أجور مضطهديهم·
وما هو مغزى كل هذا؟ من الواضح أن لايجب عليك أن تساهم بمقالات في منشورات جمعية التاريخ العسكري الإيرلندية، ولكن الأكثر أهمية في هذه القضية، هو أن أذكر ما كتبته في هذه الصحيفة قبل ست سنوات، وقلت فيه "لقد وصلت التهديدات الصريحة بالأذى إلى درجة أنها أصبحت موجهة إلى أي شخص·· يتجرأ على انتقاد إسرائيل··· وتتصاعد بسرعة لتصل إلى·
مستوى الحملة المكارثيةü في زمنها·· إن محاولة إكراه وسائط الإعلام على الخضوع للقواعد الإسرائيلية أصبحت دولية"، وعليّ أن أضيف الآن أنها تتصاعد وتكبر·
روبرت فسك - الاندبندنت، 11 مارس 2006
* المكارثية: نسبة الى السيناتور الأمريكي مكارثي، وهي حملة اضطهاد وأسوأ ما قامت به الحكومة الأمريكية ضد كل فكرمعارض لسياستها في الولايات المتحدة في الخمسينات· وشملت صحفيين ومفكرين وأكاديميين وفنانين حرموا من لقمة العيش، وسجن بعضهم وقتل بعض آخر، ودفع بعضهم الى الانتحار، ويستخدم هذا المصطلح الآن لوصف مراحل الاضطهاد الفكري المظلمة، بل وأشدها سوادا·