
كتب المحرر الثقافي:
مجموعة من أعضاء منتدى المبدعين الجدد خصصوا نهار الجمعة قبل الماضية لفعاليات ثقافية متنوعة، بدأوها بالكلمات والإشادات والتكريم لوزير الإعلام د· أنس الرشيد الذي حضر جانبا منه، ولراعية المنتدى الشيخة باسمة المبارك الصباح وللشاعر فاضل خلف، ثم افتتح معرض خيري لبيع الكتب المستعملة خصص ريعه لمركز الكويت للتوحد وبيعت فيه الكتب بأسعار رمزية، واختتمت بأمسية شعرية·
قدم منسق المنتدى القاص يوسف خليفة كلمة تعريفية بنشاط المنتدى ودوره في رفد الحركة الأدبية في الكويت بعناصر شابة مبدعة وفعاليات متميزة، كما أكدت القاصة الشابة ميس العثمان في كلمة التقديم على هدف إقامة اليوم المفتوح على أنه حملة لتجديد التعريف بالمنتدى وأنشطته الثقافية المقامة على مدار العام·
وضمن برنامج الملتقى قدم العازف فيصل المغربي مقطوعات موسيقية على العود، وللمغربي مشاركات في العزف كثيرة طالما أغنى بها الأمسيات الشعرية المقامة تحت تنظيم المنتدى الشبابي، خصوصا مرافقته العزف مع قصائد شقيقه الشاعر محمد المغربي في أمسيات سابقة·
ضمن الفقرات الأهم في نهار "المبدعين" الثقافي كانت أمسية الشاعر محمد هشام المغربي الذي نثر أجواء شعرية رائعة بحزن شفاف، وذلك من خلال وصل غمامات رثاء وجه غال، غاب عن الحاضر، بخيالات غائب ديني يتكرر حضوره من ماض بعيد·
بدأ المغربي برثاء الصحافي الراحل محمد الرزوقي والد زوجته بقصيدة "على بعد برزخ منك":
خفّف الوطء
سميّي
علّنا نوقف ماء الوقت أو ندرك بعضا منه أو يدركنا الدفء·
سئمنا لهثة الجوع بأحداق الليالي·
يعيد الشاعر نداءاته الى الغائب مؤملا إياه باشتداد ريم الصحو التي ستنقذه من الغفلة:
خفف الوطء
لعل الريح تشتد فترمي خيمة الغفلة،
علّ الدهر يلقي قنعه،
علّ أناسا تصدق الهجس،
وعن كاهلنا المتعب تنساب الخطا··
نحن الخطايا!
يوحي النداء الذي اختاره المغربي وسيلة أجدى للرثاء وإن كان يعمق الوجع ويوقظ الألم بأن الغائب ذاهب الى "النوم الأكبر"، لذا لا سبيل سوى النداء وإعادة النداء مرات ومرات ليتوافق إيقاع العبارة المكررة "خفّف الوطء" مع دفقة الإحساس الشعوري الصادق الذي يقسطه المغربي كآهات متقطعة، ومتواصلة، وبلا نهايات:
يا سميي/ ولتكن أنت
كما أنت/ منيرا
أبيض الكفين والقلب،
لقد أتعبت قلبك·
يظل حزن المغربي حزنا لائقا بالفقيد، خصوصا عندما ينحرف به الى امتداح الجمال، ويقينه أن هذا الجمال الروحي سينبت أخضر في الكون، ليعم ولا يختفي، أو كعطر لا يموت:
خفف الوطء على نفسك،
كم أنت جميل:
منظر الأبيض في الأرجاء،
والعطر الخزامي،
والذين استبطأوا ظلك جاؤوك
على فطرة ضحكاتك، يحدوهم رنين التأتآت·
اليوم/ كم أنت جميل:
مسحة الحزن تلاشت،
والأسى أورق في خديك سلوى،
والندى في وجنة اللحظة يغويك بأن تنفخ في الكون لكي يغدو جميلا·
يأخذ الحزن الشاعر الى حرارة التفاصيل وذكرياتها القريبة، كأنما يؤكد لطيف الغائب أنه حافظ لوصاياه، وكأنه بتسميعه لتفاصيلها عن ظهر قلب يطمئن روح الغائب:
مبصرا؟/ أم لم تكن؟!
قد غبت في العتمة
والكون على أثرك يبكي·
مبصرا؟ أم لم تقل شيئا
سوى: أوصيك بابني وابنتي
الصغرى وميّة!
مبصرا؟
كنت أمام الموت·
طفلا في يدي أمك يؤويك،
قرير العين،
محفوفا بماء الورد،
مرضيا،
سعيدا،
يا لكم أتعبت قلبك!
وجه الحسين رضي الله عنه وكربلاؤه وجه آخر للرثاء يستحضره المغربي إماما للرؤيا، يعبر خلوات الزمن الى حاضرنا، بتعابير ملؤها الحركة التي أوحت بها الأفعال المضارعة المحتشدة:
تتهادى في خلوات البر،
تهيم،
تحلق نجما فوق الدنيا،
تشعل أحزانك،
تتناسى، تنسى
في وحشة غربتك تصير إماما للرؤيا·
وتظل قلوب الناس لقلبك،
ونصالهم نحوك·
ألف جناح يمضي بك للنور الواحد·
لم يرها إلاك بشر·
وبلغة أقرب للتراثية المعبرة عن أجواء الحدث الاستشهادي يصف المغربي:
ما بين الماء وبين العطش يناشد
شبحا: "يا هذا، أقسمت عليك بما تعبد إلا ما أمهلتني اللحظة حتى يأتيني ابن أبي!"
لا يعلم أن الشبح الواقف كان أخاه!
ويلاه فعين جمد عليها الدم وأخرى فيها نبت السهم·
الى أن يقول في ختام الصورة:
سيجيؤك وحي الكون:
قلوبا تخشع فيك، وأخرى ترقص حول الرأس·
وأنت - سليل الثأري الأول مدد الرفضيين - تعود سماء زرقاء وضحكة جدك وصلاة نبوية·
هذا القفر مهاد·
فتدثر بالآلاء الكبرى،
واحفل بالقادم·
