رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 صفر 1427هـ - 15 مارس 2006
العدد 1719

من خلال محطات الإذاعة والمواقع الإلكترونية المحافظة..(1)
إدارة بوش تشن حربا خفية ضد الصحافة الحرة

                                                                                   

 

·         الصحف الأمريكية كانت أكثر شجاعة في التصدي لضغوط الإدارات المتعاقبة

·        بوش فرض قيودا غير مسبوقة على حرية الحصول على الوثائق العامة

·        راش ليمبا بوق  المحافظين الذي يهاجم الليبراليين دون هوادة

·           برنامج إذاعي أمريكي يميني ساخر يصف العرب بأنهم "ليسوا بشرا"

·        اليمين المحافظ لديه محطات بث تغطي  كل أنحاء الولايات المتحدة على مدار الساعة

·        التحقيقات الصحافية··· مصدر القلق الأكبر للمؤسسة الحاكمة في واشنطن

 

بقلم: مايكل ماسينغ

كشف مكتب المساءلة الأمريكي عن أدلة على وجود حملة خفية تديرها إدارة بوش ضد الصحافة الحرة والمستقلة، لا لشيء إلا لعدم انخراطها في أجندة المحافظين الجدد·

وأشار التقرير الى أن الإدارة جندت الكثير من المواقع الإلكترونية وشبكات التلفزة (وخاصة محطة فوكس نيوز) ومحطات الإذاعة التي تغطي كل أنحاء الولايات المتحدة على مدار الساعة والتي كرست برامجها الحوارية مثل برنامج راش ليمبا الذي يصل عدد مستمعيه الى 24 مليون أمريكي، من أجل تخويف الصحافيين والمعارضين والتشكيك في مصداقيتهم·

وربما كان من أبرز الأمثلة على ذلك الحملة التي شنها قدامى المحاربين على المرشح الديمقراطي جون كيري والحملة التي تعرضت لها الصحافية جوديث ميلر لأنها شككت في الرواية الرسمية لإدارة بوش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، الأمر الذي أدخلها السجن واضطرها بعد ذلك للاستقالة من صحيفة نيويورك تايمز، وكذلك المضايقات والاتهامات التي تعرض لها الصحافي الذي صور إعدام جريح عراقي في الفلوجة·

وحين نشرت مجلة نيوزويك وصحيفة نيويورك تايمز التقارير حول قيام الجنود الأمريكيين بتدنيس القرآن الكريم في معتقل غوانتنامو، نظمت محطة فوكس نيوز حملة غير مسبوقة ضدهما·

ومن الأدلة الأخرى التي عرضها "مكتب المساءلة" قيام إدارة بوش - في سابقة تاريخية - بحجب أكثر من 15 مليون وثيقة عن أعين الجمهور، بشكل يمثل انتهاكا واضحا لقانون حرية المعلومات، مما دفع باتحاد رؤساء تحرير الصحف لحض الصحافيين على التوجه الى القضاء لوقف هذه الممارسات·

لقد جعلت هذه الحملة، معظم الصحف الأمريكية أقل رغبة في الدخول بمواجهة مع البيت الأبيض، واختارت، بدلا من ذلك، خطا "متوازنا" في تغطياتها الصحافية·

ففي الشأن العراقي مثلا، وجهت الاتهامات بالانهزامية وعدم مساندة جنودنا في أوقات الحرب، مما وضع أي صحافي يتجرأ على انتقاد الحرب أو السياسة الأمريكية في العراق بعد سقوط صدام، في دائرة التشكيك والاتهام·

وعلى صعيد متصل، أورد تقرير مكتب المساءلة أنه لم يسبق في تاريخ الولايات المتحدة منذ وضع الدستور، أن كان للشركات الكبرى مثل هذه السطوة والنفوذ على السياسات الأمريكية في الداخل والخارج·

وكشف تقرير "مركز النزاهة العامة" أن إجمالي إنفاق الشركات على تشكيل مجموعات ضغط lobbies خلال الفترة من 98-2004 الى أكثر من ثلاثة مليارات دولار للدفاع عن مصالحها والتأثير في سياسات إدارة بوش، فمثلا، حين انتقدت الصحافية في صحيفة لوس انجلوس تايمز نانسي كليفلاند، تعسف شركة "وول مارت" في التعامل مع موظفيها، فصلت من عملها·

 

في سبتمبر الماضي أصدر مكتب المساءلة الحكومي، وهو ذراع غير حزبي للكونغرس، نتائج تحقيق أظهرت تورط إدارة بوش في "دعاية خفية" خارقة بذلك القانون حين دفعت للمعلق المحافظ ارمسترونغ وليامز ليروج لسياساتها التعليمية· وأدان المكتب أيضا الإدارة لتعاقدها مع شركة علاقات عامة لتوزيع مقتطفات إخبارية مصورة، دون الكشف عن دور الحكومة في إنتاجها، ويقدم التقرير الذي جاء بعد تحقيقات دامت سنة كاملة أدلة مخيفة عن الحملة التي ظل يشنها المسؤولون في واشنطن ضد الصحافة الحرة والمستقلة، ومنذ أشهر قليلة فقط، كشف النقاب عن دفع كينيث توملنسن الذي اختاره الرئيس لرئاسة شركة البث العام مبلغا من المال لعميل جمهوري لمراقبة الميول السياسية لضيوف برنامج بيل موير الحواري بعنوان: "الآن" كجزء من جهود أكبر للاتجاه بالبرامج في الشركة نحو اليمين·

لقد وضعت إدارة بوش قيودا أكثر على عملية الوصول الى الوثائق العامة كما لم تفعل أي إدارة سابقة، وطبقا لتقرير صدر مؤخرا عن السرية الحكومية من قبل منظمة open the government.org وهي منظمة تراقب أداء الحكومة فقد حظرت الحكومة الفيدرالية الاطلاع على 15,6 مليون وثيقة في السنة المالية 2004 ضاربة بذلك رقما قياسيا وبزيادة وصلت الى %81 خلال السنة التي سبقت الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 في حين انخفض الإنفاق على إعلان الوثائق الى مستوى متدن جديد فقد أغلق %64 من اجتماعات اللجنة الفيدرالية الاستشارية في 2004 تماما، في حين منع البنتاغون كاميرات التلفزيون من تصوير عودة التوابيت من العراق ومنع توزيع صور تلك التوابيت، الحظر الذي رفع فقط عقب الطلب المقدم وفقا لقانون حرية المعلومات"·

ولقد اشتد التضييق لدرجة إصدار الجمعية الأمريكية لرؤساء تحرير الصحف المسالمة عادة "نداء لحمل الأسلحة لأعضائها في الخريف الماضي تحثهم فيه على "المطالبة بالحصول على إجابات مكتوبة ومن خلال المحاكم لوقف هذا التوجه المثير لـ "القلق العميق"· وفي سبتمبر الماضي اشتكى المحرر الصحافي المحافظ وليام سافير، المؤيد عادة لسياسات بوش قائلا "إن حقنا الأساسي كأمريكيين اختراق وانتقاد ممارسات حكومتنا من خلال صحافتنا الحرة، من أنه يتعرض لهجوم بشكل لم يسبق له مثيل"·

 

إعلام التيار السائد

 

لكن الحملة ضد الصحافة ليست إلا نتيجة جزئية لسياسة البيت الأبيض المعادي لها· فقد ضخمت جهود الإدارة من قبل حملة أخبار ورأي منظمة جدا يديرها المحافظون واليمين المسيحي، وتضم هذه الشبكة الممولة بشكل جيد الرسائل الإخبارية والحوارات الإذاعية بالإضافة الى أخبار الكيبل والإنترنت، وغالبا ما أطلقت هذه المصادر بالتعاون مع البيت الأبيض حملة منظمة لزعزعة الثقة بما يطلقون عليه باستخفاف "إعلام التيار السائد" إذ يستطيع المحررون توصيل نقدهم للصحافة الى الجمهور من خلال الإنترنت بشكل أسرع وأكثر فاعلية من قبل وقد ظهر هذا واضحا في الحملة التي شنها المحاربون القدامى في فيتنام ضد جون كيري، وهذا مثال واحد من كثير إذ يستطيع ناقد واحد عديم الضمير نشر ادعاءات غير صحيحة ومبالغ فيها بشكل تلقائي الى آلاف الناس الذين يقومون بدورهم بتكرارها الى الملايين في البرامج الحوارية الإذاعية أو في تلفزيون الكيبل أو عبر مواقع "إخبارية" أكثر رسمية على شبكة الإنترنت، وقد أصبح هذا النوع من التعقيب الأكثر فعالية لأنه موجه أساسا الى شريحة من الناس نادرا ما تتابع التغطية الصحافية الجادة·

وكنتيجة جزئية، تجد الصحف نفسها أقل شعبية من ذي قبل في وقت تخسر فيه صناعة الصحافة القراء وتناضل للتقليل من النفقات ومواجهة الطلب لتحقيق أرباح أعلى· في الوقت ذاته، يبدو صحافيو اليوم أقل رغبة في مقاومة الضغط السياسي من البيت الأبيض بكثير، مقارنة بأسلافهم فعلى سبيل المثال، رفضت صحيفة الواشنطن بوست الرضوخ للضغط الشديد من قبل البيت الأبيض خلال السبعينات خلال فضيحة ووتر غيت ولم تخش صحيفة نيويورك تايمز نشر وثائق البنتاغون وعلى النقيض، اضطرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا للاعتذار عن نشر ادعاءات حكومية خاطئة حول أسلحة الدمار الشامل في العراق دون توجيه أية انتقادات للحكومة على ذلك، وسلمت مجلة تايم ملاحظات محررها ماثيو كوبر الى المدعي العام الحكومي دون موافقته، واستطاع الكتاب المحافظون والإدارة أيضا إخافة المطبوعات وحملها على الابتعاد عن التقارير التي تقوم على التحقيقات الصحافية كما حدث مع مجلة نيوزويك التي تعهدت بالحد من استخدامها المصادر غير المسماة عقب انتقادات لنشرها تحقيقا حول تدنيس القرآن الكريم من قبل القوات الأمريكية· وأيضا حين أجبرت محطة "سي بي اس" أربعة من موظفيها على الاستقالة بعد إثارة أسئلة حول حلقة برنامج "60 دقيقة" تتعلق بسجل بوش في الحرس الوطني· ومع تدني شعبية الرئيس ووضوح الخلافات بين المحافظين بصورة أكبر، أصبحت تغطية أخبار واشنطن تميل نحو الحدة، لكن الجو العام يبقى معاديا للصحافة الجيدة·

 

استثناءات

 

في عام 1969 تابعت منظمة صغيرة من خارج الحكومة أهدافا مماثلة حين ألقى نائب الرئيس سبايرو اجنيو سلسلة خطابات هاجم فيها شبكات التلفزة والصحف الرئيسية متهما إياها بالليبرالية والتعالي· وكان التحقق من دقة الإعلام يدار من مكتب متواضع في واشنطن من قبل شخص مزعج ورجعي يدعى ريد ايرفن قام بنشر رسالة إخبارية سمى فيها الصحافيين ممن اتهمهم بالتساهل مع الشيوعية والدكتاتوريين اليساريين وشكك في ولائهم· وأدت مثل هذه الاتهامات الى إثارة تساؤلات قراء الصحف المحافظة حول نزاهة بعض التقارير الإخبارية· لكن التوجهات السياسية لإيرفن كانت متطرفة لدرجة أن معظم رؤساء تحرير الصحف نبذوه·

في عام 1979 اكتشف المحافظون أساسا جديدا لانتقاد الصحافة عندما أصدر س· روبرت ليتشر وستانلي روثمان دراسة فحواها إظهار الميول اليسارية للصحافيين الوطنيين، ومن بين الـ 240 صحافيا الذين تم استفتاؤهم، قال 8 من أصل 10 أنهم صوتوا لصالح الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية من عام 1964 وحتى 1976· وقال تسعة من أصل عشرة أنهم يؤيدون حق الإجهاض في حين قال أكثر من النصف بأنهم لا يرون أي عيب في الزنى وقلة منهم داوموا على الصلاة في الكنيسة· وفي عام 1985 أسس ليتشر وزوجته ليندا بدعم مالي من منظمات محافظة مثل scaife وolin مركز الإعلام والشؤون العامة، وهو معهد أبحاث يقدم نفسه على أنه غير حزبي، لكنه يسعى الى توثيق وقائع التحيز الليبرالي في شبكات التلفزة وفي الصحف، وساعدت تقاريره على الإطراء على جهود إدارة ريغان لإظهار أن الصحافة بعيدة عن التيار السائد في أمريكا· وكان تأثير هذه الجهود واضحا في التغطية غير النقدية للصحافيين لمواضيع مثل السياسات الاقتصادية المتهورة لإدارة ريغان والممارسات التعسفية لحكومة السلفادور العسكرية ومتمردي الكونترا في نيكاراغوا وغيرها من القوى التحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا الوسطى· "ومع هذا كان ثمة استثناءات كتقرير صحيفة نيويورك تايمز عن علاقة "سي آي أي" مع رئيس بنما الأسبق مانيويل نورييغا في أواخر الثمانينات"·

وفي عام 1987 حصل تطور لاحق وإن لم يكن واضحا جدا مع إلغاء "مبدأ النزاهة" والذي اقترح عام 1949 مطالبا محطات الإذاعة والتلفزيون بتغطية "القضايا الخلافية" المهمة وتوفير "فرصة سانحة لوجهات النظر المختلفة" عند قيامها بذلك، كان ذلك لتشجيع المحطات على تجنب البرامج الحزبية إذ إن مبدأ النزاهة كان له الأثر العملي في إبعاد التعليقات السياسية عن الهواء تماما· لكن محكمة فيدرالية حكمت في عام 1986 بأن المبدأ لا يملك قوة القانون وتم إلغاؤه في السنة التالية·

وفي تلك المرحلة كان للمحطات حرية بث ما تريد· في عام 1988 بدأت محطات صباحية عدة ببث برنامج استضاف شخصا في السابعة والثلاثين من عمره لم يكمل دراسته الجامعية اسمه راش ليمبا الذي بدأ باجتذاب المستمعين بتقديم نفسه على أنه أخطر رجل في أمريكا عن طريق دمج النكات السياسية والمناظرات العدوانية المدوية والمبالغات المفرطة· وقال عن نفسه إنه يتحدث "باستخدام نصف دماغي فقط لأكون عادلا، لأن الله منحني موهبة، وأسطورة وأسلوب حياة"·

وزعم ليمبا أن العدو الأبدي لنا هو "الليبرالية··· فهي تدمر الازدهار· وتدعو الى أن يكون كل الناس نسخة واحدة" وأشار في برنامجه الى ادعياء حقوق المرأة بأنهم نازيون والى معتقل غوانتانامو بـ "نادي غيتمو" وهو مكان شديد الترف تشبه فيه الظروف ناديا ريفيا· وناشد ليمبا المحافظين ممن شعروا أن لا أحد غيره يعبر عن استيائهم بمثل هذه الشدة التي ترضيهم، وسرعان ما بدأت مئات المحطات ببث برنامجه الذي حصد الى الآن "طبقا للميديا ويك" أكثر من مليار دولار من هذه البرامج·

وفي المقابل، ألهم نجاح ليمبا مجموعة كبيرة من مقدمي البرامج الحوارية اليمينيين وفقا لمحرر مجلة "سيتي جورنال" التي ينشرها معهد مانهاتن، أحد مراكز البحث المحافظة في نيويورك براين س· اندرسون في كتابه: محافظو ساوث بارك: التمرد ضد تحيز الإعلام الليبرالي، وفيه يرى اندرسون بكل ثقة الكثير من الانحياز الى الصحافة لليبرالية لدرجة أنه يبذل قليلا من الجهد لتوثيقها فهو يدعي على سبيل المثال، أن ميل الصحافة "في أفظع حالاته تمثل في تغطية الحرب" ومثاله الرئيسي كما يزعم هو "التغطية الانهزامية لحربي" أفغانستان والعراق" والتي تم وصفها من قبل كل من شبكة "سي إن إن" والصحافة اليومية بـ "فيتنام أخرى" ويتغاضى اندرسون عن الدعم الجماعي لمجالس التحرير في كل من هذين الصراعين والتقبل الساذج من قبل منظمات الأخبار المحلية لمزاعم إدارة بوش المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في العراق، والتغطية الموحية بالنصر لدفع القوات الأمريكية الى بغداد· ولم يلحظ وجهات النظر التقليدية جدا لمعظم الضيوف في برامج "سي إن إن" الحوارية واعتماد الشبكة القوى على الضباط العسكريين المتقاعدين للتعليق وأسئلة وولف بليتزر الخنوعة والمتوقعة تقريبا لمسؤولي الإدارة·

 

قلب الطاولة

 

لكن الكتاب يقدم وصفا مختصرا عن نجاح هجوم اليمين على صحافة التيار العام· ويقول اندرسون في كتابه "عندما تقود سيارتك هذه الأيام في أي مكان من البلاد، لن تقع أبدا خارج منطقة التغطية الإذاعية لأصوات المحافظين عبر برامج الاتصال الصباحي أو البث عبر الأقمار الصناعية وتضم قائمة أفضل عشرين برنامجا حواريا في أمريكا الكثير من برامج المحافظين وأشهرها برنامج راش ليمبا اليومي الممتد لثلاث ساعات يجذب ما يقدر بأربعة عشر مليون مستمع خلال الأسبوع الواحد· يليه برنامج شون هانيتي والذي يبث عبر ما يقارب الأربعمئة محطة وجذب قرابة 12 مليون مستمع أسبوعيا وهو يشارك أيضا في تقديم برنامج "هانيتي وكولمز "الأخباري المسائي على شبكة فوكس نيوز· وبرنامج" د· لورا شليزنجر والتي تندد بادعياء حقوق المرأة والمثليين جنسيا ويصل جمهور مستمعيها الى ثمانية ملايين مستمع وكذلك الحال مع مايكل سافيج الساخر من المعاقين والذي يعتبر العرب "من غير البشر" أما لورا انجراهام مؤلفة كتاب "أصمت وغن: كيف يخرب صفوة هوليود والسياسيين والأمم المتحدة أمريكا" وتجذب خمسة ملايين مستمع· وهناك الكثير من مضيفي برامج جناح اليمين ذوي الشعبية مثل: بيل اورايلي وويليام بينيت وج· جوردان ليدي ومايكل مدفيد· "تبث الآن محطة أمريكا الليبرالية عبر ثمانية وستين محطة فقط عبر أمريكا، لكن جمهور مستمعيها ضئيل جدا مقارنة بما يحظى به اليمين"·

وكما يوضح اندرسون، فلا تقدم هذه البرامج ملاحظاتها الساخرة حول الأخبار فحسب، بل إنها تعمل جاهدة لنزع الثقة مما يسمونه بالمؤسسات الأخبارية "الليبرالية"· يوما بعد يوم تدوي أصداء برامج الحوار الإذاعية مضاعفة النقد للصحافة الذي يوجهه البيت الأبيض· متهمة صحف نيويورك تايمز وواشنطن بوست ومحطات "سي بي اس" و"سي إن إن" بمساندتها الكبيرة للحكومة ومعارضتها للأعمال التجارية الضخمة وموافقتها على حقوق الإجهاض ومعارضتها لحقوق حمل السلاح وتأييدها للديمقراطيين ومعارضتها للجمهوريين·

في منتصف أكتوبر، استمعت الى برنامج ليمبا الذي بث في نيويورك على محطة "دبليو أي بي سي" وسمعته يقضي معظم الثلاث ساعات المخصصة لبرنامجه مدافعا عن البيت الأبيض ضد نقد الصحافة لقيام معاوني الرئيس بوضع سيناريو لمؤتمر مصور عن طريق الفيديو بين بوش ومجموعة من الجنود في العراق، وفي محاولته لقلب الطاولة وجعل الصحافة هي موضوع النقاش، استشهد ليمبا بحالات عدة زعم فيها أن المنظمات الإخبارية ساعدت في صناعة الحدث كما حصل مع صحافي من "تشاتانوجا تايمز فري برس" حين ساعد في صياغة سؤال طرحه أحد الجنود الأمريكيين على دونالد رمسفيلد حول نقص الحماية المدرعة للمركبات العسكرية الأمريكية· وكانت هذه حيلة تقليدية من ليمبا الذي يغتنم كل فرصة للتغني بالتقدم الذي يتم إحرازه في العراق ولإلقاء اللوم عن الأخبار السلبية على الصحافيين الكارهين لبوش·

وأعقب البرنامج ثلاث ساعات أخرى مع شون هانيتي، الذي شجب الإعلام لتغطيته المشوهة للعراق و"هجومه الدائم على الرئيس" منذ بداية الحرب· تلاه ساعتان مع مارك ليفين، المحامي الذي انتقل الى تقديم برامج الحوار والمتخصص بمعجم الشتائم لجناح اليمين "فقد وصف جوزيف ويلسن وزوجته بأنهما وشاة، وجودي ميلر بالفأرة، وتيد كيندي "بالسكير مدى الحياة" وصحيفة نيويورك تايمز بقذارة نيويورك والسيناتور تشارلز شومر "بالغبي" وأعقب هذا كله ساعتان مع لورا انجراهام والتي شجبت أيضا الصحافة الانتقائية لنشرها كل شيء فيما عدا هموم الشعب الأمريكي، ويتم بث مثل هذا التقريع المطول يوميا على مئات المحطات في كل أنحاء البلاد·

ومن وجهة نظر برايان اندرسون، فإن الهبة الأكبر لجناح اليمين هي في بروز محطات الكيبل الإخبارية وخصوصا "فوكس نيوز" التي تم تأسيسها في عام 1996· فقد تفوقت فوكس على شبكة "سي إن إن" في تقديرات أوائل عام 2002 وما زالت تتفوق عليها باستمرار· وهي متوفرة لأكثر من 85 مليون مشترك وتجتذب تقريبا بمعدل ثمانية ملايين شخص يوميا، أي أكثر من ضعفي عدد متابعي "سي إن إن" وكما هي الحال في الإذاعة الحوارية، فإن شبكة فوكس تنتقد الصحافة بلا كلل لتضعها في قالب المعارضة الأساسية لمبادئ الأمريكيين العاديين خصوصا في مواضيع مثل الإجهاض والإيمان ومحاربة الإرهاب· وفي الربيع الماضي قدر المحرر التنفيذي لصحيفة نيويورك تايمز، بيل كيلر عدد هجمات برنامج بيل اورايلي من شبكة فوكس على صحيفته بما لا يقل عن ستين مرة·

في شهر مايو الماضي، وفي وسط الخلاف حول تقرير مجلة نيوزويك الذي أفاد بأن القرآن الكريم تم رميه في المرحاض في معتقل غوانتانامو، قدم برنامج هانيتي وكولمز تقريرا من الرمادي في العراق حيث كان يتحدث اوليفر نورث الذي يعمل حاليا مراسلا لشبكة فوكس، مع أحد ضباط وحدة المشاة الثانية في الجيش الأمريكي· وقال نورث إنه عاد للتو إلي الأنبار عقب زيارات كثيرة سابقة·

 

روايات ملفقة

 

·         اوليفر نورث: إنها تلك الروايات الملفقة كالتي برزت حول ما حدث في غوانتانامو هي التي تخلق الانقسام بين الأمريكيين هنا وبين حلفائنا العراقيين، تصيبني الدهشة أن ما سنراه، نتيجة لذلك هو ارتفاع في الهجوم رقم واحد الذي يستخدمونه ضدنا، ما هو؟

·         الضابط: أجهزة التفجير المصنعة يدويا، ويرد عليه نورث "هذا صحيح"·

·وبعبارة أخرى، فإن نورث كان يؤكد أن ما ورد في مجلة نيوزويك سيسبب زيادة عدد تفجيرات العبوات الناسفة التي يزرعها المتمردون على جنبات الطرق للقوات الأمريكية وضمنيا، مزيدا من القتلى بين صفوف الجنود الأمريكيين، ولأسابيع، كررت شبكة فوكس اتهامها ضد مجلة نيوزويك بشأن التقرير حول القرآن الكريم مهملة بذلك أي ذكر للتقارير القائمة على أدلة قوية حول تدنيسه في معتقل غوانتانامو والتي ظهرت في "نيويورك تايمز" وغيرها من الصحف الأخرى· وبذلك استطاعت شبكة "فوكس" إبقاء الموضوع مفتوحا بطريقة لم تكن إدارة بوش لتقدر أن تفعل ذلك بمفردها·

 

إن "تأثير شبكة فوكس" كما يسمى واضح في محطة "أم اس ان بي سي" حيث يبدو جو سكاربورو مثل اورايلي، على "سي ان ان"· وكرست "سي ان ان" في السنوات القليلة الماضية نتيجة لتدني تقديراتها، المزيد والمزيد من بثها اليومي للترفيه والتعليق والأخبار الخفيفة· وهنا يجد المرء لائحة من مقدمي البرامج الصباحية الحذرين والفارغين، والهجمات المتوقعة على المهاجرين المكسيكيين من أمثال لو دبز والمقابلات السطحية للمشاهير مع بولا زاهن ولاري كنج· لكن تغطية "سي إن إن" لإعصار كاترينا وما أعقبه بما في ذلك التقارير حول الإهمال المعيب لوكالة الإغاثة الفيدرالية في مساعدة الفقراء من سكان نيو اورليانز، تظهر أن الشبكة ما زالت قادرة على توفير تغطية استثنائية في أوقات الأزمات وفي الأسابيع التي ظهر فيها أن "سي ان ان" تسير بنهج أكثر جدية في التعاطي مع الأخبار·

كما ظهر "تأثير فوكس" واضحا على مجموعة سنكلير للبث، التي تمنحها محطاتها التي تفوق الستين، حرية الوصول الى قرابة ربع الجمهور الأمريكي· ومنذ أواخر 2002 لاحظ برايان اندرسون أن مجموعة سنكلير منحت محطاتها التابعة، تقريرا صحافيا لسبع عشرة دقيقة يستخدم شعار شبكة فوكس حول كونهم "عادلين ومتزنين"· ويتضمن التقرير مقالة بعنوان "الحقيقة، الأكاذيب والشريط الأحمر" والذي يزعم تقديم روايات "لا تريد الشبكات القوية الأخرى للمشاهدين سماعها"· (أحد المقتطفات سخر من الأمم المتحدة كونها "تنفق الكثير من الوقت والمال لمعارضة الحرب على الإرهاب بدلا من محاربته")·

وفي أبريل عام 2004 وجهت مجموعة سنكلير ثمانيا من شركاتها التابعة لها لإضافة فقرة في برنامج نايت لاين قام فيها تيد كوبل بقراءة أسماء أكثر من ألف جندي أمريكي قتلوا في العراق· ودافع الكثير من المعلقين المحافظين عن قرار سنكلير بينما ساعدت النقاشات الإذاعية ومحطات الكيبل والإنترنت على تشجيع فكرة أن مجرد مناقشة قتلى المعارك الأمريكيين في العراق يعد عملا غير وطني· وأثنت مناظرة سنكلير على الخطوات الكثيرة التي اتخذتها الإدارة لقمع تغطية الإصابات الأمريكية· وخلال الأشهر القليلة الماضية بسبب زيادة حدة عنف المتمردين وارتفاع عدد القتلى من الأمريكيين والعراقيين، بدأت تغطية الحرب تزداد تشكيكا عبر بعض محطات التلفزيون الإخبارية· (في اليوم نفسه الذي أعلن فيه عن إدانة لويس سكوتر ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأمريكي، اختارت محطة "ي ان ان" إعادة بث تقرير مدته ساعة وعنوانه "خطأ فادح" حول أين مزاعم إدارة بوش بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية·

لكن سجلات صفحات الإنترنت أو blogs هي الاختراع التكنولوجي الثالث بالإضافة الى انتشار حوارات الإذاعة ومحطات الكيبل الإخبارية، جعل هجمات المحافظين على الصحافة مدمرة بالتحديد: فهذه السجلات تسمح للمستخدمين بتوجيه أفكارهم الأكثر خصوصية عبر العالم ولا يتطلب الأمر أكثر من دقائق عدة لتجيهزها بدأت أولاها بالظهور في أواخر التسعينيات ويوجد حاليا منها أكثر من 20 مليون· والكثير منها كما يلاحظ أحد النقاد تستخدمها الفتيات المراهقات لكتابة مذكراتهن على الإنترنت، لكن من يملك العدد الكبير من القراء والتأثير السياسي يقدر عددها بالمئات ومعظمها من المحافظين· وكما كتب برايان أندرسون بإقرار أدنى من الواقع "فإن أجواء سجلات الإنترنت تميل نحو اليمين"·

ووفقا لموقع the truth laid bear الذي يصنف السجلات السياسية وفقا لعدد الروابط مع المواقع الأخرى، فإن ثمانية من أصل عشرة مواقع كانت محافظة· وتتضمن المواقع المحافظة instapundit (لبروفيسور الحقوق في جامعة تينيسي غلن رينولدز) وpower line (لثلاثة محامين) وmichellemalkin.com (لعضو نقابة وصاحب عمود في صحيفة، يدافع في كتابه الأخير عن اعتقال الأمريكيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية) وfree republic (لناشطين محافظين) وcaptainصs quarters (والذي يديره مدير call center)، وthe volokh conspiracy (على الأغلب أكثر من بروفيسور في الحقوق) وlittle green footballs (للتعليق على السياسة الخارجية مع انحياز قوي تجاه إسرائيل)· ويشجع هذه المواقع ما يكتبه الضيوف من العسكريين العاملين المروجين للمتابعة القوية (للحرب العالمية على الإرهاب)· (لكن أكثر موقع يتم الدخول عليه هو left-of- center daily kos، وترجع شعبيته الى منحى أسلوبه الاجتماعي، والذي يسمح للقراء المسجلين بكتابة تعليقاتهم والتعليق على ما كتبه الآخرون)·

انحياز ليبيرالة

وبالإضافة الى كون هذه السجلات متصلة ببعضها البعض، فإنها تظهر بانتظام على مواقع قوية لليمين كموقع drudge report والذي يجذب ثلاثة مليارات زائر في السنة وموقع worldnetdaily (والذي يعجب اليمين المسيحي) وموقع opinionjournal والذي يقدم مقالة "أفضل ما في العالم اليوم" لجيمز تارناتو· وبالمقابل يغري الكثير من المعلقين مثل شون هانيتي وراش ليمبا بهذه المواقع، ويقومون بذلك بالإعلان عن رسائل تلك المواقع عبر برامجهم التلفزيونية والإذاعية ومواقعهم الخاصة على الإنترنت· فموقع مثل nationalreviewonline يبحث عن سجلات محافظة جديدة ويطلقها بجعجعة عظيمة· وتدعم إدارة بوش هذه الجهود بكل قوة· ففي ديسمبر الماضي على سبيل المثال، أشارت أن لين تشيني عبر برنامج محطة "إم إس إن بي سي" hardball، أنها تقرأ باستمرار من مواقع instapundit وpower line التي تعد أدوات تجنيد قوية لهذه المواقع· والهدف بالنسبة لهذه المواقع هو إعلام التيار السائ فهم يتفحصون الصحف اليومية الأكثر انتشارا يوميا وشبكات البث الثلاث بالإضافة الى محطة "سي إن إن" والمجلات الأسبوعية بحثا عن أدلة "انحياز ليبيرالي"· وقد أظهرت تأثيرها خلال السنة الماضية فحين عرض برنامج "ستون دقيقة" فقرته حول المذكرات عن خدمة الرئيس جورج بوش في الحرس الوطني، قاد موقع power line إثارة الشكوك حول صحة الوثائق ومصداقية المصادر· وبعد اعتذار محطة "سي بي اس" سقطت فجأة كل الأسئلة التي أثارتها "سي بي أس" والصحافة بشكل عام عن دور جورج بوش في خدمة الحرس الوطني·

وفي الخريف الماضي، أرسلت مراسلة صحيفة "وول ستريت جورنال" فارناز فاسيهي رسالة إلكترونية الى مجموعة من معارفها يكون الأبرز بين قادة السجلات الإلكترونية الإنجيليين"· وقد خصص موقع إلكتروني بأسره لتسجيل السجلات التي ساعد على إنشائها ويضم حاليا أكثر من 250 سجلا· ويشير هيوت من خلال موقعه بانتظام الى ما يعتبره وقائع على التحيز المعادي للمسيحية في الصحافة· ففي منتصف يونيو الماضي مثلا، حين نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالة حول تنامي أعداد القساوسة الإنجيليين في القوات المسلحة والتوترات التي كانوا يسببونها، أشار هيويت الى كون تلك آخر حلقة في سلسلة الصحيفة لطرد الإنجيليين من الجيش·

وتعتبر مواقع السجلات المسيحية جزءا من المجموعة المتنامية لمزودي الأخبار المسيحية· فكما نشرت مارايا بليك في مجلة "كولومبيا جورنالزم ريفيو" في عدد مايو/ يونيو، توظف شبكة البث المسيحي، التي تبث برنامج بات روبرتسون 700 club، اليوم أكثر من ألف شخص يعملون في محطات في ثلاث مدن أمريكية ودول أجنبية عدة· ويسيطر الإنجيلييون على ست شبكات تلفزة محلية وقرابة ألفي محطة إذاعية دينية· وتلاحظ بليك أنه "بفضل تنامي البث الإذاعي المسيحي سريعا، فإن عدد محطاته يفوق الآن أي نوع بث آخر باستثناء موسيقى الريف والحوارات الإخبارية"· وكما رأينا فإن القطاع الأخير يسيطر عليه اليمين بشكل ساحق أيضا·

... يتبع

طباعة