رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 صفر 1427هـ - 15 مارس 2006
العدد 1719

انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية:
مقاطعة إسرائيل اقتصاديا.. لماذا هي مبررة؟

                                                                                  

 

نورمان فنكلستين*:

في أوائل شهر يناير الماضي، عبرت كريستين هالفورسن، وزيرة المالية النرويجية الحالية، وزعيمة حزب اليسار الاشتراكي (عضو التحالف الحاكم في النرويج والمكون من ثلاثة أحزاب) عن مساندتها الشخصية ومساندة حزبها لمقاطعة نرويجية للبضائع والخدمات الإسرائيلية· وفور إعلان الوزيرة لموقفها هذا، سارع السفير الإسرائيلي في النرويج الى الاحتجاج، وهددت كونداليسا رايس النرويج "بعواقب سياسية خطرة" إن كان تصريح الوزيرة النرويجية يعبر عن سياسة الحكومة الحالية، وعندئذ أسرع وزير الخارجية النرويجي الى إرسال رسالة الى رايس (صدرها بعبارة "عزيزتي كوندي") مؤكدا لها أن موقف حزب اليسار الاشتراكي الداعي الى فرض مقاطعة اقتصادية لإسرائيل لم يكن أبدا ولن يكون سياسة للحكومة النرويجية، ومن جانبها أبعدت الوزيرة النرويجية نفسها عن تصريحاتها السابقة بعد أن انتقدها كبار مسؤولي وزارة الخارجية معلنين أن مقاطعة بضائع إسرائيل تماثل المقاطعة النازية للدكاكين اليهودية·

مقالة فنكلستين حول هذا الموضوع نشرتها صحيفة "اوفنبوستن" أوسع الصحف النرويجية انتشارا في منتصف يناير الماضي·

استثار الاقتراح الأخير بأن تقاطع النرويج البضائع الإسرائيلية نقاشا عاطفيا، وفي رأيي فإن أي تدقيق عقلاني في هذه القضية سيفرض علينا سؤالين:

الأول: هل تجيز الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان مقاطعة اقتصادية؟

الثاني: هل يمكن أن تشكل مقاطعة مثل هذه مساهمة ذات معنى في إيقاف هذه الانتهاكات؟

وسأدفع هنا بأن كلا السؤالين يجب أن يجاب عليهما بالإيجاب، أي بنعم·

إذ على الرغم من أن سجل إسرائيل الحقيقي في ما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة، هو مادة الكثير من تقارير منظمات حقوق الإنسان، إلا أنه غير معروف على نطاق واسع في العالم، والسبب يرجع الى صناعة العلاقات العامة الهائلة التي يملكها المدافعون عن إسرائيل، ويرجع أيضا إلى فعالية تكتيكاتهم في التخويف، مثل إلصاق تهمة معاداة السامية بالذين ينتقدون السياسة الإسرائيلية، ومع ذلك، فهناك حقيقة لا يمكن تفنيدها في أن إسرائيل ارتكبت سلسلة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان، يصل الكثير منها الى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتتضمن هذه:

 

القتل غير القانوني:

 

ففي الوقت الذي تحظى فيه الهجمات الانتحارية الفلسطينية التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين بالكثير من اهتمام وسائط الإعلام، فإن سجل إسرائيل الرقمي الأسوأ بقتل من هم غير محاربين يحظى باهتمام ضئيل، وتكشف أحدث الأرقام الصادرة عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة (بتسيليم) عن أن 3386 فلسطينيا قتلوا منذ سبتمبر 2000 صنف منهم 1008 فقط كمحاربين، مقابل مقتل 992 إسرائيليا منهم 309 جنود، وهذا يعني أن عدد القتلى الفلسطينيين يفوق بثلاثة أضعاف القتلى الإسرائيليين، وأن قتلى المدنيين الفلسطينيين يفوق بثلاثة أضعاف قتلى المدنيين الإسرائيليين، ويزعم المدافعون عن إسرائيل أن هناك فرقا بين استهداف المدنيين وبين قتلهم من غير قصد، ولكن مركز "بتسيليم" يخالف هذا الزعم ويرد بالقول "حين يقتل ويجرح هذا العدد الكبير من المدنيين فإن غياب النية لا يشكل فرقا، وتظل إسرائيل مسؤولة عن هذا القتل"·

بالإضافة الى هذا، فإن منظمة العفو الدولية تقول في بياناتها أن "الكثير" من الفلسطينيين لم يقتلوا بالمصادفة، بل "تم استهدافهم بتعمد"، ويقول الصحافي كريس هيجز الفائز بجائزة نيويورك تايمز أن الجنود الإسرائيليين "يستفزون الأطفال، مثلما يوقع الإنسان فئرانا في مصيدة، ثم يتسلون بقتلهم"·

 

التعذيب

 

تقول تقارير منظمة العفو الدولية: "منذ العام 1967 قامت المخابرات الإسرائيلية بممارسة تعذيب السياسيين الفلسطينيين المشتبه بهم في المناطق المحتلة كأمر روتيني"، ووجد مركز بتسيليم أن %85 من الفلسطينيين الذين استجوبتهم المخابرات الإسرائيلية تعرضوا "لطرق تتضمن التعذيب"، وقدرت منظمة هيومن رايتس ووتش قبل عقد من الزمن، "أن عدد الفلسطينيين الذين عذبوا أو أسيئت معاملتهم إساءة بالغة بلغ عشرات الآلاف، وهو رقم يصبح ذا دلالة خاصة حين نتذكر أن عدد البالغين واليافعين من الذكور الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يصل الى ثلاثة أرباع المليون، ووفق مصادر منظمة العدل الدولية، فإن إسرائيل في العام 1987 أصبحت هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجعل التعذيب ممارسة قانونية"· وعلى الرغم مما ظهر من منع المحكمة الإسرائيلية العليا للتعذيب في العام 1999، إلا أن اللجنة المناوئة للتعذيب في إسرائيل قالت في تقرير لها في العام 2003 بأن قوى الأمن الإسرائيلية تواصل استخدام التعذيب بأسلوب "روتيني ومنهجي"· وفي العام 2001، وثقت دراسة لمركز بتسيليم تطبيق قوى الأمن الإسرائيلية للتعذيب القاسي على "الأطفال الفلسطينيين"·

 

هدم البيوت:

 

تقول تقارير مركز بتسيليم "إن إسرائيل نفذت سياسة الهدم الجماعي لبيوت الفلسطينيين في المناطق المحتلة" ودمرت منذ سبتمبر 2000 "نحو 4170 بيتا فلسطيني"· وحتى وقت قريب ظلت إسرائيل تلجأ بشكل منتظم الى هدم البيوت كشكل من أشكال العقاب الجماعي، ووفقا لمنظمة مراقبة الشرق الأوسط، فإن "الدولة الوحيدة الأخرى، الى جانب إسرائيل، في العالم التي استخدمت مثل هذا العقاب الوحشي كانت العراق تحت حكم صدام حسين"· يضاف الى هذا، هدم إسرائيل لآلاف البيوت "غير القانونية" التي بناها الفلسطينيون بسبب رفض إسرائيل منحهم تراخيص بناء· إن الدافع وراء تدمير هذه البيوت، حسب ما تذكر منظمة العفو الدولية، هو زيادة مساحات الأراضي المتوفرة للمستوطنين اليهود: "يستهدف الفلسطينيون لا لسبب إلا أنهم فلسطينيون"· وأخيرا، تقوم إسرائيل بتدمير مئات البيوت متذرعة بالأمن، ومع ذلك وجدت منظمة هيومن رايتس ووتش في غزة "أن أساليب الهدم العنيفة توحي بأن القوات الإسرائيلية تدمر البيوت بلا تمييز، بغض النظر عما إذا كانت تشكل تهديدا محددا"·

ومثل ذلك وجدت منظمة العفو الدولية أن "تدمير إسرائيل المكثف للبيوت والأملاك في أنحاء الضفة الغربية وغزة لا تبررها الضرورات العسكرية" وأن "بعض هذه الأفعال التدميرية تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة وتصل إلى مستوى جرائم الحرب"·

إذا وضعنا جانبا المدى الهائل الذي وصلته إسرائيل في انتهاكاتها لحقوق الإنسان، فإن لسياساتها التي تبنتها فرادة تثير الانتباه، وهذا هو ما توصل إليه مركز بتسيليم: "لقد خلقت إسرائيل في المناطق المحتلة نظاما من الفصل يقوم على التمييز، مستخدمة في ذلك نظامين قانونين منفصلين في المنطقة الواحدة، ووضعت أساسين لحقوق الأفراد يقوم كل واحد على قوميتهم" ويقول المركز "إن هذا النظام هو الوحيد من نوعه في العالم، ويذكر بالأنظمة المكروهة في الماضي، مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا"، فإذا كان من الممكن الدفاع عن تعريض جنوب أفريقيا للمقاطعة الاقتصادية الدولية في الماضي، فسيكون من الممكن على نحو مشابه الدفاع عن تعريض الاحتلال الإسرائيلي للمقاطعة، فهو يماثل مماثلة فذة نظام الفصل العنصري·

 

التهام الأرض

 

مع أن أي مقاطعة اقتصادية لإسرائيل يمكن تبريرها على أسس أخلاقية، إلا أن سؤالا يبقى قائما، وهو عما إذا كان استخدام الدبلوماسية قد يكون أكثر فعالية بدلا من المقاطعة، ولكن السجل الموثق بهذا الخصوص ليس مشجعا، فالبنود الأساسية لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي يتضمنها قرار الأمم المتحدة رقم 242، والقرارات اللاحقة، والتي تدعو الى انسحاب إسرائيلي كامل من الضفة الغربية وغزة وإنشاء دولة فلسطينية في هذه المناطق لقاء الاعتراف بحق إسرائيل في العيش بسلام وأمن مع جيرانها·

وفي كل عام تصوت أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمصلحة تسوية الدولتين هذه، وفي كل عام تعارضها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية (وبضعة جزر في جنوبي المحيط الهادي)·

وعلى نحو مماثل، اقترحت الاثنتان والعشرون دولة عربية الأعضاء في الجامعة العربية في مارس 2002 تسوية الدولتين هذه، كما عرضت لقاء هذا أيضا "علاقات طبيعية مع إسرائيل"· وهو اقتراح تجاهلته إسرائيل·

ولم ترفض إسرائيل تسوية الدولتين هذه بعناد فقط، ولكن السياسات التي تتبعها حاليا ستجهض أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وفي الوقت الذي ينجذب فيه انتباه العالم الى انتقال إسرائيل من غزة، تلاحظ "سارة روي" من جامعة هارفارد، أن "خطة فك الارتباط مع غزة في العمق هي أداة لمواصلة إسرائيل ضم أراضي الضفة الغربية، ودمج تلك الأراضي بإسرائيل"· وتقوم إسرائيل على وجه التحديد بإنشاء جدار يمتد عميقا في داخل الضفة الغربية، سيضم معظم الأراضي الخصبة ومصادر المياه، والقدس الشرقية أيضا، مركز الحياة الفلسطينية، وسيقسم هذا الجدار تقسيما عمليا الضفة الغربية الى قسمين، وعلى رغم أن إسرائيل زعمت في البداية أنها تبني الجدار لتحارب الإرهاب، فإن منظمات حقوق الإنسان تجمع على أنه واقعيا فرض سيطرة على الأرض لضم المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية لإسرائيل·

وقد اعترف وزير العدل الإسرائيلي منذ وقت قريب بصراحة بأن الجدار سيكون "الحدود المستقبلية لدولة إسرائيل"·

 

من يتذكر محكمة العدل الدولية؟

 

السياسات الحالية للحكومة الإسرائيلية ستؤدي إما الى حمام دم لا نهاية له أو تمزيق فلسطين، وقد توصل فريق الأزمات الأوروبي في الآونة الأخيرة الى أنه "سيظل من المحال عمليا تصور قيام دولة فلسطينية من دون أن تكون عاصمتها في القدس، وبناء على ذلك فإن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية هي في حرب مع أي حل لدولتين، ولن تدعم أمن إسرائيل، بل ستقوضه في الحقيقة، بإضعافها لموقف الفلسطينيين البراجماتيين وزرعها لبذور الراديكالية المتنامية" وقد أعلنت محكمة العدل الدولية، وهي تذكر بمبدأ ميثاق الأمم المتحدة القائل بعدم قبول اكتساب الأراضي بوساطة الحرب، في رأي فاصل لها في العام 2004، بأن المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة والجدار الذي يبنى لضمها الى إسرائيل، لا شرعية لها وفق القانون الدولي، وطالبت المحكمة إسرائيل بالتوقف عن إنشاء الجدار، وتفكيك تلك الأجزاء منه التي اكتملت حتى الآن، وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار، والأمر الحاسم أن المحكمة أكدت على المسؤوليات القانونية للمجتمع الدولي بالنص على: "كل الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضعية غير الشرعية الناتجة عن إنشاء الجدار في المناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها أراضي القدس الشرقية، والأراضي المحيطة بها، والدول ملزمة أيضا بعدم تقديم أي دعم أو مساعدة للإبقاء على الوضعية التي خلقها مثل هذا الإنشاء، وعلى كل الدول أيضا، في احترامها لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، أن ترى بأن أي عرقلة تنتج عن إنشاء الجدار، لممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير يجب وضع حد لها"·

ومر القرار اللاحق للجمعية العامة للأمم المتحدة المساند لرأي المحكمة الدولية بأغلبية ساحقة، ولكن الحكومة الإسرائيلية تجاهلت رأي المحكمة، وواصلت إنشاء الجدار بخطوات متسارعة، ورأت المحكمة الإسرائيلية العليا أثناء ذلك بأن الجدار كان شرعيا·

وبسبب تكتيكات الولايات المتحدة الأمريكية المعرقلة، لم تكن الأمم المتحدة قادرة على مواجهة ممارسات إسرائيل غير الشرعية بفعالية· وبالفعل، فرغم أن من الصحيح القول بأن الأمم المتحدة تعامل إسرائيل بمعيار مزدوج، فهذه المعاملة هي بالضبط مقلوب زعم أحد المدافعين عن إسرائيل: "لا تعامل إسرائيل بمعيار أعلى بل أدنى مما تعامل به الدول الأعضاء في المنظمة الدولية"·

 

الاتحاد الأوروبي قمعي أيضا:

 

وتكشف دراسة للبروفيسور مارك ويلر من جامعة كامبرج تقارن بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة وبين الأوضاع التي يمكن مقارنتها في البوسنة والهرسك وكوسوفو وتيمور الشرقية، والعراق والكويت المحتلة، ورواندا، أن إسرائيل حظيت بـ "مناعة فعلية" ضد فرض إجراءات مثل العقوبات الاقتصادية وحظر الأسلحة التي تبنتها الأمم المتحدة تقليديا ضد الدول الأعضاء التي أدينت بانتهاكات مماثلة للقانون الدولي·

وقد أخفق الاتحاد الأوروبي أيضا، بسبب الحملة العدوانية التي تتهم أوروبا بتهمة "معاداة سامية جديدة" جزئيا، في الوفاء بالتزاماته القانونية وفرض تطبيق القانون الدولي في المناطق الفلسطينية المحتلة، وعلى رغم أن مزاعم وجود "معاداة سامية جديدة" لا أساس لها في الواقع (كل الأدلة تشير الى تضاؤل العداء للسامية في أوروبا) فقد كان رد فعل الاتحاد الأوروبي هو استرضاء إسرائيل، بل وقمع ومنع نشر أحد تقاريره هو، لأن كتاب التقرير من أمثال فريق الأزمات والكثيرين توصلوا الى أنه بسبب السياسات الإسرائيلية "تتراجع احتمالات حل دولتين مع القدس كعاصمة لفلسطين"·

إن العبء الأخلاقي من أجل تفادي الكارثة المحدقة يجب أن تحمله الآن الدول منفردة، تلك الدول المستعدة لاحترام التزاماتها وفق القانون الدولي، ويحمله الأفراد من الناس ذوي الضمائر الحية رجالا ونساء·

وفي الآونة الأخيرة وفي مبادرة شجاعة، طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش ومقرها أمريكا، حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بتخفيض مساعدتها المالية لإسرائيل تخفيضا ملموسا الى أن تنهي إسرائيل سياساتها غير الشرعية في الضفة الغربية، ويبدو أن مقاطعة اقتصادية هي إجراء عادل على نحو مساو·

إن تكتيكا غير عنيف هدفه تحقيق تسوية عادلة ودائمة للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يمكن قانونيا أن يسمى عداء للسامية· إن أعداء اليهود الحقيقيين هم عمليا أولئك الذين يحطون من قدر ذكرى المعاناة اليهودية، بمساواتهم المعارضة المبدئية للسياسات الإسرائيلية اللا أخلاقية وغير الشرعية بالعداء للسامية·

 

نورمان فنكلستين أستاذ جامعي أمريكي

وصاحب كتاب "المتاجرة بالهولوكوست"

www.normanfinkektein.com

 

 

طباعة  

أي جريمة ارتكبها عمدة لندن؟