

من الواضح أن تعاقب فرعي الجابر/السالم على الإمارة قد أصبح في ذمة التاريخ على يد رأس الدولة الجديد، ولكن استطلاع "نشرة أخبار دول الخليج" لرأي المطلعين في الكويت يشير إلى أن اختيار رئيس الوزراء، الذي هو التصاق بجيل قديم، هو الذي استثار الكثير من النقد·
يبدو أن الطبقة السياسية الكويتية ارتاحت الى قرار الأمير الجديد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بكسر التقليد المعتاد، والإبقاء على خط توارث الإمارة في فرع الجابر كأسرة حاكمة، مع اختيار أخيه الشيخ نواف الأحمد ولياً للعهد· ولكن ما آثار الخيبة الواسعة في أوساط المطالبين بالتجديد هو تعيين وزير الديوان الأميري الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح (65 عاما) رئيسا للوزراء، فقد شعر هؤلاء بأن فرصة إعادة تنشيط القيادة الوطنية واختيار رجل أصغر سنا، وربما ليس من الأسرة الحاكمة كرئيس للحكومة قد ضاعت·
ويتحدث المطالبون بالتجديد عن حاجة الكتل السياسية الكبرى الى التوحد في حملة جديدة لإصلاح النظام الانتخابي، من أجل تجنب مخاطر دوام صراع طويل الأمد على امتيازات التوارث بين الجيل التالي من أسرة الصباح بوساطة المزيد من الجولات لشراء الأصوات والتلاعب السياسي· علاوة على هذا، فإنهم يعتقدون أن اختيار أحد رجال الحاشية لا رجلاً سياسياً لرئاسة الوزراء يشير الى أن القرارات الرئيسية لن تترك للحكومة كما كانت عليه الحال في سنوات الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح الأخيرة·
فالشيخ نواف البالغ من العمر 68 عاماً، ذو تجربة طويلة في الحكومة، منذ تسلمه حقيبتي وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية والعمل، وعمل أيضا نائباً لرئيس الحرس الوطني· إلا أنه هو أيضاً أحد أفراد فرع الجابر، وكان هناك افتراض على نطاق واسع بأن الشيخ صباح سيعيد تثبيت نمط التوارث التقليدي الذي يتناوب فيه على الإمارة كما جرت العادة فرعا الجابر والسالم·
وهو ما يعني ضمنياً ترشيح أبرز المؤهلين لولاية العهد من فرع السالم، أي وزير الخارجية الشيخ د· محمد صباح السالم الصباح، واسترضاء أولئك الذين لم يرتاحوا من آل سالم لتنحية الشيخ سعد العبدالله السالم عن منصب الإمارة بعد أيام قليلة من تنصيبه·
ولقد راجت شائعات مفادها أنه إذا تم تجاوز الشيخ د· محمد، أصغر المرشحين المحتملين لولاية العهد، فإنه سينال رئاسة الوزارة بدلا من ذلك· ولكن هذا المنصب الأخير ذهب الى الشيخ ناصر المحمد الذي احتل منصب وزير الديوان الأميري طيلة 14 عاما، وهو منصب أعطاه مكاناً قريباً من الأمير الراحل جابر لا مثيل له، إلا أنه أبقاه خارج حلبة المعارك البرلمانية، حيث يجب عليه الآن أن يحظى بالدعم لبرنامج الحكومة· وعليه، هو الذي ألف دهاليز السلطة، البرهنة على أنه يستطيع العمل الآن علي خشبة مسرح مكشوف·
قادة الرأي ارتاحوا لأن الأمير الجديد تحرك بسرعة من أجل حل مسألة التوارث فوراً بتعيين الشيخ نواف ولياً للعهد، إلا أنهم لم يتحمسوا لقراره اختيار شخصية قديمة العهد نسبياً مثل الشيخ ناصر لرئاسة الحكومة·
بعض من الذين سألتهم النشرة أشار الى أن هناك الكثير من المؤهلين الأصغر سناً في أسرة الصباح ومن غير الأسرة، خارج وداخل الوزارة الحالية، لتولي رئاسة الوزارة· وبوجود الشيخ ناصر في الرئاسة تتوقع مصادر أن تظل التغييرات الوزارية عند الحد الأدنى انتظارا للانتخابات العامة التالية في يوليو 2007، ويشعر البعض أن الوزارة بحاجة الى سياسيين ذوي ثقل سياسي أكبر لوضع سياسة الحكومة، إلا أن الأغلبية لا تتوقع حدوث هذا الآن·
آمال بالإصلاح
وفي مواجهة توقع مثل هذا، يتوق الليبراليون الى رؤية تنشيط لعملية الإصلاح الاقتصادي بعد الفجوة الحتمية التي فرضتها أزمة توارث الإمارة·
وهناك الآن على نطاق واسع حديث عن الحاجة الى أن تتوحد كل الكتل السياسية الرئيسية، الإسلامية والليبرالية على حد سواء، للضغط على الحكومة من أجل إحداث إصلاح في النظام الانتخابي، واستبدال الدوائر الانتخابية العشر أو حتى الخمس التي يتم التصويت فيها لأكثر من مرشح بالدوائر الانتخابية الخمس والعشرين الحالية التي يصوت فيها لمرشحين اثنين· ومثل هذه الخطوة ستقطع الطريق على شراء الأصوات، وستمنح أفقا أوسع للانتخاب على أساس البرامج السياسية، ويرغب بعض السياسيين أيضا في إزالة الموانع أمام تشكيل الأحزاب·
مثل هذا الإصلاح سبق للشيخ صباح أن تداول أمره في السنوات الأخيرة، بما يخفض الى حد كبير من الاستقطاب الذي يمارسه الفرقاء في أسرة الصباح من وراء ستار لأعضاء مجلس الأمة، إلا أنه لم يفعل شيئا بشأنه، ولكن بعض كبار الشخصيات الكويتية متفائلون الآن بأن أحداث الأسابيع الأخيرة ربما أقنعته وأقنعت بقية أبناء الأسرة، أن برلماناً قوياً من ناحية دستورية، يمكن أن يساعد بالفعل على ضمان استقرار النظام الأميري وبقائه، بدلا من أن يتحداه·
فحين أثبتت الأسرة الحاكمة أنها غير قادرة على الوصول الى إجماع داخلي في نطاقها حول كيفية معالجة قضية توارث الإمارة، في ضوء عدم قدرة الشيخ سعد البينة على أداء وظائف منصب الأمير، فإن مجلس الأمة هو الذي أقدم على خطوات حاسمة وعمل على تسوية هذه القضية، وضمن أعضاء المجلس تولي الشيخ صباح، المقبول على نطاق واسع بوصفه أفضل كبار الأسرة تأهيلاً لتولي منصب رئاسة الدولة·
ويأمل كبار قادة الرأي أن يظهر ماقام به المجلس قيمة مجلس الأمة والدستور للسلطة، ويقنعها من ثم بدفع عملية إصلاح النظام الانتخابي الى الأمام، ذلك الإصلاح الذي يعتقدون أنه ضروري لتقوية المجلس· إنهم مقتنعون بأن القضايا كبيرة ولا بد أن تشملها رعاية من رأس السلطة، فأعضاء مجلس الأمة، الذين سرّتهم رؤية الفصل الواضح بين منصب ولاية العهد ومنصب رئاسة الوزراء، لا يعتقدون أن لدى رئيس الوزراء الجديد الفاعلية أو حرية العمل لوضع مسار سياسته الخاصة به· لقد دعمت الأحداث الأخيرة قوة مجلس الأمة، إلا أنها فعلت الأمر نفسه بالنسبة للحكم· وقد تأكدت الهيمنة الدستورية على سياسة الأسرة الحاكمة عبر تقبل الشيخ سالم العلي السالم، كبير العائلة الحاكمة، ورئيس الحرس الوطني والمدافع بأعلى صوته عن مصالح آل سالم، للإجراءات التي تمت علناً· وظهرت هذه المبادرة رسميا حين زاره ولي العهد الشيخ نواف في 8 فبراير المنصرم·
لقد حذر بعض الكويتيين من أن نمط توارث الإمارة المفترض قد حظي بأعظم احترام حين تم خرقه (مثلما حدث مع تولي صباح الثالث)، ولكن القضية الحاسمة لم تكن هي عدم الانسجام مع تقليد التوارث المتبع، بل واقع السلطة في داخل العائلة، ورؤية مجلس الأمة هذه المرة، الى من كان قادرا بالفعل على العمل بفعالية على رأس الدولة·
لا شك أن التنافس بين فرعي جابر وسالم كان عنصراً في نزاع آل الصباح السياسي في الآونة الأخيرة، ولكنه كان أقرب الى نزاع حول قاعدة شكلية منه الى فهم حصيف بأنه ليس لواحد من الفرعين أن يحتكر المناصب الحساسة·
على سبيل المثال، كانت هناك تخمينات بتعيين الشيخ ناصر الصباح، وليا للعهد، إلا أن الأمر تم وزنه بتعزيز فرص وزير الخارجية الشيخ د· محمد لرئاسة الوزارة، وهو ماكان سينظر اليه كإشارة الى آل سالم، ويمثل تعزيزا مرحبا به لمكانة الجيل الأصغر سنا في العائلة والحكومة على حد سواء· ولكن الأولوية الأكثر أهمية بالنسبة للكويتيين كانت اتضاح الطريق نحو الجولة التالية من التوارث، والشخصية القادرة بوضوح على تولي منصب الأمير·
بعض الذين أصابهم ترشيح وتعيين الشيخ ناصر بالخيبة، بدأوا يتطلعون سلفاً إلى ما بعد انتخابات العام 2007· ويأملون أن الشيخ صباح في تلك المرحلة سيدفع الى الأمام ببعض من المؤهلين الشباب الذين ينتظرون على كلا الجانبين الآن·
وسيقوم بعمله هذا في مشهد سياسي مغاير بعد أول انتخابات ستصوت فيها المرأة وتتقدم للترشيح لعضوية مجلس الأمة·
10 فبراير 2006