· أحمد الفهد وأشقاؤه يهيمنون على قطاعات النفط والكهرباء والماء والرياضة وأمن الدولة مما يتيح لهم تعزيز النفوذ وكسب الولاءات لإجهاض النظام الديمقراطي
كتب محرر الشؤون السياسية:
بعد استكمال إجراءات ومراسيم تركيب السلطة وتشكيل الحكومة، وانتهاء الحفاوة، جاء وقت استئناف العمل والجد بعد أن أصبح لدينا حكومة مكتملة الأركان بدأت أولى خطواتها بعرض برنامجها على مجلس الأمة، وهي في المجمل لا تختلف كثيرا عن الحكومات السابقة التي تؤلف على أساس أشخاص وليس على أساس الاتفاق على برنامج·
ردة الفعل السلبية الواسعة بل الصدمة والوجوم الذي شاع بين قطاعات واسعة من الشعب لا يمكن ولا يجوز تجاهلها، لم تكن بسبب من دخل الحكومة، وليس كما حاول البعض تصويره بسبب استبعاد شخصيات معينة محسوبة على أو تميل الى تيارات سياسية معينة، فالمستبعدون من الوزارة من توجهات مختلفة ولكن ردة الفعل السلبية الواسعة التي لا ينكرها إلا من أصيب بالعمى السياسي، كانت للأسباب التي استبعدوا من أجلها، فالإبقاء على وزراء اعتبروا أطرافا في قضايا الفساد واستبعاد وزراء حاولوا التصدي للفساد وحرصوا على تطبيق القانون وعدم السماح بالاستثناءات اعتبر كأنه استسلام لقوى الفساد وإبقاء الأبواب مفتوحة أمامها وأن موقف التصدي للفساد والحرص على تطبيق القانون غير مرغوب فيه·
وهذا لا يعني إدانة مسبقة للحكومة وفي الوقت نفسه لا ينبغي منح الحكومة صكا مقدما بالغفران والمباركة دون النظر لأعمالها وأدائها·
البرنامج الذي تقدمت به الحكومة تضمن معظم القضايا التي تعتبر هموما للشعب، ولا أحد يعترض عليه، وإن كنا نتمنى لو أنه ركز على قضيتين أساسيتين تؤرقان مشاعر المواطنين، ألا وهما قضية محاربة الفساد الذي استشرى في أركان الدولة ومؤسساتها، وقضية إصلاح الحياة السياسية بتعديل نظام الانتخابات بتقليص عدد الدوائر الانتخابية·
صحيح أن الخطاب أتى على ذكر مسألة تعديل الدوائر الانتخابية ضمن قائمة أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة إلا أنها لم تحظ بالمعالجة، باعتبارها مسألة مفصلية في إصلاح النظام السياسي للبلاد برمتها·
فمسألة إصلاح النظام الانتخابي لسد الثغرات التي ينفذ منها العبث في الانتخابات سواء عملية الرشوة بإفساد الذمم وشراء الأصوات والتلاعب بالجداول الانتخابية أو تأثير الواسطة والخدمات في إرادة الناخبين، مسألة أساسية ومدخل رئيسي للإصلاح السياسي، لكي تفرز نتائج الانتخابات من يختارهم الشعب بكامل إرادته الحرة ومن يخدمون قضاياه لا من يتاجرون بها·
ومحاربة الفساد تبدأ بخطوات مكافحة تسلله الى العملية الانتخابية حفاظا على نزاهة الانتخابات وحمايتها من التشويه والتزييف، والمجالس التي تفتخر بها الكويت والتي حققت إنجازات مرموقة في حياتنا كانت المجالس التي انتخبت بأقل تأثير من العوامل السلبية المشار إليها·
وعندما نقول بأن الحكم على الحكومة يكون بعد إعطائها الفرصة للممارسة والنظر في أدائها، لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات تؤخذ من باب التنبيه أو التحذير، فبرنامج الحكومة الذي قلنا إنه تضمن الكثير من القضايا التي تشكل هموما وطنية لا يختلف كثيرا عن برامج الحكومات السابقة، وأصبح معروفا أن صياغة البرامج والخطابات السياسية بقوالب جميلة وعبارات رصينة أو منمقة هي حرفة يمارسها الخبراء والمستشارون، وليس بالضرورة أن تعبر عن الجهة التي تتقدم بها أو تعكس قناعتها أو رغبتها الجادة في التنفيذ، والبرامج والبيانات والخطابات التي تقدمت بها الحكومات السابقة لم تكن أقل من البرنامج الحالي في جمال الصياغة أو شمول المضمون ومع ذلك بقيت كلاما على ورق لم يدخل مرحلة التنفيذ الجاد ولم يتحول الى واقع يقدم حياة الناس ويرتقي بأحوال البلد، بل إن الواقع الكويتي شهد في العقود الماضية مزيدا من التردي والتراجع، ولا أعتقد أن هنالك آمالا كبيرة أن يكون إنجاز هذه الحكومة أفضل من الحكومات السابقة أو أن يرتقي أداؤها الى مستوى برنامجها الذي تقدمت به·
الحكومات السابقة كانت توصف بأن وزراءها ما هم إلا موظفون كبار لدى رئيس الحكومة وليسوا رجال دولة يمارسون دورا قياديا في رسم سياسة الدولة· أقصى ما يمكن أن يفعلوه بعض الإجراءات التنفيذية التي هي أقرب ما تكون الى تسيير الأمور وليست إحداث تغييرات مهمة أو جذرية حتى في وزاراتهم، فما يقوم به الوزراء داخل وزاراتهم بما في ذلك تعيين كبار المسؤولين مثلا خاضع لأوامر ونواهي رئيس الحكومة·
وفي الوضع الراهن هنالك شعور بأن تسيير الحكومة وقرارات الوزراء ستدار من قبل رئاسة الدولة، الاختلاف هو في مقدار الاستقلالية التي ستتاح للوزراء في ذلك·
فقرار إصلاح النظام الانتخابي وتعديل الدوائر في الأغلب سيكون قراراً من فوق الحكومة، ومدى الجدية في الاستجابة لهذا المطلب الملح معقود على ذلك خاصة أن الوزراء الجدد الذين دخلوا الحكومة هم إما معارضون لتعديل الدوائر أو غير متحمسين، أما في موضوع مكافحة الفساد فمداخلات الوزراء الذين شاركوا في برنامج 6/6 عن مكافحة الفساد لا توحي بالتفاؤل، بل تزيد المخاوف من استشراء الفساد خاصة في البلدية التي قيل إن فسادها لا تحمله الجمال، ويخشى أن فسادها القادم لن تحمله كبرى ناقلات النفط·
وهو ما يخشى معه أن يتعزز مركز القوى المتهاونة والمشجعة للفساد داخل الحكومة·
ويرى الراصدون بأن معسكر شرار وأحمد الفهد سيجد مجالا أوسع للعب دور أكبر، وخطورة هذا المعسكر أنه في سبيل تنمية المصالح السياسية أو غيرها، لا يرى مانعا من استخدام أموال الدولة وأملاكها ووظائفها العامة ونظمها، حتى لو أدى ذلك الى التفريط في المال العام وتخريب أجهزة الدولة، كما جرى حين تم توظيف المئات في وزارة الإعلام وهم في بيوتهم من دون حتى التزامهم بالدوام·
والخطورة اليوم أن الشيخ أحمد الفهد يهيمن على مصالح واسعة تتيح له متى ما أراد الاستخدام السياسي لتعزيز نفوذه في كسب الولاء فقطاعا النفط والكهرباء هما أكبر قطاعين من حيث النفقات، فاستثمارات الكهرباء وعقود مقاولاتها بمئات الملايين وميزانية الإنفاق الرأسمالي في قطاع النفط تقدر بآلاف الملايين، فمن سيحد من تمادي أحمد الفهد لاستخدام هذه القوة المالية الهائلة لتعزيز نفوذه وكسب الرضا والولاء السياسي·
وإذا أضفنا الى ذلك المواقع الحساسة التي يسيطر عليها أشقاؤه في الرياضة وأمن الدولة، نبين مدى خطورة أساليب أحمد الفهد في تخريب النظام الديمقراطي وإفراغه من محتواه·
ومن بين أعضاء الحكومة الحالية سيكون موقع الدكتور إسماعيل الشطي وزير المواصلات تحت الرصد أكثر من غيره، فهو الوزير الوحيد المسيَّس في الحكومة الحالية، فالدكتور الشطي عضو قيادي في تنظيم سياسي (الحركة الدستورية الإسلامية) وهو عضو في الكثير من التنظيمات الفكرية الكويتية والمنظمات الإقليمية، فهو عضو في المؤتمر القومي الإسلامي، وعضو في مشروع دراسات الديمقراطية، وعضو في الهيئة التنفيذية لمنظمة البرلمانيين العرب لمكافحة الفساد، وعضو في المنظمة العربية لمكافحة الفساد، وعضو مؤسس في لجنة مقاومة التطبيع مع إسرائيل·
والدكتور الشطي قدرة لا يستهان بها من الفعالية السياسية وامتلاك ناصية الحوار ولديه تصور لمسار التغيير المطلوب إحداثه على المستوى الوطني أو حتى على المستوىين العربي والإقليمي·
وإذا كان الوزراء الآخرون سيرصدون باعتبارهم تكنوقراط فإن الدكتور الشطي سنرصد مواقفه باعتباره شخصا سياسيا قياديا لديه مشروع للتغيير وآليات هذا التغيير، ومساره، وممارساته في كرسي السلطة ستكون محل مساءلة من هذا المنظار، وموقفه اتجاه إصلاح النظام الانتخابي وتعديل الدوائر كمدخل للإصلاح السياسي وموقفه من قضايا الفساد ستكون موضع اختيار ومساءلة أكثر من بقية الوزراء·
وللشطي كتابات كثيرة في مسألة الديمقراطية ومحاربة الفساد ففي ورقة بحثية قدمها لندوة الفساد والحكم الصالح التي عقدتها مؤسسة دراسات الوحدة العربية تطرق الى أهمية الديمقراطية التي تتصف بالتعددية وتداول السلطة ودور السلطة الرقابية للبرلمان في محاصرة الفساد·
وأشار الى أساليب الالتفاف على هذا الدور للبرلمان بخطوات استباقية وأساليب كثيرة من بينها توزيع الدوائر الانتخابية بشكل يصب في مصلحة المفسدين، وعن آليات مكافحة الفساد أشار الشطي في الورقة نفسها الى أهمية ديوان المحاسبة والتدقيق في توفير الرأي الفني والقانوني لدعم دور البرلمان الرقابي فهذا المكتب يقوم بالتدقيق في إيرادات الدولة ومصروفاتها وفحص المناقصات وعقود الشراء والإيجار وعمليات الاستثمار كما يزود السلطة الرقابية بتقارير دورية حول المخالفات والتجاوزات، وإن من شأن ذلك وضع الفساد في حصار خانق ما لم يكن هناك تراخ في الرقابة والمحاسبة·
واليوم تواجه الحكومة والبرلمان قضيتان أساسيتان تنطبق عليهما تحذيرات الشطي، وهما التلاعب في توزيع الدوائر في إجهاض الديمقراطية وتفريغها من محتواها والهجوم على ديوان المحاسبة من قبل نواب لأن ديوان المحاسبة قدم تقارير تكشف انتفاعهم ومخالفاتهم، فاستغلوا مراكزهم النيابية لحماية مصالحهم بالمخالفة للقوانين والأنظمة والقواعد السلوكية والقيم الأخلاقية·
أعتقد أن موقف الدكتور الشطي إزاء هاتين القضيتين سيكون تحت الرصد الدقيق من الساحة السياسية في كيفية تطبيق المبادئ عند الوصول الى السلطة التنفيذية·