رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 23 محرم 1427هـ - 22 فبراير 2006
العدد 1716

لماذا فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية؟!

                                                                                   

 

·        حركة حماس وجدت دعماً جماهيريا فاق التوقعات بالرغم من محاولات العديد من مراكز قياس الرأي إعطاء صورة مغايرة للواقع

·         من أسباب هزيمة حركة فتح : الانشقاق الكبير داخل الحركة وعدم وجود رمز جامع كالرئيس ياسر عرفات

·         الأراضي الفلسطينية المحتلة شهدت أوضاعاً سوداوية عشية الانتخابات التشريعية من أهمها انسداد أفق التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي

·         الحركة حصلت على 57,6% من إجمالي قاعد المجلس التشريعي الفلسطيني

·         جاء في البرنامج الانتخابي لحركة حماس : فلسطين التاريخية جزء من الأرض العربية والإسلامية وهي حق للشعب الفلسطيني لا يزول بالتقادم، ولا يغير من ذلك أي إجراءات عسكرية أو قانونية مزعومة

·         واجهت حركة حماس منذ لحظة الإعلان عن فوزها في الانتخابات، حملة واسعة من الضغط والحصار، ضغط أمريكي وضغط عربي وضغط إسرائيلي· وينصب الضغط كله حول نقطة واحدة وهي الاعتراف بإسرائيل

 

دراسة من إعداد:

عبدالله عيسى الموسوي*

لماذا فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ؟ ولماذا خسرت حركة فتح وهي القوة العظمى جماهيرياً منذ قرابة أربعة عقود من الزمان هذه الانتخابات بصورة فاجأت الجميع ؟ وهل سيعود انتصار حماس بالوبال على الشعب الفلسطيني كما بدأت العديد من الدوائر الغربية بالترويج لذلك بعد إعلان النتائج ؟ وهل الدعاوى الأمريكية والأوروبية لإرساء معالم الديمقراطية في المنطقة تنقلب بين ليلة وضحاها عندما تختار الشعوب من هم ليسوا على أهواء الأنظمة الغربية ؟

هذه الأسئلة، وغيرها العشرات ظلت تطرح في الأيام التي تلت الانتصار الكاسح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وبالتالي إعطاؤها شرعية تشكيل الحكومة الفلسطينية وهي الحركة التي قدمت مئات الشهداء وتؤمن بأن الخيار المسلح هو السبيل الأنجع لإعادة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني·

إن انقلابا بلا أدنى شك قاده أبناء الشعب الفلسطيني الذين يئسوا من السير في طريق التسوية التي انتهجتها حركة فتح منذ مؤتمر مدريد عام 1991م إلى اليوم ولم يعد على الشعب الفلسطيني إلا بمزيد من الدمار والقتل والشواهد على ذلك كثيرة·

وفي دراستنا الموجزة هذه، سوف نتناول أسباب فوز حركة حماس وهزيمة حركة فتح والنتائج المترتبة على ذلك وكلنا أمل أن نوفق في إيصال المعلومة الموجزة والهادفة والمنطقية لقرائنا الأعزاء·

 

الأوضاع قبل بدء الانتخابات

التشريعية الفلسطينية

 

شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة أوضاعاً غاية في السوداوية عشية الانتخابات التشريعية ولعل من أهمها انسداد أفق التسوية السياسية، وهو انسداد بدأ واضحاً بسبب سياسات الحكومة الإسرائيلية التي يترأسها الإرهابي شارون - قبل إصابته بالجلطة الدماغية وخروجه من الحياة السياسية - وهذه السياسة، انتهت إلى نتيجة تقول برفض التفاوض والسعي إلى حل مفروض من طرف واحد، والاستيلاء على نصف الضفة الغربية ( أراضي الجدار العازل، وأراضي منطقة القدس الكبرى، وأراضي منطقة الغور ) بعد الانسحاب من قطاع غزة الذي يشكل عبئاً ثقيلاً على دولة إسرائيل، مع استمرار السيطرة على الأجواء والمياه الإقليمية، ولينشئ الفلسطينيون بعد ذلك، وفوق ما يتبقى لهم من أرض مقطعة الأوصال (دويلة) لا أكثر·

ولعل أهم سببين قاداها لهذا الوضع الدعم الأمريكي اللامحدود للسياسات الإسرائيلية وضعف حركة فتح التي ركزت جهدها في محاربة حركات الكفاح المسلح لتنال رضى الجانب الإسرائيلي ولكن من دون أي فائدة·

 

لماذا خاضت حركة حماس الانتخابات

التشريعية الفلسطينية؟

 

إزاء الوضع سابق الذكر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم قدرة حركة فتح على تحمل المسؤولية بجدارة واستسلامها المطلق أمام عنجهية الجيش الإسرائيلي، كان لا بد من قيام الحركات الجماهيرية التي قدمت مئات الشهداء خلال الانتفاضة ما قبلها من التصدي لتحمل عبء المسؤولية حيث جاء في الخطاب الرسمي للحركة والذي أعلنت فيه رغبتها في خوض الانتخابات: (انطلاقاً من واجبنا في الإسهام في إصلاح الواقع الفلسطيني بما يخفف معاناة شعبنا الباسل ويعزز صموده ويحميه من الفساد وأملاً في تعزيز الوحدة الوطنية وتمتين الصف الداخلي الفلسطيني، اتخذنا قرارنا بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية·

إن قائمة التغيير والإصلاح تعتقد أن مشاركتها في الانتخابات التشريعية في هذا التوقيت وفي ظل الواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية تأتي في إطار البرنامج الشامل لتحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه ووطنه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس· لتكون هذه المشاركة إسناداً ودعماً لبرنامج المقاومة والانتفاضة الذي ارتضاه الشعب الفلسطيني خياراً استراتيجياً لإنهاء الاحتلال )·  

بهذه الرؤية الواضحة للجميع، أعلنت حركة حماس خوضها المعركة الانتخابية لتجد منذ اليوم الأول دعماً جماهيريا فاق التوقعات وبالرغم من محاولات العديد من مراكز قياس الرأي إعطاء صورة مغايرة للواقع إلا إنها فشلت في تغيير الصورة النمطية التي ترسخت في أذهان الفلسطينيين عن حركة حماس·

 

أهم بنود البرنامج الانتخابي لحركة حماس

 

منذ إعلان النتائج الرسمية للانتخابات الفلسطينية، تمسك قادة حركة حماس بصورة كاملة بالبرنامج الانتخابي الذي طرحوه إبان الحملة الانتخابية بالرغم من الضغوطات الدولية والعربية للتخلي عنه· وفيما يلي أهم بنود البرنامج الانتخابي·

- فلسطين التاريخية جزء من الأرض العربية والإسلامية وهي حق للشعب الفلسطيني لا يزول بالتقادم، ولا يغير من ذلك أي إجراءات عسكرية أو قانونية مزعومة·

- الشعب الفلسطيني وحدة واحدة في جميع أماكن تواجده، وهو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية·

- شعبنا الفلسطيني مازال يعيش مرحلة التحرر الوطني، وله الحق في العمل لاسترداد حقوقه وإنهاء الاحتلال باستخدام جميع الوسائل بما فيها المقاومة المسلحة· وعلينا تسخير كل طاقاتنا لدعم صمود شعبنا، وتوفير جميع الإمكانات لدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس·

- حق العودة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني اللاجئين والمبعدين إلى أراضيهم وممتلكاتهم، وحق تقرير المصير، وكل حقوقنا الوطنية، تعد حقوقاً غير قابلة للتصرف، وهي ثابتة لا ينتقص منها أي تنازلات سياسية· 

- التمسك الكامل بحقوق شعبنا الثابتة والأصيلة في الأرض والمقدسات والمياه والحدود والدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس·

كما احتوى البرنامج الانتخابي على رؤيا مميزة في السياسات الخارجية والإصلاح الداخلي ومكافحة الفساد والخدمات الاجتماعية· 

 

نتائج الانتخابات

 

أقيمت الانتخابات الفلسطينية في 25/1/2006م وسط أجواء من من الديمقراطية شهد لها القاصي والداني حيث تميزت بالشفافية والحياد من قبل اللجان المشرفة على سير العملية الانتخابية ومع فجر يوم 1/26 بدأت النتائج بالظهور تدريجياً وسط دهشة الجميع من اكتساح مرشحي حماس وما هي إلا ساعات حتى أعلنت النتائج الرسمية التي اعتبرت تحولاً نوعياً في النظام السياسي الفلسطيني، بعد فوز حركة حماس وحصولها على 76 مقعداً في المجلس التشريعي من أصل 132 مقعداً، في حين حصلت حركة فتح التي كانت تستحوذ على غالبية المقاعد في المجلس التشريعي المنحل على 43 مقعداً، أما باقي القوائم فحصلت على 13 مقعداً، أي أن حماس استأثرت بنحو %57,6 من إجمالي المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني وبالتالي يحق لها تشكيل الحكومة الجديدة·

 

خمسة أسباب رجحت كفة حماس للفوز

في الانتخابات التشريعية

 

يمكن إيجاز أسباب الفوز الكاسح لحركة حماس بالنقاط التالية :

- الانشقاق الكبير داخل حركة فتح وظهور العديد من التنظيمات العسكرية المنطوية تحت لوائها ولا تلتزم بأدبياتها وكذلك الصراع العلني في وسائل الإعلام بين قادة الحركة·

- غياب الرمز الفلسطيني الجامع لكل تيارات حركة فتح حيث لم يستطع الرئيس محمود عباس أن يكون رمزاً كما كان الرئيس ياسر عرفات·

- ظهرت حركة حماس خلال سنوات الانتفاضة على أنها حركة مقاومة ضد الاحتلال وأنها على استعداد لبذل الغالي والنفيس في عملية الكفاح المسلح الذي اعتبرته خياراً وحيداً لإعادة الحقوق المغتصبة بينما لجأت حركة فتح للمفاوضات المذلة مع الحكومة الإسرائيلية دون نتيجة·

- الفساد الكبير الذي طفا على السطح في مؤسسات السلطة الفلسطينية والتي يترأسها أعضاء من حركة فتح·

 

المواقف الدولية من فوز حركة المقاومة حماس

في الانتخابات التشريعية

 

واجهت حركة حماس منذ لحظة الإعلان عن فوزها في الانتخابات، حملة واسعة من الضغط والحصار· ضغط أمريكي وضغط عربي وضغط إسرائيلي، وينصب الضغط كله حول نقطة واحدة وهي الاعتراف بإسرائيل وما يترتب على ذلك من الإعلان عن وقف المقاومة للاحتلال والإقرار بمبدأ التفاوض حسبما جرت عليه الأمور في السنوات السابقة· 

وتصاعدت حملات الابتزاز الغربية لتصل مداها في التهديد بقطع المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين في إعلان فج لحقيقة الديمقراطية الغربية التي تتلون حسب المصالح والأهواء لا حسب المبادئ والثوابت·

وفي 3/2/2006م صدر بيان من مجلس الأمن الدولي يدعو الحكومة الفلسطينية المقبلة لاحترام الاتفاقيات والمبادئ ومنها خريطة الطريق والحل التفاوضي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي مع ضرورة أن تمنع السلطة الفلسطينية ما سماه البيان الهجمات الإرهابية وأن تفكك البنية التحتية للإرهاب وربط كل ذلك بالمنح المالية التي تقدمها المنظومة الدولية للفلسطينيين·

لقد فازت حماس وفق برنامج واضح ومحدد وعلني وليس من المنطق أن تغير هذا البرنامج لمجرد وجود ضغوط دولية عليها وإن من صوّت لصالح الحركة كان يعلم يقيناً بأن مثل هذه الضغوطات سوف تمارس على حكومته ولكن يبدو أن الشعب الفلسطيني قد يئس من طريق المفاوضات والجلوس المذل على طاولتها، وأيقن أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لاستعادة الأرض·

 وفي المقابل، تميزت تصريحات قادة حركة حماس بعد الفوز في الانتخابات التشريعية بالحكمة والمنطق وعمق الطرح وشموليته في موقف أدهش العالم أجمع·

 

الخلاصة

 

إن التحدي الذي تواجهه حركة حماس اليوم خطير جداً حيث يقع على عاتقها هم تحرير الأرض وهم البناء والاستقرار الداخلي في شتى المجالات، وهي مسؤولية جسيمة بلا أدنى شك خصوصاً في ظل العداوات الداخلية قبل الخارجية ولكننا على ثقة بأن حركة حماس التي ساهمت بقوة في الانتفاضة الأولى وقادت الانتفاضة الثانية قادرة على تحمل أعباء حرب التحرير وإعادة الحقوق المغتصبة سواء أكان ذلك من على طاولة المفاوضات وبشروط الأقوياء أو من خلال المواجهة في ساحة المعركة·

*باحث في الصراع العربي - الإسرائيلي

 

 

طباعة